عاشوراء 2024

قضايا وكتب

قراءة في كتاب: تحت قبّة الكابيتول
14/01/2024

قراءة في كتاب: تحت قبّة الكابيتول

بطاقة الكتاب    
المؤلف: علي حسن مراد
العنوان: تحت قبّة الكابيتول، تفكيك المزاعم الأميركية حول دور حزب الله في أميركا اللاتينية
بيروت، الطبعة الأولى، كانون الثاني 2024، عدد الصفحات، 221
الناشر: المركز الإستشاري للدراسات والتوثيق
مراجعة: شوكت اشتي

عداء أميركا لحركات التحرر العالمية عامة، والعربية ضمنها خاصة، وقضية فلسطين بشكل أخص مسألة محسومة ومسلم بها. لأن الوقائع على مدار التاريخ الحديث والمعاصر، يكشف دورها الإستعماري وسياساتها العدائية للشعب العربي وقضاياه كافة، ودعمها الكامل والمطلق لكيان العدو الصهيوني. وبالتالي فإن إدارتها وقيادتها لحرب الإبادة الجماعية ضد أهلنا في قطاع غزة والضفة الغربية، عقب عملية طوفان الأقصى بتاريخ 7 تشرين الأول 2023، هي مظهر من هذا العداء المستحكم والغاشم.

من هنا تعمل أميركا، وبقوة وشراسة، وبشتى الطرق المباشرة وغير المباشرة ضد المناضلين والمجاهدين والمقاومين لتوجهاتها، والرافضين هيمنتها والساعين للتحرر من الاحتلال والسيطرة الإستعمارية. لذلك فإن التهجم على حزب الله كفصيل مقاوم، والتحريض ضده والعمل لمحاصرته، يدخل، عمليًا، ضمن التوجه السياسي والعسكري الذي تعتمد أميركا.

بناء على ذلك، وبعد سلسلة من "التركيبات" السياسية والإعلامية و"التشريعية"، عمدت أميركا، عبر وزارة العدل، في تشرين الأول العام 2018، إلى تصنيف الحزب كـ"منظمة إرهابية عابرة للحدود". فكيف وصلت الإدارة الأميركية إلى هذا القرار؟ وكيف سوغته؟ وعلى ماذا اعتمدت؟ وما هي الحيثيات؟ وما هو مستوى الصدقية في توجيه الإتهام ضد حزب الله؟ 

أهمية خاصة

يسعى الكتاب، موضوع المراجعة، إلى الإجابة عن هذه التساؤلات، مُستندًا إلى مجموعة من القرائن والمعطيات، لكشف طبيعة الإدعاءات الأميركية، وتفنيد مساراتها، وتحديد إجراءاتها، وكشف الخلقيات المحركة لها وصولاً إلى فضح زيفها، وذلك من خلال متابعة مئة (100) جلسة من جلسات مجلسي الشيوخ والنواب الأميركيين، التي امتدت على مدار ثلاثة عشر عامًا، من العام 2015 ولغاية 2018،. وهذه الخطوة، سواء بطبيعة موضوع الكتاب، أو بالفترة الزمنية المُحددة، ليست بالأمر السهل، ممّا يُعطي الكتاب خاصية مميزة، ويؤسس لمسار مميز، في الرد على  أعداء المقاومة وفضحهم.

من هنا تنبع أهمية هذا الكتاب، ليس لكشفه زيف المزاعم الأميركية الموجهة ضد الحزب فقط، بل لاستنداه إلى وثائق ومستندات حسيّة. مّما يجعل الكتاب "وثيقة سياسية"، على قدر كبير من الأهمية، لكونه بعيدًا عن الأسلوب الخطابي، و"الجدل البيزنطي" والمناكفات السياسية من جهة، ولأنه "تحرر" من الأحكام المُسبقة والإسقاطات الجاهزة، والإنحياز وتغييب الدليل من جهة ثانية. 

معطيات أولية

إن كشف زيف "المضبطة الإتهامية" الأميركية، بحق حزب الله، اتخذت مسارًا طويلاً، ومتابعة لعدد كبير من محاضر جلسات بعض اللجان في مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين على مدار هذه السنوات العديدة. ولفهم طبيعة هذه الإدعاءات ضد الحزب، يمكن الإشارة، وباختصار، إلى الآتي:

- إن وتيرة عقد الجلسات تصاعدت مع وصول ترامب إلى السلطة، وسيطرة الجمهوريين على الأغلبية بمجلسي النواب والشيوخ.

- إن مجلسي النواب والشيوخ، استعانا بما يسمى "شهادات" من جهات غير حكومية، ومسؤولين ووكلاء حكوميين وغير حكوميين، كان الأكثر حضورًا بينها مؤسسة "الدفاع عن الديمقراطيات" التي شاركت بعشرين جلسة (20)، يليها "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" شارك بستة عشر جلسة (17). 

- إن أصحاب المراكز البحثية التي قدمت "الشهادات"، في مجلسي النواب والشيوخ، معروفين بارتباطهم الوثيق باللوبي "الإسرائيلي" في أميركا. إضافة إلى أن بعض الـ"شهادات" كانت من يمينيين متطرفين ضد الإسلام، مثل، "المركز الدولي للتقييم والإستراتيجيا"، أو يديرها أو يملكها محافظون، مثل "مركز المشروع الأميركي"... وكلهم يدافعون عن الكيان الصهيوني بقوة وباستمرار.

- إن أغلب هذه المراكز تتلقى دعمًا من متمولين صهاينة، وبشكل سافر وواضح، مثل الملياردير "شيلدون أديلسون" والملياردير "بول سينجر".

- إن أشخاصًا بعينهم، من الذين قدموا الـ"شهادات"، وكانوا أكثر مشاركة في هذه الجلسات، هم بأغلبهم من اليهود الأميركيين المتحمسين لاستهداف الإسلام، وحركات المقاومة ضد الكيان "الإسرائيلي"، وعلى رأسها حرب الله، أو من المسيحيين الإنجيليين اليمينيين، الذين يعملون لصالح الكتل اليمينية المعادية للإسلام.

لجنة الشؤون الخارجية

قد تكون هذه اللجنة الأكثر نشاطًا وفاعلية في رسم سياسة العداء لحزب الله. حيث عقدت في مجلس النواب الأميركي العدد الأكبر من الجلسات، (81 جلسة من أصل 100)، مقارنة بمجلس الشيوخ الذي عقد (18) جلسة، إضافة إلى جلسة مشتركة للمجلسين. غير أنه من المهم جدًا، الإشارة إلى طبيعة هذه اللجنة لتوضيح ما ذهب إليه المؤلف في دحض المزاعم والإتهامات الأميركية ضد الحزب، منها الآتي:

- إن من تعاقبوا على رئاسة هذه اللجنة، على امتداد سنوات الدراسة (2005-2018)، كانوا إما يهود، أو من أصول يهودية (أي أن اصولهم اليهودية تعود إلى هنغاريا، أو تركيا، أو من الروس، أو أوكرانيا...)، أو من اليمين الإنجيلي المتصهين، والمتمسك بالدفاع عن مصالح الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.

- إن الممولين الصهاينة واللوبي "الإسرائيلي" يتبرعون لدعم الحملات الإنتخابية لرؤساء هذه اللجنة وأعضائها المميزين.، على سبيل المثال لا الحصر: إيليان روس- لينينان، رئيسة اللجنة من 2007 ولغاية 2010، وقد موّل حملتها الإنتخابية "إيرفينغ موسكوفيتش"، وهو الشخص الذي موّل بناء المستوطنات الصهيوينة في حي الشيخ جرّاح في القدس المحتلة. وبالتالي، مثل هذه المصادر الصهيونية الداعمة، تؤثر مباشرة على رسم سياسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الداعمة للكيان "الإسرائيلي". ويذكر الكتاب العديد من الأسماء الأخرى، ويوثق بالأرقام المبالغ المالية المدفوعة.

- إن النواب المتعاقبين على إدارة عمل هذه اللجنة، وغيرهم من الأعضاء، بين (2005-2018)، عمدوا إلى مناقشة العديد من مشاريع القوانين التي استهدفت إيران وحزب الله، حيث بلغ عددها (52) مشروع، أٌقر منها (22). ومن هذه المشاريع التي تم إقرارها، على سبيل المثال لا الحصر: قانون تمديد العقوبات الإيرانية، قانون منع التمويل الدولي لحزب الله، المعدل لعام 2018، ويُبين الجدول رقم (3) نماذج عن هذه القوانين المقدمة والتي تم إقرارها.

- إن جلسات هذه اللجنة كانت تزداد مع حدوث توتر في المنطقة، من أجل إحداث المزيد من الضغوط على محور المقاومة، لمحاصرته ومحاولة عزله، وتهميش تأثيره.

إن مجمل ما تقدم، وإن بشكل مُختصر، يدلّ بشكل واضح، على مسار عمل العديد من جلسات مجلس النواب الإميركي، المتعلقة بحزب الله، سواء لجهة الخلفية، أو المحرك، أو الهدف، وذلك من خلال التركيز على تشويه صورة الحزب، وصورة المقاومة، وإدارجه في خانة "الإرهاب والأمن القومي"، وإدراجه قسرًا في صلات مزعومة بـ "الجريمة المنظمة"، وتصنيفه كـ"منظمة إجرامية" من جهة، وتحريض الأميركيين، وغيرهم في العالم أجمع، ضده، بكل ما يمكن أن تحمله هذه السياسة من أبعاد سلبية لزعزعة الثقة بالمقاومة من جهة ثانية، واستحضار التعاطف والتأييد للعدو الصهيوني في فلسطين المحتلة من جهة ثالثة.

طبيعة المشاركين

تنوعت المشاركة في جلسات الإستماع التي عقدها المُشرّع الأميركي في غرفتي الكونغرس (مجلس النواب ومجلس الشيوخ)، بين العام (2005-2018) بين مراكز أبحاث، وفكر بالدرجة الأولى، للتحريض على الحزب ووضع التوصيات لمعاقبته ومحاصرته. كما تنوعت اختصاصات هذه المراكز البحثية، بين سياسية وإقتصادية وأمنية والمتابعة لشؤون أميركا اللاتينية... ليصل عددها إلى أربعة عشر (14) مركزًا.

وعليه فإن الكتاب، موضوع المراجعة، يوزع هذه المشاركة على مستويين، من حيث المبدأ. الأول، مشاركة المراكز. الثاني، مشاركة الأفراد. وبالتالي، يُفنّد هذه المراكز وطبيعة هؤلاء الأفراد بشكل دقيق، ومُفصّل. وفي المستويين، يتابع المؤلف هذه المشاركة، سواء لجهة التأسيس، الطبيعة، الاهتمام، عدد جلسات المشاركة، الهيكلية، مصادر التمويل، الإنفاق المالي، الحضور الإعلامي، النشاط في الكونغرس... ومن خلال هذا التوصيف الدقيق والمستفيض، المدعوم بالأسماء، والأرقام، والجداول... يمكن الإشارة إلى الآتي:

- على مستوى المراكز

إن هذه المراكز بعضها قديم التأسيس ومنها جديد. منها ما يعود إلى الأعوام: 1938، 1962، 1982، 1985، غير أن أغلبها تأسس بعد العام 2001، في أعقاب هجمات 11 ايلول.

- إن هذه المراكز تتكتم عن مصادر تمويلها. غير أنها ترتبط، بحسب ما وفرّته التحقيقات والمعلومات، باللوبي الصهيوني في أميركا وبشكل مباشر.

- إن سياسة هذه المراكز، تقوم على تشويه صورة حزب الله، بكل الطرق والوسائل الممكنة، والتحريض على إيران، والقتال ضد الإسلام بحجة التشدّد، والدفع بإتجاه التدخل الأميركي ضد الحزب وحلفائه.

- إن هذه المراكز في جلسات المشاركة، تُعطي لعملها بُعده "البحثي" و"العلمي"، لإقناع  المستمع، أو المشاهد، أو القارىء، داخل أميركا وخارجها، بـ"دقة" و"موضوعية" ما تتقدم به.

- إن هذ المراكز لها حضورها الإعلامي الدائم والمستمر، سواء عبر الشاشات، أو الصحافة، أو المنتديات، أو المؤتمرات.

- إن كل هذه المراكز منحازة للكيان الصهيوني، ويقوم عملها على الدفاع عن "إسرائيل"، بشتى الطرق والوسائل. لدرجة يبدو العدو الصهيوني "قديسًا"، منذورًا لعمل "الخير"، أو كأنه مؤسسة خيرية.. لا تشوه سياساته أية جريمة ولا يقوم بأي عمل غير إنساني.

على مستوى الأفراد

يستعرض الكتاب موضوع المراجعة، خلفيات وأوضاع ومسار نشاطات (17) باحثًا، كانت مشاركتهم مهمة جدا ونوعية، في جلسات الإستماع بغرفتي الكونغرس (مجلس النواب ومجلس الشيوخ)، لتركيب الإتهامات ضد الحزب، والتحريض عليه، إنطلاقا من أميركا اللاتينية. حيث ظهر أن خلفية (5) منهم هم من اليهود، والباقين من الإنجيليين والمحافظين ودبلوماسيين ومستشارين وأصحاب رتب عسكرية تصب نوعية مداخلاتهم على إتهام الحزب، وإعطاء هذه التهم بُعدًا "بحثيًا"... لذلك فإن الحزب برأيهم، يُدير "شبكة جرائم عالمية متطوّرة ومنظمة"، ومتورط في تهريب المخدرات، وترويجها، وله دور في الجريمة المنظمة في أميركا اللاتينية، ووصل الأمر برأي البعض من هؤلاء الأفراد، إلى القول: إن الحزب يقوم بتهريب عناصره إلى داخل الولايات الأميركية.

بناء عليه، يمكن القول: إن الحملة المنظمة والمدروسة التي تقوم بها هذه المراكز والأفراد، ضد الحزب، تخدم العدو الصهيوني، وتُغطي على جرائمه. ومن الموضوعية القول، ايضًا: إن خلفية هؤلاء، المراكز والأفراد، تدخض ادعاءاتهم. لأنها تنطلق من مواقف مُسبقة وأحكام قاطعة، سياسية ودينية، ضد القضايا العربية عامة وقضية فلسطين خاصة، ولكل أشكال النضال ضد العدو الصهيوني، ممّا يجعلها خارج المنطق ومعادية للمصداقية. خاصة وإن رئاسة لجنة الشؤون الخارجية، كما أوضح الكتاب، تكون، في الغالب لشخصيات مقربة جدًا من الكيان الصهيوني، وتعتمد في تمويلها على اللوبي "الإسرائيلي" في أميركا.

تهمة المخدرات

بدأت سردية إتهام الحزب المزعومة بالإتجار بالمخدرات من قبل العدو الصهيوني، في بداية تسعينيات القرن الماضي، وفي إحدى جلسات الكنيست، وفي اجتماع لجنة ما يُسمى بـ"الحرب على المخدرات"، ثم تم الترويج لهذه التهمة في الأوساط الأميركية، لتغدو معزوفة حاضرة ومكررة باستمرار.

فقد إدعى تقرير لصحيفة أميركية بتاريخ 9 آذار 1988، إن سلطة دينية شيعية أصدرت فتوى تُشرّع للحزب "إنتاج الأفيون والهيروين، طالما تُباع للكفار". 

دون الأخذ بعين الإعتبار أن الدين الإسلامي يُحرم هذه المسائل. ولعب المدعو يوسف بودانسكي، الذي نشر مقولته عن الفتوى، دورًا أساسيًا في اختلاق هذه المقولة والترويج لها. مع الإشارة إلى أن هذا الشخص يهودي، وعالم سياسي "إسرائيلي"، وحصل على الجنسية الأميركية في الثمانينات من القرن الماضي، واحتل مواقع أساسية في الأجهزة والمراكز الأميركية، السياسية والعسكرية.

 ويعرض الكتاب معلومات تفصيلية عنه في الفصل الثالث، الأمر الذي جعل الإدعاء بوجود الفتوى الدينية، خبرًا منتشرًا تتناقله الأوساط المختلفة وتروج له، في العديد من الكتب والأبحاث. وفي سياق توضيح خلفية هذه الإتهامات، فإن الطبعة الثانية، مثلاً، لاحدى كتب بودانسكي، بعد 11 ايلول العام 2001، إضافة إلى الفتوى المزعومة، أشارت إلى أن التنظيمات الإسلامية السنيّة والشيعية اختلفت في الاديولوجيا، لكن تعاونت في الجريمة المنظمة بناء على تحالف سرّي مزعوم بين تنظيم القاعدة وإيران.

بناء على ما تقدم، يمكن إستنتاج، بعض الملاحظات على النحو الآتي:

- إن تصاعد الهجوم على حزب الله ترافق مع الهجوم على قوات المارينز في بيروت وأزمة الرهائن العام 1992.

- إن الإسلام كدين جرّم تعاطي المخدرات والإتجار بها. فكيف يمكن لتنظيمات إسلامية القيام لهذه الأعمال؟

- إن التركيز على الفتوى الدينية، لإعطاء الإتهام المزعوم "شرعيته"، لم يأتِ مطلقًا على ذكر المرجع الديني الذي أعلن الفتوى. فمن أصدر الفتوى؟ ومتى؟

- إن زراعة المخدرات في لبنان كان سابقًا لوجود حزب الله, وهذا ما أشار إليه، مثلاً، جوناثان مارشال، في كتابه الصادر العام 2012، في الرد على الإتهام الأميركي. حيث قال: إن إدعاء وكالة المخابرات الأميركية عام 1988، بأن الإيرانيين علمّوا عناصر حزب الله زراعة الأفيون ليس عقلانيًا.

- إن الأميركيين في تركيزهم على إتهام الحزب، بدور في أميركا اللاتينية، يهدف إلى إقناع الأميركيين بأن الحزب ليس مجرد عدو بعيد عن أرضهم، بل هو قريب جدًا منهم.

- إن الشراكة "الأميركية الإسرائيلية" في تلفيق التهم وتركيبها، ناتجة عن تقاطع المصالح والاهتمامات والسياسات.... وتهدف، من ضمن ما تهدف إليه، إلى حشد أكبر الجهود الدولية للضغط على الحزب وتهديده.

- إن تصاعد الموجة "الأميركية الإسرائيلية" في مضبطة الإتهامات المزعومة، تهدف، من ضمنه ما تهدف إليه، إلى إثارة الشكوك حول رجال الأعمال الشيعة خاصة، كما المغتربين اللبنانيين عامة. وابتزازهم.

مراحل التحريض ومناطقه

يُلاحظ أن التركيز على سردية الإتهامات ضد حزب الله، وسعي المُشرّعين الأميركيين في مجلسيّ النواب والشيوخ، وبالتعاون مع اللوبي الصهيوني، أخذ  مسارات متعددة واشكالاً مختلفة، سواء على مستوى "الخطاب". أي إطلاق المزاعم ضد الحزب، أو على مستوى مناطق التحريض عليه. لذلك فإن ما يُقدمه الكتاب، موضوع المراجعة، حول هذه المسائل يتسم بالدقة. خاصة وأنه يُدرج المعطيات ويُبين أبعادها وخلفياتها، ويُحدّد القائلين بها... وصولاً إلى إتخاذ قرارات أو قوانين ضد الحزب.

1-على مستوى الخطاب: يلاحظ أن النفخ الإعلامي ضد الحزب، بقي يتصاعد بدءًا من تفجير السفارة "الإسرائيلية" في الأرجنتين العام 1992، وإلى تفجير المركز الثقافي اليهودي "آميا" في عاصمة الأرجنتين العام 1994، لتزداد الإندفاعة تصاعدًا ضد الحزب بعد أحداث 11 ايلول العام 2001، بحجة ما يُسمى بالارهاب والجريمة المنظمة، سواء في الإعلام، أو جلسات اللجان في مجلسي النواب والشيوخ.

2-على مستوى المناطق: يلاحظ أن التحريض على الدور المزعوم للحزب في أميركا اللاتينية، شمل المنطقة الحدودية بين البرازيل والأرجنتين والباراغوي، كما فنزويلا والبيرو والمكسيك وكولومبيا. وقد طالت هذه الحملة، ولا تزال، الجالية اللبنانية في هذه المناطق. خاصة وأن للجالية اللبنانية دور محوري، اقتصاديًا وسياسيًا من جهة، كما أن طبيعة هذه المناطق التي تنتشر فيها مظاهر التهريب والمخدرات والإتجار بالأسلحة والتهرب الضريبي...، قد يُسّهل ترويج الإشاعة ضد الحزب من جهة أخرى.

من هنا فإن طبيعة هذه المناطق ساعدت اللجان التشرعية في مجلسي النواب والشيوخ واللوبي الصهيوني، على تعميم هذه المزاعم ونشرها، سواء في عقد جلسات متخصصة، أو من خلال تمريرها في الجلسات العامة، للوصول إلى إتخاذ القرار. وهذا ما حدث العام 2008، بتصنيف الحزب على قائمة الجماعات الإجرامية المنظمة، أو في العامين 2015 و2018، حيث تم منع التمويل الدولي لحزب الله على عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب. 
ويوضّح الكتاب في سلسلة من الجداول المنظمة، بدءًا من تاريخ 25-5-2005، وصولاً إلى 23-5-2018، أسماء اللجان وأسماء الخبراء المستمع إليهم، وأبرز ما قيل في هذه اللجان. وبالتالي فإن مسار هذه السردية لم يخرج عن مساره الأساسي الهادف إلى شيطنة الحزب، وإرهاب الجالية اللبنانية في تلك المناطق، بما يخدم العدو الصهيوني وتحريض المواطن الأميركي وتخويفه...

دحض الاتهامات

في خضم الموجات المتصاعدة ضد الحزب، يذكر الكتاب موضوع المراجعة، مواقف لبعض المسؤولين الأميركيين، المعارضة للهجمات التي تروجها وسائل الإعلام والمراكز البحثية وغيرها، ضد الحزب. فنائب الرئيس لشوؤن الحرب والشؤون الخارجية في معهد المشروع الأميركي، دانيال بلكتا، مثلًا يعتبر أنه "لا أدلة لدى الإدارة الأميركية على وجود عملياتي لحزب الله في أميركا اللاتينية...". كما أن السفير وليام براونفيلد، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الإتجار بالمخدرات وإنفاذ القانون، نفى تورط الحزب بتجارة المخدرات. إضافة إلى شهادة نائب وزير الداخلية السابق في البيرو، أمام لجنة الشؤون الخارجية، في مجلس النواب العام 2015، بعد إتهام اللبناني محمد همدر، بأنه عضو في حزب الله، ويعمل لتصنيع المتفجرات، وضّح أن هذه القضية "ضعيفة قانونيًا". لأنها مبنية على تحليلات وتعابير تم تقديمها من "الموساد الإسرائيلي".

ويشير وليام تشسلر، نائب مساعد وزير الحرب لشؤون تهريب المخّدرات والتهديدات الدولية، في جلسة للجنة الأمن لشؤون الحكومة في مجلس الشيوخ بتاريخ 20 ايار 2010، إلى أنه لم يرَ صلات بين الإرهابيين والإسلاميين والحرس الثوري، وعصابات المخدرات في المكسيكية. وفي السياق ذاته قدم العديد من الوقائع التي تدحض مسار ومسلسل الاتهامات المزعومة بحق حزب الله، ممّا يجعل الكتاب الذي نراجعه على قدر كبير من الأهمية للغنى في المعطيات التي يُقدمها، ولما يتضمنه من أدلة وشهادات تدحض المزاعم الأميركية والصهيونية. بل يمكن القول: إن دحض هذه الاتهامات جاء من داخل الإدارة الأميركية، وبشكل واضح لا لُبس فيه.

ملاحظة ختامية

إن تشويه صورة حزب الله من قبل الإدارة الأميركية بالتعاون والتنسيق الكاملين مع اللوبي الصهيوني في أميركا، هي من الأسلحة التي يعتمدها الشريكان في معركة المواجهة المفتوحة ضد المناضلين من أجل الحرية والتحرر والعدالة....، لأن قوى الاستعمار ودولة الإغتصاب لجأت وسوف تلجأ باستمرار إلى شتى الوسائل للتشويه. هذا العمل الحثيث بين الشريكين لن يتوقف. خاصة بعد إزدياد الصمود البطولي بوجه العدو الصهيوني، ولعل حرب الإبادة الجماعية التي يشنها العدو الصهيوني فوق أرض فلسطين، والضفة الغربية خاصة، وقطاع غزة بالأخص، والمساندة البطولية من المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان  خير دليل على هذا التحول النوعي في المواجهة والتصدي والصمود.

لذلك لا تريد أميركا والكيان الصهيوني إلا تدمير صورة المقاومة ومحاولة كسر هيبتها، الأمر الذي يجعل المزاعم الأميركية تدخل في هذا الإطار. لأنه ليس مسموحًا، بالنسبة لأميركا، التعاطف العربي وتأييد أحرار العالم للمقاومة ودعم صمودها، كما ليس مسموحًا، بالنسبة لأميركا، النظرة الإيجابية لحزب الله، ولغيره من فصائل المقاومة الفلسطينية والعربية، من هنا عملية التشويه المتعمد، في محاولة لإبعاد الناس وتيئيسهم.

وعليه، فإن الإحاطة بما قدمه الكتاب، موضوع المراجعة، ليس بالأمر السهل، لكثرة الوقائع والأدلة والمعطيات التي يتضمنها. لكن من الممكن الإشارة على الأقل إلى أمرين:

الأول، أن مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين، لم يجدا في ممارسات العدو الصهيوني المحتل  على مدار سنوات الاحتلال لفلسطين، أية هفوة بحق شعب فلسطين، أو أي انتهاك أو اعتداء على لبنان. بل لم يجدا في حرب الإبادة الجماعية التي تجري في قطاع غزة اليوم، أية دلائل على انتهاك جيش الاحتلال النازي، للقيم الانسانية، ولا أي انتهاك للمواثيق الدولية.

الثاني، يحمل شيئًا من المفارقة المضحكة، لأن المزاغم الأميركية بحق حزب الله، في أميركا اللاتينية، أظهرت حزب الله وكأنه دولة عالمية عظمى، بل يبدو القوة العظمى الوحيدة في العالم، وفي منطقة أميركا اللاتينية، بشكل خاص. فهو المتحكم بشؤون هذه المنطقة، والحاكم بأمره دون أي منازع، والقادر على فعل ما يشاء وكل ما يشاء، دون أي رادع أو خشية. إنه القوة السياسية "الجبارة" التي تستطيع أن تجوب الأرض من مشرقها إلى مغربها، في لمحة بصر، لا تقف بوجهه عراقيل، ولا تمنعه حدود، ولا تصده جيوش. وهذا بحد ذاته يدعو للإستغراب والسخرية، في الوقت نفسه، ويوضّح، دون مواربة، أن هذه المزاعم لا تريد إلا حماية الوجود الصهيوني فوق أرضنا.

المركز الاستشاري للدراسات والتوثيقاميركا اللاتينية

إقرأ المزيد في: قضايا وكتب

التغطية الإخبارية
مقالات مرتبطة