آراء وتحليلات

خصخصة "الليل" في مصر

462 قراءة | 10:38

أحمد فؤاد

في الليل يأوي أغلب الناس إلى فرشهم، باحثين عن راحة ساعات تعينهم على مشاغل يوم جديد، في ظل حياة تتسارع وتيرتها، وتتسع مطالبها المادية من أرباب الأسر المسحوقة، وتصير أصعب كلما تأزمت الظروف الحياتية، خصوصًا في عالمنا العربي المنكوب بغياب المشروع، والمنكود بحكام تسلطوا فظلموا وما عدلوا يومًا.

إلا أن الليل يشهد انتشار طوائف أخرى في شوارعنا، فكل المدن العربية تتشابه في مرّها وآلامها، ينتشر اللصوص وممتهنو الحرف الليلية، التي تتطلب ساترًا من ظلام، يعفي وجوههم من مصافحة الناس، ويمنحهم المساحة الكافية لأفعالهم، ويتشابه مع سواد قلوبهم وظلمة نفوسهم، فلا يكاد يميزها عابر غير مدقق، والأعمال الليلية ترتبط في ذهنية الغالبية منا بعدم المشروعية، وربما تصل للحرام، هذه ثقافة شعبية قديمة، متيقنة من كون الاضطرار للاختباء ناتج من نشاط مؤثم إن لم يكن قانونيًا فعلى الأقل مجتمعيًا.

اختارت الحكومة المصرية الليل، ويوم نهاية الأسبوع قبل العطلات، الخميس الماضي، لممارسة واحد من أنشطتها المكروهة والملعونة شعبيًا، الخصخصة، مستفيدة من سيل هادر من الدماء وعشرات الجثث المتفحمة والمحروقة، في أكبر محطة للقطار بالعاصمة القاهرة، لمنحها فرصة الإفلات بجريمة جديدة في حق المال العام، الذي تحول إلى مال بلا صاحب، بعد جريان تسمية "شركات الدولة" بدلا من "الشركات العامة"، على ألسن إعلاميين وخبراء.

طرحت حكومة المهندس مصطفى مدبولي أسهماً من الشركة الشرقية للدخان في البورصة، في سابقة تحدث لأول مرة منذ 14 عامًا كاملة، جرت فيها مياه كثيرة في النهر، قامت ثورة وتغيرت وجوه، لكن الثابت الوحيد ظل أن النظام القائم منذ "السادات" موجود ويتربع على كرسي السلطة.

طرحت الحكومة 4.5% من أسهم واحدة من أكثر الشركات العامة ربحية ونمواً على صناديق الاستثمار والأجانب فقط، في سابقة أخرى، وميزت المحظوظين من رجال أعمالها بنسبة 95% من الأسهم الكلية، بإجمالي 96 مليون سهم، وتبقى 5 ملايين سهم فقط، سيتم طرحها في اكتتاب عام بالبورصة المصرية، في بداية جلسات تداول الأسبوع الحالي، والعائد المقدر من كل الأسهم المطروحة –طبقًا لتصريحات وزير قطاع الأعمال المصري- سيكون في حدود 1.8 مليار جنيه أي 100 مليون دولار فقط، وتمت تغطيته طبقًا للمعلن من الوزارة ذاتها بنسبة 1.8 مرة، وهي نسبة ضعيفة لشركة مضمونة الأرباح.

ثالثة الأثافي أن الإعلان عن الطرح الخاص -جدًا- جاء من مستشار الطرح، وليس من إدارة البورصة المصرية، ولم تعلن عنه هيئة الرقابة المالية شيئاً، المجموعة المالية هيرميس هي مستشار الطرح للشركة الحكومية العملاقة، وهي شركة يتردد حولها الكثير من الجدل، خاصة بعد ثورة يناير 2011، وصلت إلى منع رئيس مجلس إدارتها من السفر، بقرار من النائب العام، في فبراير/شباط من العام ذاته.

موجة الخصخصة الجديدة للشركات العامة المصرية تأتي بالطبع تجاوبًا مع إملاءات المقرضين، صندوق النقد والبنك الدوليين، لهذا ينتشر دفاع غريب وغير منطقي عن بيع ما تبقى من أصول مصر، ممثلًا في أهم شركاتها وأكثرها ربحية على الإطلاق، من عينة "أن الطرح في البورصة لتوسيع الملكية"، ولا أحد يدري كيفية توسيع ملكية شركات عامة، هي ملك للشعب بأكمله، هل سيتم تمليكها لسكان الكرة الأرضية، أم أن العكس هو الجاري، ويتم بيعها لعدد من المستثمرين.

الشركة الشرقية للدخان، التي سقطت كفريسة جديدة تحت عجلات قطار الخصخصة المميت، تعد واحدة من الحالات الشاذة، التي يقرر فيها المدير "الغبي" أن يذبح دجاجة تبيض له بيضة من ذهب كل يوم، متخيلًا بقصور عقل ورعونة شديدين أنه سيحصل على الكنز، فالشركة شبه محتكرة لصناعة وتوزيع الدخان في مصر، وأرباحها كالصاروخ المندفع، لا يوقفه تعويم أو قلة طلب.

وآخر محضر اجتماع للجمعية العامة للشركة الشرقية للدخان، يكشف عن إمرار ميزانية بأرباح قياسية، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بصافي أرباح بلغ 4.2 مليار جنية مقابل 3 مليارات خلال العام السابق له، أي بزيادة نسبتها نحو 40% في عام واحد، وارتفعت الإيرادات الإجمالية عن العام المالي الماضي 27% بقيمة 2.8 مليار جنيه، لتصل نهاية يونيو/حزيران 2018 إلى 13.4 مليار جنيه.

الغرائب في القرار والإخراج الحكومي، السيّئَي التنفيذ والمقصد، تبقى بلا حصر، ففي سنوات مبارك الثلاثين على كرسي الحكم، جرى تبرير الخصخصة بأنها تهدف للتخلص من الشركات الخاسرة والفاشلة، وباعت مصر نفسها في المزاد، وخرجت وحدات صناعية ضخمة من السوق، ليصبح فريسة أمام الوكلاء والسماسرة، ينتزعون منه المزيد من التنازلات كلما بدا ثمة تراجع، والأطلال شاهدة على مصير شركات مثل الدلتا الصناعية والمراجل البخارية، التي تحولت من صروح إنتاج إلى أبراج سكنية أو قبور صامتة.