عاشوراء 2024

خاص العهد

يوم ولادة الكوثر.. يوم عالمي للمرأة 
04/01/2024

يوم ولادة الكوثر.. يوم عالمي للمرأة 

فاطمة سلامة

لم تكن السيدة فاطمة الزهراء (ع) امرأة عاديّة. كانت امرأة روحانيّة، ملكوتيّة، إنسانًا بتمام معنى الإنسان، بكلّ الأبعاد الإنسانيّة. هكذا وصف الإمام روح الله الخميني (قدس سره) سيدة نساء العالمين. تحدّث كيف تجلت كلّ الحقائق الكماليّة التي تُتصوّر في الإنسان في هذه المرأة، كيف وُجدت فيها جميع خواصّ الأنبياء(ع). وعليه، جعل الإمام اليوم الذي وُلدت فيه السيدة الزهراء (ع) يومًا عالميًا للمرأة التي نالت المنزلة والمكانة الرفيعة في فكر سماحته. برأي الإمام الخميني (قدس)، ليس بوسع أحد أن يعرف شخصيّة الزهراء المرضيّة والصدّيقة الطاهرة سوى الذين ارتقوا مدارج الأبعاد الإلهيّة حتّى ذروتها، وهو ما لم يبلغه غير أُولي العزم من الأنبياء والخُلّص من الأولياء، كالمعصومين (ع).

المرأة النموذجية في العالم

يُقارب الشيخ الدكتور أكرم بركات فكرة إطلاق الإمام الخميني (قدس) تسمية يوم المرأة العالمي على يوم ولادة الزهراء (ع) بالتشديد على أنّ هذه السيدة تملك ما تملك من الصفات الكمالية ما جعلها المرأة النموذجية في العالم. وفق قناعاته، ربط الإمام بين هذا اليوم ويوم ولادة هذه السيدة العظيمة لما تمثله في المستوى الكمالي الإنساني من رقي يُعتبر الأعلى من بين النساء. يشير الشيخ بركات إلى أنّ الروايات وصفت السيدة مريم (ع) بسيدة نساء العالمين، لكن عندما جرى تفسير ذلك قيل إنها سيدة نساء عالمها، أما السيدة الزهراء (ع)، فهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين. تمثل هذه السيدة الرُقي الروحي الإنساني والقرب من الله بحيث إنها وصلت إلى مرحلة عبّر عنها الإمام الخميني (قدس) أنها استطاعت أن تجذب الملك جبرائيل (ع) اليها كما حصل سابقًا مع السيدة مريم (ع) حين تمثل لها جبرائيل بشرًا، وأخبرها بقضية السيد المسيح (ع). وهنا يروي الشيخ بركات أنه بعد وفاة رسول الله (ص) نزل الملك جبرائيل ــ بحسب الروايات المُعتبرة ــ  على السيدة الزهراء ليُعزيها ويُسليها بعد وفاة أبيها. وفي هذا السياق، يعتبر الإمام الخميني أن جبرائيل لا يهبط هبوطًا تكوينيًا بالشكل الذي يخطر على البال، بل يحتاج إلى نفس وصلت إلى رقي يجذبه اليها والسيدة الزهراء (ع) وصلت إلى الرقي الذي يجذبه اليها. 
 
ينتقي الشيخ بركات من أحاديث الرسول (ص) في حق ابنته فاطمة ليؤكّد على كمالية هذه المرأة، حين قال: " فاطمة روحي التي بين جنبيّ وبضعة مني، من آذاها آذاني ومن أرضاها فقد أرضاني"، وهذا يمثّل الكمال العالي جدًا بأنّ الرسول لا ينطلق في حديثه من كونها ابنته بل من قيمها وكمالاتها.، إضافة إلى ذلك، يُعرّج الشيخ بركات على الرسالة التي تحدّث فيها الإمام الخميني (قدس) عن السيدة الزهراء (ع) وأرسلها لزوجة ابنه السيّدة فاطمة الطباطبائي حين سألته عن مقامها، قائلًا: "من أنا حتّى يمكنني أن أتحدث عن المقام المعنوي القدير للسيدة الزهراء (ع)". وقتها، تحدث الإمام عن بعض كمالاتها وأشار في الرسالة إلى دورها التاريخي والعقائدي الذي أدته بعد رسول الله (ص) على مستوى ما تمثله من المرجعية الدينية، وما قامت به من ناحية الإرشاد والإضاءة على موقع الحق ودعوتها إلى أنّ هذا الحق يجب أن يكون موجودًا مع المحافظة على وحدة المسلمين والمجتمع الإسلاميّ". 

وفق الشيخ بركات، هذان المقامان المعنوي والعملي انطلق منهما الإمام الخميني للقول إنّ السيدة الزهراء بما تمثّل من المرأة النموذجية التي عرفناها في الإسلام أراد لها الإسلام أن تكون نموذجًا وقدوة للنساء فأعلن أن يومها هو يوم المرأة العالمي، فهو ليس يومًا مذهبيًا أو دينيًا وإسلاميًا بل عالمي لكل النساء. وفي هذا السياق، يشير الشيخ بركات إلى أنّ البعض يطلق عليه يوم المرأة المسلمة ربما نظرًا لخصوصية المسلمة التي تعتقد بالسيدة الزهراء (ع) لأنّ انجذابها أكبر من غيرها وتحقيق الأهداف أكثر من غيرها. وهنا، يشدّد الشيخ بركات على أنّ السيدة الزهراء تشكّل قدوة، ونحن نعرف كم تؤثر القدوة اليوم في العالم، فتغيير المجتمعات يدخل من باب القدوة، وقد أراد الإمام أن يعزّز مسألة القدوة للسيدة الزهراء (ع) لتكون لكل النساء. 

 أبعاد كثيرة 

كيف يجب أن تنعكس صورة السيدة الزهراء (ع) في حياة المرأة؟ يُجيب الشيخ بركات بالإشارة إلى أنّ ثمّة أبعادًا عدّة للنظر إلى السيدة الزهراء (ع) كنموذج، البُعد الأول هو بُعد الابنة، فالرسول حين يصفها بأم أبيها يُرشد إلى الموقع المتقدّم الذي احتلته في الأسرة النبوية. كان للسيدة الزهراء (ع) الموقع المتقدم في حياة أبيها وكان يُنظر اليها كابنة بشكل متقدم جدًا، فيما يستمر بُعد آخر بكونها زوجة لأمير المؤمنين (ع) الذي كان يتحدث عنها بالقول: "لقد كنت أنظر إليها فتنكشف عني الهموم والأحزان". كان الأمير (ع) يشعر بالسعادة حين ينظر اليها لأنها كانت تعمل من أجل إسعاده، وهذا يدل على أن أفراد الأسرة عليهم العمل للخروج من الأنانيات، وأن تكون الزوجة نفس الزوج ليتحولا إلى صورة تمثّل هي هويته وهو هويتها. وقد كان الإمام يعبّر عن السيدة الزهراء (ع) بأنها كانت في بيتها تُقدّم كلّ شيء لأجل المناخ الهادئ والروحي المناسب للبيت. 
 
أما البعد الثالث، يقول الشيخ بركات، فكان في كونها أمًا. ونحن نعرف أن الإسلام جعل مقام الأم في أشمخ المقامات وأعلاها، وكانت الأم العائلة الأولى في الإسلام. الإمام الخميني (قدس) يعبّر عن منزلة السيدة الزهراء (ع) بالإشارة إلى أن الإمام عليًّا (ع) والسيدة الزهراء (ع) والحسن والحسين وزينب (عليهم السلام) كانوا يعيشون في كوخ صغير، لكنّ هذا الكوخ الصغير أضاء نورًا انتشر في كلّ العالم، وكان هداية لكل العالم، واستطاعت السيدة الزهراء لكونها أمًا أن تبني العائلة الأولى في الإسلام التي منها انطلق أئمة أهل البيت (ع)، حتّى نلاحظ أن الإمام المهدي (عج) وفي مختلف الروايات يخصَّص للسيدة الزهراء ويُقال إنّ المهدي (عج) من ولد فاطمة (ع) لأن دورها الأول في الأمومة امتدّ في روحيته ومعنوياته إلى أن يصل الإمام المهدي (عج) إلى عالم مليء بالعدل والقسط والكمال. 

 جهاد التبيين 

وبحسب الشيخ بركات، هناك بُعد رابع للسيدة الزهراء (ع) خارج الأسرة هو "جهاد التبيين". السيدة الزهراء (ع) كانت مثالًا واضحًا وجليًا بأنها كانت تُبين رسالة الإسلام، وكان أصحاب رسول الله (ص) يأتون إليها يسألونها عن بعض الأحاديث، وكانت تروي لهم في بعض الأحيان أحاديث صغيرة عن الرسول (ص) فكان لها دور في المرجعية الدينية بشكل واضح، وفي علاقاتها الاجتماعية. وعليه، نلاحظ أن السيدة الزهراء (ع) كانت تهتم كثيرًا بجيرانها. وفي سياق حديثه عن الأبعاد الكثيرة، ينتقي الشيخ بركات البعد السياسي للسيدة الزهراء (ع)، حيث كان لها دور سياسي يتبين من خطبتها في المسجد التي أظهرت فيها مقولتها السياسية بما جرى من أحداث، واغتنمت فرصة الخطبة، ووجود المسلمين في المسجد لتتحدّث عن الإسلام وفلسفة الأحكام الإسلاميّة وأن هذا الإسلام وأحكامه له فلسفات عالية وراقية. بدأت بحديثها عن تلك الفلسفات، ثمّ  أظهرت بعد ذلك موقفها السياسي ليبقى مضيئًا في التاريخ ويكون إشارة إلى الحق مع قضية الحفاظ على المجتمع الإسلاميّ ووحدته. 

وحول قيمة المرأة في الغرب التي حدّد لها يومًا عالميًا غربيًا دونما التعامل معها كإنسان، يقول الشيخ بركات: "نلاحظ أنّ قضية المرأة في العالم الغربي بدأت بطور وانتهت بطور بعيد جدًا عن الطور الأول. التاريخ سابقًا شهد على اتجاهات كانت تجعل المرأة في دائرة دونية جدًا، البعض كان يناقش في كونها إنسانًا أم لا، وظلّت المرأة في هذه الحالة الدونية، وعندما ظهر الإسلام، كانت الحالة الدونية موجودة لدرجة أن المرأة عندما كانت تولد أنثى كانت توأد، والقرآن الكريم اعترض على هذه الحالة، ورفع من مقام المرأة لتمثل الإنسانية كما يمثلها الرجل، انطلاقًا من مبدأ أنه لا فرق بين المرأة والرجل في الكمال والإنسانية، إنما الاختلاف في الوظيفة والدور حسب المناسب في كلّ منهما، وإن كنا نلاحظ أن هناك ترجيحًا لقيمة المرأة والتي يعبر عنها الإمام الخميني (قدس) بأن القرآن والمرأة كلّ منهما أوكل الله إليه صناعة الإنسان".

المرأة في الغرب 

ويتابع الشيخ بركات: "لاحظنا في الغرب أنّه خلال قيام الثورات في أوروبا كان الغربيون يحتاجون إلى عمال في المصانع، فأرادوا أن يُخرجوا المرأة من البيوت إلى العمل لأن أجرها كان زهيدًا. وهنا تحدث بعض المفكرين عن حرية المرأة والخلفية الاقتصادية ليستفيدوا من زهد أجرها، وتطور هذا الأمر في الغرب إلى أن وصلنا إلى مرحلة التقدم الصناعي، ووصل الغرب إلى مرحلة تقدم فيها المرأة بالإعلام والأعمال الفنية تحت عنوان "الصورة الجسدية التي تجذب الآخرين"، وليس تحت عنوان قيمتها ومعنوياتها ودورها وعملها. ونحن في هذه الأيام بموازاة ما يجري في غزّة نلاحظ أنّ الغرب كشف عن بعض وجوهه الحقيقية في مسألة الحقوق والقيم وما يدعون إليه على المستوى الإنساني حيث تتقدّم مصالحهم لتصبح كلّ عناوينهم فارغة".  

المرأة المقاوِمة 

ولا ينسى الشيخ بركات قبل أن يختم حديثه عن اليوم العالمي للمرأة أن يتطرّق إلى المرأة المقاومة التي قدّمت نموذجًا راقيًا جدًا في مجتمعاتنا المعاصرة، أخذته من مبادئها الإسلاميّة وتاريخها الإسلاميّ وفهمها للإسلام، فنلاحظ مثلًا في لبنان وفلسطين، ثمّة نموذج راقٍ للمرأة يتجسّد على سبيل المثال في ما قالته السيدة هدى حجازي أم الشهيدات الثلاث في الجنوب، تلك الكلمات التي تتفوّق في تأثيرها على تأثير مئة خطبة لعالم دين. وحينما ننظر إلى المرأة الفلسطينية التي تقدم أبناءها وأسرتها بشكل كامل في بعض الحالات ــ ومع ذلك تُطلق ما يعبّر عن صمودها وصبرها وتضحياتها، وبأنها مستعدة لتضحي أكثر من أجل الإسلام والمظلومين ــ نرى كم تجسّد هذه المرأة قيمة المرأة الحقيقية التي بها يعلو الإسلام. وفق الشيخ بركات، لولا النساء المجاهدات في فلسطين وما يبذُلنه في سبيل دعم المجاهدين لما استطاعت المقاومة أن تصمد وتبقى قوية، وفي لبنان لولا أمهات وزوجات وبنات الشهداء لما استطاعت المقاومة أن تصبح بهذه القوّة لأنّ المقاومة عندنا تنطلق من البعد المعنوي، ومما اكتسبه الإنسان من روحانيات إسلامية.
 

يوم المرأة العالميالسيدة فاطمة الزهراء

إقرأ المزيد في: خاص العهد

التغطية الإخبارية
مقالات مرتبطة