باقون

آراء وتحليلات

هل يجمع "نورد ستريم 2 " المانيا وروسيا بعدما باعدتهم اوكرانيا؟

02/01/2022

هل يجمع "نورد ستريم 2 " المانيا وروسيا بعدما باعدتهم اوكرانيا؟

د. علي دربج  ـ باحث ومحاضر جامعي
دائما ما تفرقه السياسة، قد تجمعه المصالح. ففي خضم التوتر الروسي ــ الالماني على خلفية الازمة الاوكرانية، يفرض مشروع انابيب نورد ستريم 2، ذاته على مستقبل العلاقات بين البلدين. إذ لم يكن المستشار الألماني الجديد، أولاف شولتز ، مضطرًا إلى الانتظار طويلاً بعد توليه منصبه ليتم سؤاله عن نورد ستريم 2 ـــ وهو خط أنابيب للغاز تحت البحر يمتد من روسيا إلى ألمانيا ـــ  فقال للصحفيين "المشروع  للقطاع الخاص" مشيرا الى ان "القرار النهائي بشأن الموافقة على خط الأنابيب ستتخذه وكالة في ألمانيا، غير سياسية تمامًا".

فاجأ كلام المستشار الجديد الكثيرين داخل المانيا واوروبا والولايات المتحدة، باتباعه نفس الموقف الذي اتخذته سلفه أنجيلا ميركل، التي دافعت عن خط الأنابيب كمشروع تجاري ضروري لنجاح القاعدة الصناعية الألمانية.

وقبل الغوص في تفاصيل المشروع، لنطلع على مشكلة النقص في الطاقة التي تعاني منها اوروبا، وعلاقة روسيا بالامر.

تعدّ روسيا المورد الرئيسي للغاز الطبيعي في أوروبا، ولكن حجم الواردات هذا العام لا تزال أقل من المتوسط، حيث قال المحللون ان روسيا كانت تلبي كميات الغاز المتفق عليها فى العقود، بيد انها بدت مترددة فى تقديم المزيد من الامدادات للعملاء الاوروبيين الذين باتوا يواجهون مشكلة خطيرة بسبب احتياجات اوروبا الملحة للغاز الروسي، خصوصا وان الغاز انخفض في مرافق التخزين بمستويات غير عادية هذا الشتاء، ويرجع ذلك جزئيا إلى زيادة الطلب العالمي وموجة البرد التي بدأت باكرا هذا العام، فضلا عن ارتفاع الأسعار.

وتعقيبا على ذلك، قال "جيمس وادل" ـ رئيس قسم الغاز الأوروبي في "شركة إنرجي أسبكتس" في لندن ـ : "كانت روسيا تقول إنها تقدم كل شيء وفقًا لعقودها، وهذا يبدو صحيحًا. لكن ما لا يفعلونه هو بيع الغاز الاضافي بكميات رأيناها في السنوات السابقة".

ولفهم خلفيات تمسك كل من روسيا، والمستشار الألماني الجديد بالمشروع، فلنقرأ الاتي:

لسنوات عديدة ، كانت خطوط الأنابيب في أوكرانيا التي تعود إلى الحقبة السوفايتية بمثابة الممر الرئيسي إلى أوروبا للغاز الروسي ، مما أدى إلى دّر مليارات من عائدات رسوم النقل على حكومة كييف.
وحاليا، إذا تم تشغيل نورد ستريم 2 ، بسعة 55 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا ، فستتمكن شركة غازبروم من بيع غاز إضافي للعملاء الأوروبيين، دون دفع رسوم العبور إلى أوكرانيا.

وعلى خط مواز، ترى الشركات الألمانية ان خط الأنابيب ضروري لضمان تدفق موثوق للطاقة حيث تستعد البلاد لإيقاف آخر ثلاثة مولدات للطاقة النووية. كما أصبح الأمر أكثر إلحاحًا لألمانيا بعد أن أعلنت الحكومة الجديدة عزمها تقديم موعد تخليها عن الفحم في توليد الكهرباء ثماني سنوات أي حتى عام 2030 بعد أن كان في العام 2038.

إضافة الى ذلك، ترى برلين ان الحاجة ماسة للمشروع بشكل خاص فى ولايات جنوب المانيا، موطن الشركات الصناعية العملاقة مثل شركة "باسف للكيماويات" ، و"شركة دايملر" لصناعة السيارات، وشركة "سيمنز" .

تبعا لذلك، قال "سيغفريد روسورم" ـ رئيس اتحاد الصناعات الألمانية ـ : "نحن بحاجة إلى إمدادات آمنة من الغاز، على الرغم من كل الخلافات السياسية الواضحة مع روسيا".  وإذ حثّ روسورم "الحكومة الجديدة على عدم الخلط بين العمل والسياسة"، لفت إلى أن "روسيا بدأت في إمداد ألمانيا الغربية بالغاز الطبيعي خلال الحرب الباردة ، عندما جلس البلدان على طرفي نقيض من الستار الحديدي".

هل يجمع "نورد ستريم 2 " المانيا وروسيا بعدما باعدتهم اوكرانيا؟

لكن مهلا، الأمر ليس بهذه البساطة، فثمة تعقيدات داخلية وخارجية من المتوقع ان تواجه المشروع، وربما تعمل على عرقلته. فلنتعرف عليها سويًا.

على المستوى الداخلي، تضم حكومة شولز الائتلافية "حزب الخضر"، الذي ينتقد أعضاؤه بشدة نورد ستريم 2. ومما ضاعف المشكلة، هو أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا، التي حطمت الأرقام القياسية في الأسابيع الأخيرة بسبب شح الإمدادات، زد على ذلك، هناك معضلة توقف نصف المفاعلات النووية الستة المتبقية في ألمانيا عن العمل رغم ان الشتاء قد حلّ، الامر الذي يؤدي إلى زيادة الطلب وبالتالي ترتفع الاسعار بشكل كبير. المفارقة انه تم إطلاق نورد ستريم 2 في عام 2015 للمساعدة في تجنب مثل هذه الأزمات في الطاقة ويبدو الآن أنها تؤدي إلى تفاقمها بدلاً من ذلك.

ليس هذا فحسب، فهناك ايضا، الضغوط داخل حكومة شولز، حيث أدلى قادة من "حزب الخضر" بتصريحات تدعم الضغط الأوروبي والأمريكي لألمانيا لاستخدام خط الأنابيب كوسيلة ضغط ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

اما على الصعيد الخارجي، فقد اثار المشروع  الغضب في واشنطن والعواصم الأوروبية في وقت، تشهد فيه العلاقات مع موسكو تدهورا، وتسير نحو التأزم بسرعة عالية. وما زاد الطين بُلة هو احتشاد الآلاف من القوات الروسية على الحدود مع أوكرانيا، فضلا عن التهديد بفرض عقوبات أمريكية محتملة على خط الأنابيب مما يجعل مستقبل نورد ستريم 2 غير معلوم.

لكن لماذا هذه المعارضة الاوروبية والاميركية للمشروع، اليكم التفاصيل:

يشعر شركاء ألمانيا الأوروبيون بقلق بالغ إزاء احتمال خسارة المليارات من رسوم العبور السنوية لأوكرانيا والبلدان الأخرى التي لديها خطوط أنابيب بمجرد دخول نورد ستريم 2، الخدمة.

على المقلب الآخر، تنظر الولايات المتحدة إلى المشروع على أنه تهديد للأمن الأوروبي، مما يمنح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين طريقة سهلة لممارسة النفوذ على جزء من العالم يتمتع فيه الأمريكيون بشراكات استراتيجية.

اكثر من ذلك، ترى الولايات المتحدة أن خط أنابيب نورد ستريم 2، هو مشروع جيوسياسي ـــ روسي يقوض أمن الطاقة والأمن القومي لجزء كبير من المجتمع الأوروبي الأطلسي". من هنا، سعى المعارضون في واشنطن ، بقيادة السناتور تيد كروز ، جمهوري من تكساس ، مرارًا وتكرارًا إلى معاقبة الشركات المشاركة في مشروع خط الأنابيب.

النقطة الاهم، هي ان مجلس الشيوخ الاميركي، وافق مؤخرًا على إجراء تصويت في كانون الثاني/ يناير 2022،  بشأن  فرض عقوبات على  نورد ستريم 2، مقابل عدم عرقلة كروز  لتعيين العشرات من مرشحي الرئيس جو بايدن، في مناصب في كلا من وزارتي الخارجية والخزانة.

وماذا عن مستقبل المشروع؟ الاجابة في السطور التالية:

على الرغم من كل الصراعات ، يعتقد المراقبون أن خط الأنابيب الذي تبلغ قيمته 11 مليار دولار ، والمصمم لتوصيل الغاز الروسي مع تجاوز دول تقع في مجال النفوذ الروسي السابق ، سيبدأ العمل به، بمجرد اجتياز عقبة بيروقراطية أخيرة، وهي شهادة من الجهة الرقابية الالمانية.

وفي هذا الاطار، تقول "كاتيا يافيمافا" ـ باحثة أولى في معهد "أكسفورد لدراسات الطاقة" ـ لصحيفة "نيويروك تايمز": "أعتقد أنه سيتم اعتماد المشروع في النهاية، ولكن قد تكون هناك شروط مرتبطة بها تتعلق باستمرار وصول العبور عبر أوكرانيا". واضافت  "من المحتمل أن تلعب السياسة دورًا كبيرًا".

وليس بعيدا عن ذلك، حذر "جاكوبو ماريا بيبي" ـ الباحث في البنية التحتية للطاقة والمناخ في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنيةـ،  قائلا :" في حين أن وقف خط الأنابيب سيرسل رسالة دبلوماسية واضحة لروسيا ، فإنه قد يخاطر بوضع المانيا، باعتبارها أقوى قوة في أوروبا".

وبناء على ما تقدم، صحيح ان الألمان يدعمون أوكرانيا بالجهود الدبلوماسية والاستثمارات الاقتصادية ، والتي بلغت قيمتها 49 مليار دولار في عام 2020، غير انه إذا كانت برلين لا تزال بحاجة إلى الغاز، فإنها حتما، لا تزال بحاجة إلى روسيا،  ولا توجد طريقة للهروب من هذا الواقع.

المانياأوروباالغازنورد ستريم 2السيل الشمالي 2

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة