intifada

آراء وتحليلات

الكابيتول كونترول: أزمة أم حل؟

29/03/2022

الكابيتول كونترول: أزمة أم حل؟

د. محمود جباعي

كما بات يعلم جميع المواطنين اللبنانيين انه كان من المفترض ان يشرّع المجلس النيابي اللبناني منذ بداية الازمة المالية والاقتصادية في صيف عام 2019 قانون الكابيتال كونترول لمنع خروج رؤوس الاموال الى الخارج ولحماية ما تبقى من موجودات المصرف المركزي والمصارف. فأموال المودعين كان قد تبخر معظمها في تلك الفترة بفعل السياسات المالية والاقتصادية للحكومات المتعاقبة والمبنية على تمويل عجز الموازنة والاستيراد من اموال المودعين من دون وجود اي سياسات اقتصادية بنيوية تعمل على تطوير هيكلية الاقتصاد اللبناني. هذا التأخير في اقرار الكابيتال كونترول اعطى الفرصة لكبار النافذين في البلد لتحويل أموالهم الى الخارج مما حرم باقي المودعين وخاصةً الصغار من الحصول على اموالهم. وقد وصلنا الى ما نحن عليه اليوم من أزمة مالية خانقة ساهمت في خسارة معظم المودعين لأكثر من 75% من أموالهم المودعة في المصارف، علمًا أن اقرار القانون في حينها لم يكن ليساهم وحده في حل معظم الازمة إلا أنه وبكل تأكيد كان سيساهم في الحد من تفاقمها ومن الانهيار المالي والنقدي السريع الذي عاشته البلاد على مختلف الاصعدة والقطاعات.

"نيوكابيتال كونترول"
 
بعد رفض المجلس النيابي لمسودة مشروع الكابيتال كونترول الذي قدمه فريق رئيس الحكومة بسبب معارضة معظم الخبراء والمودعين له، خرج اليوم علينا مشروع قانون مستعجل كما العادة لا يخدم مصلحة المودعين فهو فقط يعمل على حماية المصارف والمصرف المركزي من دون وجود اي آلية حقيقية وواضحة تعمل على حل الازمة بشكل شامل وجذري تؤسس الى وضعها على سكة الحل وحتى لو كان طويل الاجل، مما أدى الى اسقاطه من قبل اللجان النيابية التي تعلم أنها لا تستطيع المضي قدماً بهكذا قانون وخاصةً قبل الانتخابات النيابية التي يتحضر لبنان لها في شهر أيار المقبل.

وفي كل الحالات بات واضحاً أنه لا توجد اليوم نية حقيقية لاقرار قانون كابيتال كونترول منطقي وعملي يحمي حقوق المودعين ويساهم في حل الازمة من خلال اعادة الثقة للقطاع المصرفي عبر وضع آليات واضحة للسحوبات تلتزم من خلالها الدولة والمصرف المركزي والمصارف باعادة اموال المودعين بشكل منظم مع خطة اقتصادية شاملة تساهم في خروج البلاد من ازماتها المتفاقمة.

يجب اقرار قانون وفق الاصول ويراعي حقوق المودعين

نحن اليوم بأمسّ الحاجة الى اقرار قانون كابيتال كونترول في المجلس النيابي ولكن ليس أي مشروع قانون لان المضي قدماً بمشروع قانون غير متكامل سيساهم حتماً في تفاقم الازمة المالية والنقدية ولن يساهم في حلها مما سيعطي نتائج عكسية على الاقتصاد الوطني، لذلك من الانسب أن تناقش الحكومة اللبنانية مجتمعةً مشروع القانون والتوافق عليه قبل ارساله وفق الأصول الى المجلس النيابي وان لا يخرج مشروع القانون من جعبة جهة سياسية معينة تسعى فقط الى حماية المصارف على حساب المودعين، على أن يتضمن نقطتين اساسيتين تشكلان مدخلاً حقيقياً للحل، وهما وضع بند داخل القانون يضمن حماية حقوق المودعين وتثبيتها بشكل لا يحمل الشك أو الريبة، ووضع سقف زمني معقول لكيفية اعادة الحقوق لأصحابها بعد اتفاق الدولة والمصرف المركزي والمصارف على كيفية تحمل الخسائر فيما بينها تمهيداً الى اعادة الاموال المفقودة بشكل علمي ومنطقي.

وكذلك يجب تحديد سقوف معقولة للسحب بالعملة الاجنبية والوطنية فبدل ما يقوم به المصرف المركزي من تبديد دولارات الاحتياط الالزامي العائدة ملكيته الى المودعين على منصة صيرفة بشكل عشوائي فإن بمقدوره استعمال هذه الاموال بشكل علمي ومنطقي عبر اعادتها لاصحابها بشكل تدريجي ويساهم في رفع نسبة السحوبات الشهرية، فالمركزي يضخ يومياً عبر منصة صيرفة ما لا يقل عن 60 مليون دولار ويقدمها للجمهور والشركات. وبحسبة بسيطة ان جزءا من هذا المبلغ الذي يهدر يومياً يمكن استعماله في تنظيم عملية السحوبات الخاصة بالمودعين. فمن غير المنطقي تقديم مبالغ تصل الى 5 الاف دولار يومياً لمواطن يمتلك الكاش بالليرة بينما سقف السحوبات هو 400 دولار شهرياً اي 16 دولاراً يومياً لاصحاب الحسابات المصرفية المشمولين بالتعميم 158 و 180 دولار شهرياً اي 6 دولار يومياً لاصحاب الحسابات المصرفية المشمولين بالتعميم 161.

ان هذا الفرق الكبير بآلية التعاطي مع المبالغ المالية الموجودة لدى مصرف لبنان تثير الريبة والشك فيما اذا كان من يستلم زمام المبادرة في السلطة السياسية والمصرف المركزي يسعى فعلا الى ايجاد حل حقيقي لموضوع المودعين، لذلك على جميع القوى السياسية التي تدعي حرصها على أموال المودعين العمل بشكل جدي على اقرار قانون كابيتال كونترول يحمي الحقوق وينظم العمل في المصارف ويمنع اهدار الدولارات المتبقية العائدة ملكيتها للمودعين على سياسات نقدية هشة وتخدم فقط اجندات سياسية معروفة للجميع.

مجلس النوابوزارة المالية

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة