زمن النصر

آراء وتحليلات

الهروب التركي نحو العراق!

19/06/2020

الهروب التركي نحو العراق!

بغداد: عادل الجبوري

   على امتداد ثلاثة أو أربعة عقود من الزمن، نفذت تركيا سلسلة طويلة من العمليات العسكرية في العمق الجغرافي العراقي تحت ذريعة ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني التركي المعارض(P.K.K)، كان اخرها قبل ايام قلائل، عمليات "مخلب النسر"، والتي ما زالت مستمرة حتى الان، حيث انها ابتدأت بقيام مقاتلات تابعة لسلاح الجو التركي بقصف مواقع قيل انها لحزب العمال في قضاءي سنجار بمحافظة نينوى وزاخو بمحافظة  دهوك، وتواصلت فيما بعد بدخول قوات برية تركية الى مناطق من محافظة دهوك لتكمل ما انجزته الطائرات الحربية.

    وزارة الدفاع التركية أوضحت في بيان لها بهذا الشأن، انه تم تدمير واحد وثمانين هدفا تابعا لحزب العمال الكردستاني، خلال العمليات التي انطلقت قبل يومين في مناطق شمال العراق، من بينها سنجار وقرجيك وقنديل والزاب وأفشين باسيان وهاكورك"، واكدت الوزارة في بيانها "ان العملية، التي أسفرت عن خسائر كبيرة لحزب العمال، استخدمت فيها ذخائر محلية الصنع، وانها راعت خلال تخطيط العملية وتنفيذها حماية أرواح المدنيين وأملاكهم".

  ولان العمليات العسكرية التركية الاخيرة بنظر الكثير من المراقبين، لا تختلف من حيث مبرراتها ودوافعها، وادواتها ووسائلها، ومخرجاتها ونتائجها عن سابقاتها، فإنه يبدو من الضروري الاحاطة بمجمل الظروف والاجواء المحيطة، حتى يتبين ما هو قديم  ومكرر وما هو جديد ومستجد في مجمل المشهد العام.

   في الاطار العام، فإن صناع القرار في انقرة من خلال التجربة الطويلة يدركون ويفهمون ويتفهمون جملة حقائق، لعل من بينها، ان تركيا مهما بلغت من قوة وامكانية فإنها يمكن ان تضعف حزب العمال وتضيق عليه، بيد انها من غير الممكن ان تنهي وجوده بالكامل، وربما تكون قد اخطأت في تقديراتها وحساباتها قبل واحد وعشرين عاما، حينما نجحت باختطاف زعيم حزب العمال عبد الله اوجلان بمساعدة وكالة المخابرات المركزية الاميركية(C.I.A)، وجهاز الموساد الاسرائيلي، في كينيا، والقائه في سجن انفرادي بجزيرة امرالي المعزولة ببحر مرمرة، اذ تصورت تركيا انها باعتقال اوجلان، تكون قد طوت صفحة حزب العمال، لكن الامور فيما بعد سارت بخلاف ذلك تماما.

   والحقيقة الاخرى، ان العراق بأوضاعه السياسة والامنية الراهنة، منذ الاطاحة بنظام صدام -وحتى قبلها والى يومنا هذا- غير قادر على تبني مواقف حازمة وحاسمة وقوية يمكن ان تردع أي طرف اقليمي او دولي عن المساس بسيادته وانتهاك حرماته، وأنقرة تعرف جيدًا أن اقصى ما يمكن أن يصدر من  بغداد، حزمة بيانات استنكار وادانة من قوى وتيارات وشخصيات سياسية مختلفة، واستدعاء من قبل الخارجية العراقية للسفير التركي لتسليمه مذكرة احتجاج، وابعد من ذلك قليلا، مطالبة جامعة الدول العربية باتخاذ موقف حيال التجاوز التركي على السيادة العراقية.      

   والحقيقة الثالثة، تتمثل في أن أنقرة مطمئنة بمقدار كبير جدًا، الى عدم وجود معارضة أو رفض دولي وحتى اقليمي، حيال تجاوزاتها المتتابعة للسيادة الوطنية العراقية، التي بلغت أقصى مستوياتها، حينما بادرت الى انشاء معسكر دائم قبل عدة أعوام في بلدة زليكان التابعة لقضاء بعشيقة بمحافظة نينوى، بحجة حماية ابناء القومية التركمانية من عصابات "داعش" الارهابية.

   والحقيقة الرابعة، والتي قد تحظى بأهمية أكبر، هي أن عموم الرأي العام التركي والنخب السياسية، اذا لم تؤيد وتدعم مثل تلك العمليات، فإنها على الاعم الأغلب لا تفصح عن معارضتها ورفضها لها، وهذا ما يشجع صناع القرار على تكرارها، خصوصًا وأنها تنفذ تحت يافطة متطلبات وضرورات حماية الأمن القومي.          

    وعلى ضوء تلك الحقائق، تحركت تركيا عسكريًا نحو الجغرافيا العراقية، وهذه المرة بوتيرة وزخم أكبر، وتهيئة سياسية ولوجيستية على نطاق أوسع، فقد استبقت اطلاق عمليات "مخلب النسر"، بارسال رئيس جهاز مخابراتها (ميت) هاكان فيدان، سرًّا الى بغداد ليلتقي بعدد من كبار المسؤولين السياسيين والامنيين ويضعهم بصورة العمليات العسكرية المرتقبة، دون أن يعني ذلك ضرورة أخذ موافقتهم. في ذات الوقت تحدثت مصادر مختلفة عن تنسيق عالي المستوى بين انقرة والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني، باعتبار ان الدخول التركي الى العراق والمناطق التي استهدفها القصف الجوي تقع جميعها ضمن رقعة ونفوذ حزب البارزاني.

    وتتحدث المصادر عن أن انقرة أبلغت مسبقًا كلّاً من واشنطن و"تل ابيب" ولندن وباريس وبرلين وموسكو بعملياتها المرتقبة، وكل ذلك من أجل تجنب التصعيد السياسي والاعلامي المحتمل من قبل أي من تلك الأطراف، فضلًا عن التنسيق الأمني والمخابراتي مع البعض منها.      

   واذا كانت كل تلك الحقائق والمعطيات صحيحة، فإن ما ينبغي الالتفات اليه، هو جملة أمور، أبرزها، أن الحزب الحاكم بزعامة الرئيس رجب طيب اردوغان، أخذ يتحسب من الآن لأيّة انتخابات مبكرة يمكن أن تجرى خلال العام الجاري، من خلال تحشيد الرأي العام واستمالته عاطفيًا، وكذلك، فإن أنقرة التي تجد أنها تورطت بملفات اقليمية شائكة في سوريا وليبيا وغيرهما، تحتاج الى تحقيق مكاسب وانتصارات - حتى وان كانت شكلية - للتعويض عن مأزقها ومشكلاتها، وربما ترى في ملف حزب B.K.K، والدخول الى الساحة العراقية من بوابتها الشمالية افضل واسهل خيار في هذا السياق، ولأن هناك فهمًا عميقًا من خلال التجربة ومن خلال قراءة الواقع الجيوسياسي، وطبيعة موازين القوى، ونقاط القوة والضعف لديها ولدى خصمها، مفاده ان حقائق الواقع ومسارات الامور لن تتبدل بفعل عمليات "مخلب النسر"، كما لم تغيرها الكثير من العمليات السابقة، لذلك فإن وصف العمليات الأخيرة بأنها هروب نحو الامام، أو هروب نحو العراق، هو الاقرب الى الحقيقة، ما دام حزب العمال باقيا في جبال قنديل وفي سهول سنجار، وما دام يتحرك في الأناضول بحرّية ومرونة، لم تفلح دوائر السياسة والامن والمخابرات التركية بفك طلاسمها حتى الان، ولم تفلح باستنطاق أوجلان بما هو مفيد لها رغم مرور أكثر من عقدين من الزمن على القائه معزولًا بجزيرة امرالي، بينما حزبه يعمل ويتحرك وكأن زعيمه حاضر بينه بقوة.   

العراقتركيا

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة