عيد الفطر

آراء وتحليلات

النظام الرأسمالي اللبناني والتبعية للامبريالية الغربية

28/04/2021

النظام الرأسمالي اللبناني والتبعية للامبريالية الغربية

جورج حداد

يتضح أكثر فأكثر أن الأزمة التي يعاني منها لبنان في العقود الماضية، وخاصة في السنوات الأخيرة، ليست أزمة سياسية عابرة أو مرحلية، تتعلق بالاستقطابات والتوازنات السياسية الداخلية، وبانتخابات رئاسية، أو اسقاط حكومة وتشكيل أخرى، أو حل مجلس نيابي واجراء انتخابات برلمانية جديدة؛ بل هي أزمة وجودية للنظام السياسي ــ الاقتصادي ــ الاجتماعي للدولة اللبنانية الراهنة، التي أسسها الاستعمار الفرنسي منذ مائة سنة، بدعم من قبل الدول الاستعمارية جميعًا وبتفويض (سُمّي انتدابا) من قبل "عصبة الامم"، أي الهيئة الدولية التي أنشئت في أعقاب الحرب العالمية الأولى، مثلما أنشئت هيئة الأمم المتحدة الحالية في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

ولفهم طبيعة الأزمة اللبنانية الراهنة ينبغي فهم طبيعة النظام السياسي ــ الاقتصادي ــ الاجتماعي القائم في لبنان، ونمط نشوئه وتكوينه وتطوره.

طبيعة النظام اللبناني

ولا نكاد نظن أنه يوجد لبنانيان، من أي طائفة أو انتماء سياسي، يمكن أن يختلفا على أن النظام اللبناني القائم هو:

-1- نظام رأسمالي (يسميه البعض "اقتصادًا حرًا" أو "ديمقراطيًا" أو "ليبيراليًا").

-2- نظام طائفي 100% في كل تكوينه "من الطربوش الى البابوج" كما يقال.

-3- نظام يقوم على الفساد في كل مناحي الحياة، بصرف النظر عن الصفات الشخصية والسياسية لاي رئيس او مسؤول او وزير او نائب او مدير او حتى اصغر عامل او موظف مدني او عسكري.

-4- نظام تابع للغرب الامبريالي ماليا واقتصاديا وسياسيا وثقافيا الخ. (وانصار "السيادة" و"القومية اللبنانية" المزعومة يعتبرون ان كل خروج عن هذه التبعية يعتبر خروجا عن النظام، وخروجا عن "الشرعية اللبنانية" و"السيادة اللبنانية". فلكي تكون "لبنانيا حقيقيا!"، في نظر هؤلاء، ينبغي ان لا تكون ابعا لاي طائفة بعينها او حزب بعينه او تيار سياسي بعينه، بل تابعا للغرب الامبريالي، وللانظمة العربية التابعة للامبريالية.. الى درجة ان التبعية لـ"اسرائيل" بالذات، والقتال الى جانبها، أصبحت في نظر هؤلاء معيارًا رئيسيًا من معايير الانتماء الى "سيادتهم اللبنانية" و"وطنيتهم الكيانية اللبنانية").

كيفية نشوء وتطور هذا النظام

ولكي نستطيع أن نفهم طبيعة أزمة لبنان الوجودية الراهنة، ونتلمس طريقة الخروج منها، علينا أن ننظر أولًا في تاريخ مدينة بيروت، والتطورات التي طرأت عليها والتي دفعت بالمستعمرين الفرنسيين لجعلها العاصمة التي أعلنوا منها إنشاء "دولة لبنان الكبير".

وتشير الدراسات التاريخية الى أنه حتى الثلث الأول من القرن التاسع عشر كانت بيروت مدينة صغيرة (أصغر من كل من طرابلس وصيدا وصور) لا يزيد عدد سكانها عن 8000 نسمة، وكان والي عكا البوشناقي أحمد باشا الجزار قد سوّرها وحدّ من نموها بمنع البناء خارج أسوارها، وحوّل شؤونها الإدارية والمالية الى عكا. وفي سنة 1832 دخلت الحملة المصرية (بقيادة ابرهيم باشا) الى بيروت. ودام الحكم المصري فيها حتى سنة 1841. وفي هذه الفترة كان حاكم بيروت قائدًا عسكريًا مصريًا هو سليمان باشا، الذي كان أحد الجنرالات الفرنسيين المرتزقة الذين انضموا الى الجيش المصري لمحمد علي، المناوئ للسلطنة العثمانية. وخلال فترة الحكم المصري والجنرال "سليمان باشا" الفرنساوي تم هدم أسوار بيروت والسماح بالبناء حولها. ومنذ ذلك الحين بدأ تنشيط مرفأ بيروت، التي أصبحت مقصدًا للتجار الفرنسيين والأوروبيين، ومركزًا للتجارة بين أوروبا وجبل لبنان والداخل السوري والعراق وفلسطين والاردن، وافتتحت فيها القنصلية الفرنسية والبنوك والوكالات التجارية الأجنبية والمعاهد والإرساليات المسيحية الفرنسية والأوروبية والأميركية. وقد تضاعف عدد سكان بيروت عدة مرات، بفضل هذه الحركة العمرانية والتجارية والتعليمية، وخصوصًا بعد المذبحة المدبرة ضد المسيحيين في جبل لبنان ودمشق في 1860، حيث نزح عشرات ألوف المسيحيين الى بيروت.
وقد استفاد الفرنسيون من قرب مرفأ بيروت من جبل لبنان والبقاع ودمشق فقامت شركة فرنسية في سنة 1857 بشق طريق للعربات بين بيروت ودمشق. وفي سنة 1888 تأسست شركة فرنسية لادارة مرفأ بيروت وأرصفته ومخازنه. وفي السنة ذاتها صدر فرمان سلطاني بتحويل بيروت الى "ولاية" باسمها امتدت على طول الساحل السوري حتى اللاذقية والساحل الفلسطيني حتى شمال يافا.

وخلال المرحلة الممتدة من أيام الحكم المصري حتى عشية الحرب العالمية الأولى، أتيح للبرجوازية التجارية والمالية السنية أن تختلط مصلحيًا وتتشارك مع البرجوازية التجارية والمالية المسيحية وخصوصًا المارونية، وأن تقيم وإياها علاقات وثيقة مع الأوساط السياسية والتجارية والمالية الفرنسية والأوروبية، بالاضافة الى علاقاتها التقليدية العثمانية والاسلامية. وهذا ما أتاح لاحقا للبرجوازية التجارية السنية أن تحتل مكانة مميزة في تركيبة "دولة لبنان الكبير" العتيدة الى جانب البرجوازية التجارية والمالية المسيحية والمارونية. وبناء عليه اذا كان يمكن القول إن إنشاء نظام القائمقاميتين ثم متصرفية جبل لبنان في منتصف القرن التاسع عشر هو -محليا، ومن زاوية نظر طائفية سياسية- نتيجة صفقة طائفية مارونية ــ درزية؛ فيمكن القول ان انشاء "دولة لبنان الكبير" ("الجمهورية اللبنانية") في مطالع القرن العشرين هو (محليًا، ومن زاوية نظر طائفية ــ تجارية ومالية) نتيجة صفقة طائفية مارونية ــ سنية. واذا كان الرأي السائد أن إنشاء "دولة لبنان الكبير" هو كناية عن إلحاق الأقضية الأربعة (بيروت والجنوب والبقاع والشمال) بمتصرفية جبل لبنان السابقة، فإنه يمكن القول، من وجهة نظر سياسية ــ تجارية ــ مالية واقتصادية، إن انشاء "دولة لبنان الكبير" هو كناية عن إلحاق متصرفية جبل لبنان السابقة والبقاع بولاية بيروت السابقة، بعد فصل الساحلين الفلسطيني والسوري عنها. واذا كان دولة الرئيس المكلف سعد الحريري "يتدلل" الان في تشكيل حكومة "الانقاذ الوطني" المزعوم، فإنه ــ وبكل حسن نية طبعا! ــ لا يقصد شيئا آخر سوى تلقين "درس في تاريخ الكيان اللبناني" للمارونية السياسية.

ونأتي الى تأسيس "دولة لبنان الكبير":

معلوم تاريخيًا أنه مع اندلاع الحرب العالمية الأولى دخلت السلطنة العثمانية الحرب الى جانب المعسكر المعادي لعدوها التاريخي: روسيا. ومع بداية الحرب أعلن الأتراك الأحكام العرفية في منطقة سوريا ولبنان وفلسطين، ونصبوا المشانق للوطنيين والأحرار العرب، وألغوا امتيازات "الحكم الذاتي" لمتصرفية جبل لبنان، وفرضوا التجنيد الاجباري على المواطنين، بمن في ذلك على المسيحيين اللبنانيين لأول مرة في تاريخهم، وتوجوا كل ذلك بفرض الحصار على جبل لبنان ذي الاغلبية المسيحية، ومنعوا وصول الحنطة والحبوب إليه من الداخل السوري. وهذا ما تسبب بمجاعة كبيرة وانتشار الأوبئة في الجبل. وكان العنصريون الأتراك يتهمون المسيحيين الأرمن بموالاة روسيا، والمسيحيين اللبنانيين بموالاة فرنسا. وفي 1916 صرح وزير الحربية التركي الجزار انور باشا: "إن الحكومة لا يمكنها استعادة حريتها وشرفها إلا عندما يتم تنظيف الإمبراطورية التركية من الأرمن واللبنانيين. الأوائل دمرناهم بالسيف، أما الآخرون فسنميتهم جوعا". وقد ساهم في افقار وتجويع اللبنانيين جشع التجار المحليين ــ وكان أغلبهم مرتبطين رأسماليا بفرنسا ــ الذين استغلوا الحصار المضروب على البلاد لاحتكار المواد الغذائية ورفع اسعارها بشكل جنوني. وحسب احصاءات عديدة، مات من اللبنانيين أكثر من 200 ألف نسمة بالجوع والتيفوئيد والجدري والكوليرا، أي ربع أو ثلث سكان الجبل حينذاك.

وفي 1918 دخل المستعمرون الفرنسيون الى الأراضي اللبنانية، أي دخلوا إلى بلاد خارجة من مجاعة، ومن حكم تركي أسود، بلاد مدمرة اقتصاديًا واجتماعيًا وصحيًا وأمنيًا وإداريًا، ذات شعب مظلوم، جثث أبنائه مرمية في المزابل، جائع وخائف من كل شيء، ونخبة من التجار والمتمولين المذعورين، الذين يرتعدون خوفا من انتقام الشعب الذي جمعوا ثرواتهم وضاعفوها عبر المتاجرة بويلاته ومآسيه. وكان المواطن العادي يريد أي "حسنة" من أي طرف كان وأي عمل يوفر له رغيف خبز، والمتمول يريد الحماية من أي سلطة كانت، بعد أن سقطت السلطة التركية التي كان يخدمها وكانت تحميه في السابق.

هذه الحالة بالذات هي التي قررت طبيعة النظام الرأسمالي اللبناني، كنظام فساد وتبعية للاستعمار، في أساس تكوينه بالذات.

إن النظام الرأسمالي (بمعناه العام)، القائم على الملكية الخاصة وحرية التبادل واستغلال العمل المأجور، قام في أوروبا بنتيجة تطور وسائل الإنتاج ونشوء علاقات إنتاج جديدة لم يعد النظام الإقطاعي ــ الملكي القديم يستوعبها، فقامت الهبات والثورات الشعبية الأوروبية التي حطمت الأنظمة السياسية ــ الاجتماعية ــ الملكية ــ الاقطاعية القديمة، وأقامت أنظمة جمهورية برلمانية جديدة، تسود فيها الطبقة البرجوازية، ولكن الجماهير الكادحة تستطيع اسماع صوتها والنضال لأجل تحسين شروط و"سعر العمل المأجور"، من ضمن قواعد العرض والطلب في "سوق قوة العمل" الذي هو جزء لا يتجزأ من السوق العامة للنظام الرأسمالي. أي أن النظام الرأسمالي في أوروبا نشأ بشكل "طبيعي"، كمرحلة تطور "خاص" و"داخلي" للمجتمع في كل بلد اوروبي على حدة، وبإرادة جماهير شعبه بالذات.

أما في "دولة لبنان الكبير" فإن الاستعمار الفرنسي (ومن خلفه النظام الإمبريالي العالمي برمته) هو الذي زرع النظام الرأسمالي اللبناني زرعا مصطنعًا من الخارج، وعلى ما تقتضيه مصلحة الاستعمار الفرنسي والامبريالية العالمية أولًا وأخيرًا، والطبقة البرجوازية "الوطنية" اللبنانية ليست أكثر من أجير لدى الامبريالية العالمية. أي أن الاستعمار الفرنسي صنع الوعاء الدولي للبنان، أي "دولة لبنان الكبير" (الجمهورية اللبنانية)، بقرار استعماري خارجي، ثم زرع في هذه الدولة، المصنوعة بإرادة استعمارية خارجية، نظامًا سياسيًا ــ اجتماعيًا ــ طائفيًا ــ فاسدًا ــ تابعًا للغرب الامبريالي، بقرار استعماري خارجي أيضًا.

وخلال 20 - 30 سنة نجح الرأسمال الإمبريالي الفرنسي والغربي في تكوين الطبقة البورجوازية اللبنانية الكبيرة، المرتبطة بالاستعمار والإمبريالية، وهي طبقة "وطنية" (أي متعددة الطوائف)، تتبع لها كل أجهزة الدولة اللبنانية والمؤسسات الدينية والاجتماعية والسياسية والإعلامية والتعليمية اللبنانية، العامة والخاصة، الحكومية والتشريعية والعسكرية والقضائية، وتتبع لها اقتصاديا وطائفيا وزعاماتيا الخ... الطبقتان البرجوازيتان المتوسطة والصغيرة.

وكانت الأدوات الرئيسية التي استخدمتها السلطات الاستعمارية الفرنسية وحلفاؤها الغربيون لتكوين هذه التركيبة للنظام الرأسمالي اللبناني: العلاقة الرأسمالية الأساسية، الطائفية، الفساد، التفليس والتأديب والقمع لكل من يخرج عن الطاعة. وأصدر الفرنسيون الليرة اللبنانية الورقية المرتبطة بالفرنك (اي جعلوا الاقتصاد اللبناني ولقمة عيش المواطن اللبناني تحت رحمة الطغمة المالية الاستعمارية الفرنسية. وحينما احتل الالمان النازيون فرنسا انتقل لبنان ــ مع الفرنك ــ الى الوصاية المالية الاسترلينية الانجليزية، وبعد فرض مشروع مارشال واليورودولار على اوروبا في 1949 انتقل لبنان ــ مع اوروبا ــ الى الوصاية المالية الدولارية الاميركية ولا يزال الى اليوم). وبعد ان طبقت مسرحية "استقلال لبنان" في 22 تشرين الثاني 1943، (وكان واضع السيناريو والمخرج الجنرال سبيرز ــ السفير البريطاني في حينه)، تسلم "أبوا الاستقلال" بشارة الخوري ورياض الصلح القيادة، وتحول لبنان في غضون بضع سنوات الى "مزرعة" كما سميت حينذاك، وأطلق على سليم الخوري شقيق بشارة الخوري لقب "السلطان سليم".

وقد تم زج "شاعر الشعب" عمر الزعني في السجن حينما نظم قصيدة "جدّدلو" التي انتقد فيها التجديد لبشارة الخوري في 1949. وفيما بعد، ولمنع تحقيق مطالب القوى الوطنية والتقدمية اللبنانية بإجراء اصلاح وطني ديمقراطي في لبنان، نفذت البرجوازية اللبنانية أوامر أسيادها الامبرياليين بافتعال الحرب الأهلية اللبنانية، وتم استدعاء قوات الردع العربية، واغتيال المعلم كمال جنبلاط وتغييب الامام موسى الصدر، والتمهيد للاحتلال الاسرائيلي للبنان، وتنفيذ مجزرة صبرا وشاتيلا، بمؤامرة دولية "لبنانية" ــ عربية ــ اسرائيلية ــ اميركية، كما تم استدعاء "القوات متعددة الجنسية" والنيوجرسي. واخيرا هبط "السوليديريون" بالباراشوت السعودي كالقدر المحتوم فوق صدر لبنان، وخلال 30 سنة قاموا مع شركائهم في ما سمي "14 اذار"، وبتوجيه وبالشراكة مع الامبرياليين والسعوديين، بنهب الاقتصاد اللبناني، فأكلوا الاخضر واليابس، وحمّلوا هذا البلد الصغير المعذب دينا عاما يتجاوز 100 مليار دولار، وهم يعملون الان لـ"صوملة" لبنان ودفعه الى المجاعة، تماما كما يفعلون في اليمن، بهدف اذلال وتركيع الشعب اللبناني المظلوم، وإجباره على الاستسلام والتخلي عن المقاومة ضد الامبريالية و"اسرائيل" والرجعية العربية والاسلاموية.

واذا قام أي باحث علمي وموضوعي بأي دراسة للواقع السياسي ــ الاجتماعي ــ الاقتصادي للبنان، سيجد أن كل شيء في لبنان (كل رخصة دكان، او رخصة بيع سكاير، او سمسرة، او خدمة تسهيل ابسط معاملة في اي دائرة، او تنسيب اي جندي او رجل امن، او توظيف اي عامل او موظف او اجير في اي ادارة او بلدية او معمل، في القطاعين العام والخاص، او الانتخابات الرئاسية والنيابية والبلدية "من راسها لمداسها"، او الصفقات والمناقصات المشبوهة وغير المشبوهة، او زراعة البطاطا او الحشيشة، او تسجيل طفل في مدرسة، أو حتى إضاءة شمعة لقديس او ولي في اي مزار ديني، الخ) ــ حرفيا كل شيء في لبنان (ما عدا الهواء والحمد لله ــ حتى الان على الاقل) هو حلقة صغيرة أو متوسطة او كبيرة، مرتبطة بالفساد والطائفية والتبعية للاستعمار والامبريالية الغربية والسعودية واذنابها.
             
واليوم، وقد فرض الحصار الامبريالي الاميركي والغربي على لبنان، وأدخل الشعب اللبناني المظلوم في المراحل الاولى من المجاعة، نرى بأم العين كيف ان الزعيم السياسي الذي سمته اكثرية نيابية لتشكيل الوزارة، يتنزه في مختلف العواصم بافتخار، منتظرا السماح له من الخارج بتشكيل الحكومة العتيدة.

ونرى بأم العين كيف جرى نهب اموال المودعين في البنوك، بالتواطؤ الكامل مع البنوك الاجنبية، ونرى كيف يتم منع اجراء التحقيق الجنائي في الجرائم المالية الكبرى ضد الشعب اللبناني. ونرى في الوقت نفسه مسرحية تراجيكوميك تتم فيها محاولة كف يد وشرشحة قاضية لبنانية تجرأت على متابعة ملف فساد وتهريب اموال، وإحالتها هي نفسها الى التحقيق بتهمة "مخالفة القانون". ومن المؤسف جدا ان تنضم مراجع دينية كبيرة الى جوقة التشنيع على هذه المواطنة الشريفة والشجاعة، مما يدل على مدى تبعية وانحطاط واخطبوطية هذا النظام الرأسمالي اللبناني.
ان الدولة اللبنانية قادرة، نظريا، دستوريا وقانونيا، ان تتخذ قرار الخروج من التبعية للغرب الامبريالي، ولكنها اعجز من ان تستطيع ان تفعل ذلك، لان "الحكومة العميقة" في لبنان، اي البرجوازية اللبنانية الكبيرة (ومذنبها البرجوازيتان المتوسطة والصغيرة، وممثلوها وزعانفها السياسيون والدينيون والاعلاميون) هي التي تحكم لبنان فعليا، ولكن ليس بالاصالة عن نفسها، بل بوصفها تابعا ووكيلا وعميلا للامبريالية الغربية واسرائيل والسعودية.

وان اي اصلاح حقيقي في لبنان، والعمل لانقاذ الشعب اللبناني من المأساة التاريخية التي اوقعوه فيها، لا يمكن ان يتم من داخل هذا النظام ذاته، بل بالخروج منه وعليه، والشروع في تأسيس نظام سياسي ــ اجتماعي شعبي ووطني حقيقي، على انقاض النظام الرأسمالي اللبناني القائم، الطائفي والفاسد والعميل.  
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب لبناني مستقل

فرنسا

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

خبر عاجل