طوفان الأقصى

آراء وتحليلات

التحرير الثاني: إرادة الرجال تُطَوّع الجبال
28/08/2023

التحرير الثاني: إرادة الرجال تُطَوّع الجبال

د. حسن أحمد حسن
لواء متقاعد - باحث سوري متخصص بالجيوبوليتيك والدراسات الاستراتيجية

سلام الله عليكم يا رجال الله على الأرض!
السلام على هاتيك الهامات التي تغزل للشمس ضفيرة التوهج المتجدد مع كل تلبيةٍ لمقاوم أشم يقتحم جحافل الإرهاب، ويقتلع عتاة الدواعش وجبهة النصرة وأشباههم من مغاورهم وكهوفهم وتحصيناتهم التي تهاوت تحت أقدام رجال الله على الأرض. السلام على تلك القلوب النابضة باليقين بأن رب العالمين يثبت أقدام المستعصمين بحبله، ويربط على قلوبهم ويؤيدهم بنصر ناجز ومبين على كل الطغاة القتلة المجرمين ورعاتهم أجمعين. السلام على تلك الأكف القابضة على السلاح والأصابع التي ما ضغطت مرة على زناد إلا وأصابت العدو في مقتل. السلام على تلك الأقدام الطاهرة التي تادت في الأرض فَلَاْنَ الصخرُ وانحنى أمام صلابة أصحابها المقاومين بقاماتهم السامقة التي تصل أرض العزة والكبرياء بسماء السنا والإشراق والضياء.. السلام على تلك الأرواح الطاهرة التي ارتقت إلى بارئها، وهي تكنس جحافل القتل والإجرام والإرهاب التكفيري المسلح بمختلف مسمياته وأشكاله.
السلام على تلك الدماء الزكية التي نزفت من جراحات الأبطال وهم يطوعون لإرادتهم أعقد التضاريس الجغرافية، ويطلبون الموت فتوهب لهم الحياة والنصر.
 السلام على تلك التلبيات الحسينية التي ما يزال صداها يتردد فوق تلك القمم والذرى التي حررها المقاومون بالتعاون والتنسيق والتكامل مع أشقائهم رجال الجيش العربي السوري، وكان للجيش اللبناني دوره المشرف في تطهير الجانب اللبناني من الحدود وحمايتها، ومنع ذئاب الإرهاب ووحوشه من العبور من ضفة إلى أخرى.

السلام، السلام، سلام الله وبركاته على قائد نصر الجرود ومهندس تضاريسه الذي كان على تواصل مع المقاومين في خطوط المواجهة الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله حفظه رب العالمين، فمن سماحته شخصياً كان اتخاذ القرار في أهم المعارك وأشرس المواجهات، وبإشارة من تلك الإصبع المباركة كانت الوثبة الأولى باتجاه خنادق المسلحين الإرهابيين التكفيريين ومقراتهم المحصنة في أعقد التضاريس الجغرافية التي سرعان ما أضحت طوع إرادة رجال الله على الأرض، فتهاوت الدشم وانداحت أبواب التحصينات، ومادت الأرض بمن عليها من تلك المجاميع الإرهابية، وتزين الأفق بأعلام صناع الانتصار.

لم أكن بوارد الكتابة بهذه النفحة الوجدانية في دراسة تحليلية، لكن الذكريات عندما تستوطن الروح تنشر شذاها دونما استئذان، وهذا ما عشت تفاصيله وأنا في الطريق إلى هاتيك الجرود برفقة مراسل قناة "المنار" في مكتب دمشق قبل أيام قليلة من كتابة هذا المقال، ولعلي ما أزال تحت تأثير المكان وذكرياته المحفورة في القلب والوجدان، فمنذ لحظة الاقتراب من بلدة "تل منين" انهال دفق الذكريات، وكنت أسمع في كل خطوة أخطوها وقع أقدام المقاومين وهم يعدون العدة لإنجاز المهمة. شعرت أن كل حبة تراب بتموضعها القائم تقص ألف حكاية ورواية. كل صخرة  تطل بنتوءاتها الحادة لتقول: من هنا مر الأبطال وروضوا المحال. كل نسمة تهب تحمل معها عبق الميامين المقاومين، وهم يجسدون بأدائهم البطولي الفريد معاني الوفاء للقيم وصون الذمم، وتعليم معاني الرجولة والإرادة لجميع الخلق والأمم..  

مع ظهور معالم دير مار الياس في معرة صيدنايا عرضت ذاكرة الروح على شاشتها صور المقاومين واستماتتهم في الدفاع عن المقدسات المسيحية والراهبات في أكثر من دير وكنيسة، وحضرت بقوة صورة استشهاد الزميل الإعلامي حمزة الحاج حسن مراسل قناة "المنار" واثنين من رفاقه أمام روضة أطفال في معلولا رحمهم الله جميعاً وتقبلهم مع بقية الشهداء الأبرار، وبالتزامن مع تلك اللوحة الاستشهادية لاحت صورة رفع الأعلام: علم حزب الله والعلم السوري والعلم اللبناني على الذرى والقمم التي تم تطهيرها من رجس الإرهاب التكفيري المسلح، وفي زحمة الصور والذكريات عاد الشريط للعديد من جلسات العمل مع مدير مكتب "المنار" في دمشق والعديد من الزملاء الإعلاميين من الشاشات المقاومة، وكيف كنا نتقاسم رغيف الخبز وحبة البطاطا المسلوقة مع بعض البصل اليابس، وكان ذاك الطعام أشهى وألذ ألف مرة من مناسف وموائد يقيمها آخرون.

بالعودة إلى عنوان المقال يمكن القول بيقين تام إن ملاحم تطهير الجرود وما تم تسطيره من بطولات في معارك التحرير الثاني تستحق أن تكتب بماء الذهب، وحسب عشاق المقاومة انشغال العدو الإسرائيلي ومراكز أبحاثه ودراساته الإستراتيجية بتلك المعارك وتداعياتها ومضامينها ودلالاتها التي تقض مضاجع جنرالات تل أبيب، ونظراً لاستحالة تقديم دراسة تحليلية تفي معارك التحرير الثاني حقها سأكتفي بالإشارة إلى عدد من العناوين العريضة والأفكار المهمة، ومنها:

• معارك فجر الجرود في جميع مراحلها كانت منعطفاً حاسماً في الحرب على الإرهاب الداعشي بخاصة، وعلى الإرهابي التكفيري المسلح بعامة، ومنذ لحظة الإعلان عن انبثاق فجر التحرير الثاني في 28/8/2017 لم يتمدد تنظيم داعش الإرهابي بوصة واحدة، بل تتالى انكماشه وانحسار سيطرته عن مساحات جغرافية واسعة كان يسيطر عليها، وهذا يعني أن التحرير الثاني كان المنطلق لتطهير الكثير من البلدات والقرى والمدن السورية من سيطرة المسلحين التكفيريين المرتبطين بأجندات خارجية.

• عندما يقول السفير الصهيوني السابق في الأمم المتحدة: "نحن اليوم نضرب كفا بكف لأن داعش تسقط وتواجهنا مصيبة جديدة"، وتنشر صحيفة معاريف ـ والمعركة على أشدها ـ مدى خيبة تل أبيب مما يحدث في الجرود بالقول: "السياسة الإسرائيلية حيال سورية تواجه أزمة كبيرة" وتضيف: "الأميركيون هم المعزون، ومتقبلو العزاء هم الإسرائيليون والجنازة كانت عبارة عن مراسم دفن السياسة الأميركية في سورية" فهذا يؤكد أن من تم القضاء عليهم من المسلحين في الجرود هم جزء من الجيش الإسرائيلي الذي كان يسن أنيابه لغرزها في الجسد السوري واللبناني معاً، وكنس أولئك الظلاميين من كامل الحدود السورية ـ اللبنانية هو هزيمة للأمريكي وللإسرائيلي بآن معاً، ومن حق عشاق الفكر المقاوم وأنصار السيادة والكرامة أن يفخروا بذلك.

• كما كان تحرير الجرود من المسلحين التكفيريين بداية انهيار تنظيم داعش وانكماشه المتسارع بعد تمدد وانتشار، كذلك كانت معركة "تل مندو" وما تلاها من تطهير "القصير" بداية مرحلة الحسم الميداني المتدرج والمتدحرج في حمص، وإخراج المسلحين منها، إلى تحرير حلب وغيرها من المناطق التي كانت تنتشر فيها التنظيمات الإرهابية المسلحة، وقد تكامل كل ذلك لخلق البيئة الميدانية المناسبة لتطهير لاحق لبقية المناطق في الغوطة الشرقية ودرعا والقنيطرة، ومن المهم التذكير بأن عتاة المسلحين الذين رفضوا التسويات وتم كنسهم ونقلهم "بالباصات الخضراء" إلى مناطق أخرى قد حملوا معهم فيروس الهزيمة، ومن تعشش في أوردته فيروسات الهزيمة مآله الانكسار في أية مواجهة قادمة، وهذا يبنى عليه الكثير.  

• معارك التحرير الثاني التي خلصت لبنان من شبح الإرهاب وأخطار سياراته المفخخة تثبت لكي ذي عقل وبصيرة صوابية قرار حزب الله في دخول الحرب المفتوحة التي فرضت على الدولة السورية بسبب مواقفها ودورها الداعم للمقاومة وللقضية الفلسطينية، ولو أن قيادة سورية تخلت عن تلك الثوابت أو قبلت بتحريك موقعها وموقفها من المقاومة لكانت المسيَّدة في المنطقة، والسؤال هنا: أي مصير كان ينتظر لبنان بكل مكوناته لو أن جحافل الإرهاب المسلح انتشرت على امتداد الحدود، وسورية في اصطفاف خارج إطار محور المقاومة؟ وبكلمات أخرى يمكن القول: إن دخول حزب الله مع سورية في مواجهة الإرهاب التكفيري المسلح وفَّر على اللبنانيين بكليتهم أخطار مواجهة ذاك الإرهاب في كل قرية وبلدة ومزرعة وتلة ومنعطف وشارع من شوارع لبنان، وهذا يعني أن قرار حزب الله كان في قمة الصحة والصوابية والمسؤولية والنظرة الاستشرافية التي حصنت لبنان وشعبه.

• استناداً لما ورد في الفقرة السابقة يتضح عدم دقة مقولة "حزب الله دعم سورية في حربها ضد الإرهاب" وكذلك عدم دقة مقولة "سورية دعمت حزب الله  قبل الحرب المفروضة منذ 2011" لأن مضمون كلتا المقولتين يشير إلى أن الأمر يخص جهتين أو جبهتين، فتداعيات الأحداث في السنوات الأخيرة تثبت أن كل ذلك وراء الظهر في الفكر الاستراتيجي منذ عقود وليس منذ سنوات فقط، فجبهات المواجهة واحدة، والعدو واحد ومشترك، والأهداف متكاملة، وبالتالي من الطبيعي أن يكون الدعم بلا سقوف ومن الجهتين، وهذا بحد ذاته إضافة للفكر العسكري - الاستراتيجي عندما يبلغ التنسيق وتقاسم المهام والأدوار لضمان الانتصار مثل هذا المستوى غير المسبوق، فالمدخلات المدروسة بدقة وعلمية ستؤدي إلى النتائج المطلوبة والمحددة، وبخاصة أن التفاعلات المطلوبة في عملية الانتقال من المدخلات إلى المخرجات تتم بكفاءة عالية ويقين مطلق بالنصر وهذا ما تحقق، وسيتكرر تحققه في كل جولة من جولات الصراع المتأزم في المنطقة إلى أن يهزم المشروع المعادي بأية عربدة تخرج عن السيطرة، أو تهور غير محسوب النتائج، وقد لا يكون ذلك بعيدًا.

• تميزت معارك التحرير باعتماد تكتيكات خاصة بكل معركة على حدة، وهذا ما أصاب المسلحين ورعاتهم بالذهول، والتكتيك الخاص بكل معركة مرتبط  بطبيعة الأرض والظرف المتشكل، وغالبًا ما كان يتم اعتماد تكتيكات غير متوقعة كالكمائن التي تم اعتمادها في منطقة "المراح" أو "العتيبة" التي كانت ممرًا حتميًا للمسلحين من البادية إلى القلمون الشرقي، والتي تكررت وأنزلت بالتنظيمات الإرهابية المسلحة خسائر بشرية كبيرة، ولعل الإضافة الأهم التي قدمتها معارك التحرير الثاني للفكر العسكري العالمي في المواءمة والتكامل بين أداء جيش نظامي ومقاومة مسلحة يمتلك أفرادها كفاءة عالية يمكن الاستثمار بها في معارك الانقضاض والمباغتة والاشتباك من الحركة والتقدم تحت تغطية نارية من الجيش المعروف بتعدد صنوفه وأسلحته وتوزعه وإمكانية انتشاره على جبهات عريضة ومتعددة، وبفضل هكذا تكامل ومواءمة كان المقاومون يتقدمون تحت الرمايات التمهيدية للجيش، وفي حالات متعددة كانت القذيفة الأخيرة من مدفعية الجيش هي الطلقة الأولى في اشتباك المقاومين مع المسلحين التكفيريين، أي أن الاشتباك كان يندلع من المسافة صفر، وهذا ما لم تستطع العسكرة الإسرائيلية فهمه حتى الآن.

• من يطلع على الجغرافيا شديدة التعقيد لسلسلة لبنان الشرقية يدرك مدى أهمية معارك التحرير الثاني، فآلاف المسلحين الإرهابيين يتحصنون في قمم الجبال الشاهقة التي يصل ارتفاع بعضها إلى 2450 ـ2500 متر فوق سطح الأرض، ومنسوب الفرق من المناطق التي تقدم منها مقاتلو المقاومة أقل ارتفاعاً بألف متر كحد أدنى من أماكن تمركز أكثر المسلحين التكفيريين تشدداً وحقداً وخبرة قتالية، وطرق إمدادهم بالسلاح والدعم اللوجستي بكل أنواعه مؤمنة من مشغلي ذاك الإرهاب، وعلى الرغم من ذلك كله، ومن استحالة التقدم بالعربات أو المدرعات استطاع رجال المقاومة أن يطوعوا تلك الجبال لإرادتهم، وكان شعار "السيطرة على القمم والانطلاق منها" عنوان النصر الذي ما كان ليتحقق إلا بلطف إلهي خفي، والله سبحانه وتعالى لا يوزع الانتصارات كيفما اتفق، بل لا بد من توافر مواصفات ذاتية خاصة لمن يخصهم الله بالنصر، فالسماء تبارك من هم جديرون بحمل النصر وتعزيزه وترسيخه وتطويره وإكسابه كل مقومات النصر الاستراتيجي وروافعه التي تتضمن الإرادة والتخطيط والإعداد والعدة واليقين بعدالة القضية وبالقدرة على اجتراح النصر، وهذا ما حدث، وهو أقرب إلى الإعجاز منه إلى الإنجاز، ومن حق كل عشاق المقاومة أن يفخروا بأنهم حملة النصر الإلهي المؤتمنون على تحصينه وتناقله من جيل إلى جيل.

• من الدروس المستفادة والمهمة في معارك تحرير الجرود بروز أهمية العناق بين البندقية وكاميرا الإعلام المقاوم المرافقة لتوثيق كل صغيرة وكبيرة في جميع الاشتباكات، وهكذا ارتقى دور الإعلام وفق نهج المقاومة ليؤكد حقيقة جديدة في الإعلام والعسكرة تتضمن: "توثيق النصر جزء من صناعة هذا النصر".

خلاصة:

معارك التحرير الثاني بمختلف مراحلها استثناء بكل جزئياتها بدءاً بالمقدمات ومروراً بسير العمليات، وليس انتهاء عند التداعيات التي تتبلور أكثر فأكثر مع الزمن، والكتابة عن مثل هذه المعارك جزء من خوض الأعمال القتالية التي تختلف كثيراً في الواقع عما تكون عليه في العالم الافتراضي أو عبر الشاشة  باستخدام البرامج المصنعة، فللحرب المفتوحة حساباتها الخاصة، وأي طرف يستطيع أن يشعل الحرب، لكن الأهم الدقة والموازنة بين كفتي التكلفة والمردودية، وهذه الثنائية تفرض حضورها وبقوة على طاولة كل من يعمل بمفاصل صنع القرار الاستراتيجي، ودورة صنع القرار أكثر تعقيدًا مما قد يخطر على أذهان عشاق السوشيال ميديا والحديث عن تفاصيل وتداعيات لا وجود لها إلا في أذهانهم، والزمن كفيل بالإفصاح عن الكثير مما يحب أن يقال عن معارك التحرير الثاني.

التحرير الثاني

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية
مقالات مرتبطة