irhabeoun

آراء وتحليلات

مسلسل

16/05/2020

مسلسل "الديون": التجربة المصرية مع صندوق النقد

أحمد فؤاد

يبدو أن تفضيلات الطبقة المصرية الحاكمة لا تتغير، وأذواقها لا تعرف التجديد أو تحبذ التجريب.. مسلسل واحد بات العشق الأبدي لمسؤولي مصر، وأيضًا لغيرهم من بلاد عربية، هو اللجوء إلى الديون أمام كل أزمة، كبرت أم صغرت، عنوان صندوق النقد يبقى دائمًا في أعلى قائمة المهام والتكليفات.

لجأت الحكومة المصرية إلى صندوق النقد الدولي، بعد شهرين بالضبط من بدء تفشي فيروس كورونا، والتداعيات الاقتصادية الكارثية على مصر، أولها: التوقف شبه الكامل لكل الدخل الدولاري، الريعي بالأساس، بخروج القطاع السياحي من الخدمة، وتراجع مروع في إيرادات قناة السويس، وتباطؤ تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وهي المصادر الأساسية الثلاثة للدولار، وكذلك خروج مستثمري "الأموال الساخنة"، أي الأجانب الذين اشتروا سابقًا أدوات دين حكومية، وهؤلاء لا ينتظرون في ظل مناخ أزمة، ما أدى فورًا إلى تراجع الاحتياطي النقدي الأجنبي من 45 مليار دولار في فبراير/شباط الماضي إلى 37 مليار دولار في إبريل/نيسان، أي أن الاحتياطي فقد نحو 19% في شهرين، وبالتالي كانت خطوة النظام المصري إلى صندوق النقد الدولي منطقية بالنسبة للخيارات البائسة ذاتها، وفورًا وافق الصندوق على منح مصر 2.7 مليار دولار، والنظر في صرف شريحة أخرى، حيث تراوح الطلب المصري بين 8 – 9 مليارات دولار.

ومع الخطورة التي يمثلها الاقتراض من الصندوق، أضاف مديريه لأنفسهم وكيانهم، مع تفشي جائحة "كورونا" الدليل العملي والكامل على فقر تعليماتهم ووصفات الإصلاح المزعوم، خصوصًا لدول أدمنت التبعية وتتمتع بالقدرة على السير بحماس وجدّ شديدين في طريق الفشل الإعجازي غير المسبوق.

صندوق النقد الدولي خرج، مع اجتياح الفيروس القاتل للعالم، بتحذيرات من التأثير المدمر على الدول النامية التي قد لا تستطيع أنظمتها الصحية المهترئة مواجهة زيادة فجائية وغير متوقعة لحالات الإصابة، وتخوف من العجز عن استيعاب كل الحالات التي تحتاج لرعاية طبية فائقة، ويدفعها الفقر إلى ملجأ وحيد هو الهيئات الصحية العامة.

تناسى صندوق النقد، فجأة، دوره وخططه لخصخصة القطاعات الصحية، وضغوطه المتتالية على الدول النامية للتخلص من تلك الهيئات "غير الهادفة للربح" ورفعه شعار تقليل عجز الموازنة كهدف أوحد، ينبغي في سبيله أن تتوقف الدول عن دعم القطاعات الخاسرة، في مقابل تركها للقطاع الخاص، يستطيع ويعرف كيف يكسب من ورائها.

هذا الاعتراف المتأخر، والفاضح، من مسؤولي صندوق النقد، كان يوجب على دولة مثل مصر أن تراجع ما خسرته في الاتفاق الأول مع الصندوق، ما أضاعته من فرص وسنوات في السير خلف تلك التعليمات التي ثبت الآن - للنظام - فشلها، لكن الفشل في الحقيقة كان معروفًا لكل شخص قادر على الإلمام بدور صندوق النقد في دول مثل الأرجنتين وروسيا، وحتى مصر في السبعينات من القرن الماضي.
لكن النظام المصري اندفع من جديد إلى الطريق الوحيد الذي يحبه، وللقلب فيما يعشق مذاهب، ولو كان نهايتها الخراب.

ولنتأمل واقع الاقتصاد المصري بعد الاتفاق الأول للنظام الحاكم مع صندوق النقد الدولي، في 2016:

- الديون الخارجية ارتفعت من 46 مليار دولار في ديسمبر/كانون أول 2014 إلى 112.7 مليار دولار في ديسمبر/كانون أول 2020، مرتفعًا بنسبة 16.6%، أي نحو 16 مليار دولار على أساس سنوي، ومن المقرر أن ترتفع إلى 120 مليارًا بعد الاتفاق الجديد مع الصندوق.

- الديون الداخلية ارتفعت من 1800 مليار جنيه في 2014 إلى 4400 مليار جنيه في 2020.

- ارتفعت نسب المصريين الفقراء، بعد 3 سنوات بالضبط من تطبيق توصيات صندوق الخراب الدولي، من 27% إلى 32.5% (أرقام حكومية رسمية) بينما قدّر البنك الدولي في تقريره عن أفاق الاقتصاد المصري 2019 الفقراء وشديدي الحاجة بنسبة 60% من عدد السكان.

- كل ما قدمه النظام الحاكم لعمال اليومية، ممن انقطعت بهم السبل للعمل، بفعل فرض حظر جزئي، كان منحة 500 جنيه (نحو 30 دولارًا)، مع استمرار الأزمة للشهر الثالث على التوالي!

الأكثر مرارة في قصة قرض صندوق النقد الدولي، وما زعم إنه "إصلاح اقتصادي"، هي تضاعف نسب الفقر، وتضاعف نسبة المصريين تحت خط الفقر المدقع، وزيادة البطالة، وانعدام الخدمات الحكومية، وإلغاء الدعم، وغياب شبه كامل لدولة، تراها فقط على الشاشات، في المؤتمرات، ومسلسلات موجهة، لكنك لن تلمحها أبدًا في عز أزمة تهدد حياة المواطن.

الأمل المتسرب إلى القلوب، مثل حلم يقظة في مخيلة مريض عاجز، جاء بالفعل، لكن على هيئة قابض الأرواح، جاء ليأخذ كل ما لم يستطع السادات ومن بعده مبارك الحصول عليه، وترك الحكايات عن الفقر والأزمة والصعوبات المعيشية ترفًا، حتى السخرية التي كانت تغلف كل تعليق مصري على قرارات الحكومة باتت تعز على الخروج من أرواح أنهكها التفكير في مأساة اليوم الواقعة، أو كارثة الغد الوشيكة.

 

مصرالاقتصادصندوق النقد الدولي

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة