alamana

خاص العهد

 ما مصير أموال المودعين بعد نحو عام ونصف على احتجازها؟ 

26/04/2021

 ما مصير أموال المودعين بعد نحو عام ونصف على احتجازها؟ 

 

فاطمة سلامة

لم يكن أحد ليتخيّل المشاهد "السريالية" التي شاهدناها على مدى أشهر في المصارف عقب اندلاع أزمة 17 تشرين الأول 2019. استعادة لشريط الذكريات في وقتها يُبرز حجم الإهانة التي تعرّض لها المودعون الذين باتوا "يتسوّلون" أموالهم بالقطارة. ساعات وساعات كان يقضيها المودع داخل المصرف ليستحصل على فُتات قرشه الأبيض الذي خبّأه ليومه الأسود، قبل أن يُصبح شقاء عمره مجرّد رقم حساب ممنوع من الصرف.  

ولا نُبالغ إذا قلنا أنّ ثمّة قلق كبير لدى غالبية المودعين الذين يتحسّرون على أموالهم، وهذا أمر طبيعي. أولئك وجدوا أنفسهم فجأة وبعدما تعبوا وجنوا لسنوات طويلة بلا رصيد ولا سند. والمُقلق لدى هؤلاء أنّ تلك الأموال ليست فقط محجوزة بل بعضها صُرف وبعضها الآخر مجهول المصير. أكثر من ذلك، يُحكى بين الحين والآخر عن تمويل بعض المشاريع من هذه الأموال كما يُروّج حالياً عن تمويل البطاقة التمويلية والمنصّة التي يعتزم مصرف لبنان إطلاقها من جعبة المودعين، ما يطرح السؤال عن مصير أموال المودعين بعد نحو عام ونصف على احتجازها. 

جباعي: نسبة من الودائع لم تكن موجودة إلّا على الورق حتى ما قبل 17 تشرين الأول 

بلغة الأرقام يتحدّث الخبير الاقتصادي الدكتور محمود جباعي في حديث لموقع "العهد" الإخباري عن أموال المودعين، فيلفت إلى أنّها بلغت في آخر إحصاء حوالى 150 مليار دولار. 120 مليار دولار عبارة عن نقد أجنبي وحوالي 30 مليار دولار ودائع بالليرة اللبنانية أي حوالي 45 ألف مليار ليرة وفقاً لسعر الصرف الرسمي. الإحصاء المذكور لحجم الودائع الموجودة ورقياً كان -وفق جباعي- ما قبل 17 تشرين الأول. يحرص جباعي على استخدام كلمة ورقياً، فالثقة انعدمت لجهة ما إذا كانت هذه الودائع لا تزال فعلاً موجودة أم لا، أي أنّها موجودة دفترياً وبالإسم فقط لدى المصارف ومصرف لبنان وليست موجودة حقيقياً، وذلك بسبب استخدام جزء منها لتمويل خطة الدولة وسياساتها المالية والاقتصادية. الدولة عملت على تمويل نفقاتها وعجزها السنوي وديونها الخارجية باليوروبوند وغيرها.

وبالتّالي، ثمّة نسبة من هذه الودائع لم تكن موجودة حتى ما قبل 17 تشرين الأول إلّا على الورق. هذه الحقيقة أكّدتها الأزمة التي اندلعت وسط سرعة الإنهيار الحاصل في البلد والتفلّت النّقدي والاقتصادي الخطير ما يؤكّد أنّ هذه الأرقام لم تكن حقيقية لأنّها لو كانت كذلك لما شهدنا هذا الإنهيار السريع خلال عام واحد. 

 ما مصير أموال المودعين بعد نحو عام ونصف على احتجازها؟ 

58 إلى 60 مليار دولار من أموال المودعين غير موجودين بالفعل 

ويلفت جباعي إلى تقديرات مهمّة تُشير إلى أنّ نحو 58 إلى 60 مليار دولار من أصل 120 مليار دولار كأموال للمودعين غير موجودين بالفعل. المبلغ المذكور استعمل عندما ديّنت المصارف المصرف المركزي والدولة استدانت من الأخير. وعليه، فإنّ هذا المبلغ صرف إمّا نتيجة هدر وفساد أو تمويل عجز الدولة وديونها الخارجية. وهنا يشير جباعي إلى أنّ المصارف تأثّرت بعد توقّف دخول الرساميل بالدولار عليها، وتوقف النمط الاقتصادي الطبيعي وعدم القدرة على سداد اليوروبوند وقلة ثقة المصارف المراسلة والمودعين بالخارج والمستثمرين بتحويل الأموال إلى المصارف ما أوجد مشكلة بالنقد. 

ما لا يقل عن 18 مليار دولار جرى تحويلهم وتهريبهم إلى الخارج 

ولا يُخفي جباعي مستوى التّعتيم الحاصل على الرقم الحقيقي لحجم الكتلة النقدية بالدولار  في مصرف لبنان والمصارف. مصرف لبنان يقول أنّ لديه مبلغ 17 مليار دولار كاحتياطي إلزامي يُضاف إليه 200 أو 300 مليون دولار سيُكمل بهم الدّعم حالياً بعدما كان يقول أنّ لديه 44 مليار دولار. وفق جباعي، من الواضح أنّ هناك ما لا يقلّ عن 18 مليار دولار جرى تحويلهم وتهريبهم إلى الخارج في فترة عام ونصف. هذا المبلغ هرّب ممّا تبقّى من أموال المودعين لدى مصرف لبنان والمصارف التجارية.

ويؤكّد جباعي أنّه لا يزال لدى المصارف التجارية جزءاً من الأموال بالدولار وأصولا في الخارج وديوناً لها على القطاع الخاص، ولكن كم يبلغ حجم هذه الكتلة؟ يسأل المتحدّث الذي يلفت إلى أن لا أحد يعرف لأنّ هناك تعتيماً مقصوداً على هذا الأمر. ومن هذا المنطلق، نطالب بالتدقيق الجنائي لنعرف كم يتبقى من أموال المودعين وكم يبلغ حجم النقود الموجودة لنبني على الشيء مقتضاه ونتمكّن من وضع حلول للأزمة. وهنا يشدّد جباعي على أنّ التأخّر بإقرار قانون "الكابيتال كونترول" أوصلنا إلى هنا فلو أقرّ منذ بداية الأزمة لما وصلنا إلى الإنهيار السريع الذي شهدناه. 

ثمّة مخاوف كبيرة من استعمال أموال المودعين لتمويل البطاقة التمويلية -يقول جباعي- الذي يُبدي ملاحظاته على هذه البطاقة التي لا تشكّل حلًّا جذرياً. فعلى الطريقة اللبنانية لا نعرف إلى أين ستذهب هذه البطاقة سواء أكان سيستفيد منها المستحق فعلاً، أم أنّ التّعامل معها سيكون وفق النهج الحاصل في البلد حيث توزّع طائفياً ومذهبياً. وهنا يشدّد جباعي على أنّ الدولة اللبنانية يجب أن لا تستخدم أموال المودعين لتمويل البطاقة التمويلية بل عليها البحث عن مصادر أخرى لتمويل البطاقة أو للإستمرار بالدّعم، لافتاً إلى أنّ الدولة كانت تدعم فرق سعر صرف الدولار، إذ لم يكن لدينا سلعاً مدعومة باستثناء الطحين. وعليه، يرى جباعي أنّه لا يحق لأحد أن يقول أنّه تمّ استعمال أموال المودعين للدعم. وفق تقديره، جرى استعمال ما تبقى من موجودات مصرف لبنان بالدولار لتأمين السلع المدعومة على سعر الصرف الرسمي  لعام واحد ذهب فيه ما يقارب الـ5 إلى 6 مليار دولار ما يدفعنا إلى السؤال أين ذهبت باقي الأموال؟. هذا الواقع يؤكّد أنّ ثمّة أموالاً هرّبت إلى الخارج وأخرى مخبأة وأموالاً لم تكن موجودة بالأساس. وبالتالي، فإنّ استعمال أموال المودعين لتمويل البطاقة التمويلية وغيرها هو أمر مرفوض بتاتاً ما يحتّم وقفة سريعة وقرار موحد للمودعين يرفضون فيه هذا القرار. 

سيناريو إعادة الأموال للمودعين

وفي معرض حديثه، يرسم جباعي سيناريو استعادة أموال المودعين، فيشدّد على أنّ السبيل لاسترجاع أموال المودعين يبدأ حتماً بإقرار قانون "الكابيتال كونترول" وإصدار قرار سريع باستعادة الأموال المهرّبة والتحقيق بمصدرها. يجب أن نعرف من هرّب هذه الأموال إلى الخارج وهل أخرجها سياسي أم شخص لديه علاقات سياسية. كلّ هذه الأمور يجب أن يجري التّحقق فيها ويجب أن يكون هناك تحقيقا وتواصلا بين القضاء اللبناني وقضاء الدول التي هربت إليها الأموال لاستعادة جزء منها إلى البلد لتبدأ عملية إعادة أموال المودعين من خلال "كابيتادل كونترول" منظّم و"هيركات" عادل على الجميع بنسبة  10 إلى 20 بالمئة من الودائع بحسب قيمتها ليصبح لدينا توزيع عادل لما تبقى من أموال للمودعين، ومن ثمّ وضع خطة للمصارف التجارية ليستعيد المودعون أموالهم خلال فترة زمنية محدّدة. يضيف جباعي "ربما ستُثار الهواجس لدى البعض من كلمة "هيركات" بينما نحن ندفع "هيركات" بقيمة 75 بالمئة من ودائعنا بالدولار عندما نأخذها من المصرف وفقاً لسعر المنصة 3900".

وفي الختام، يقول جباعي :"لا حلّ لإعادة الأموال للمودعين إلّا من خلال استعادة جزء من الأموال المهرّبة و"هيركات" حقيقي ومنظّم و"كابيتال كونترول" منظّم وخطّة تدريجية لإعادة الأموال إلى المصارف".

مغنية: لا تقدّم ولا حلول والمشكلة ليست اقتصادية

رئيس جمعية المودعين اللبنانيين حسن مغنية يلفت في حديث لموقعنا إلى أنّنا ومنذ ما بعد تشرين الأول ٢٠١٩ نسعى لحصول المودعين على أموالهم، إلّا أنّه وبكل صراحة لا تقدّم في هذا الإطار. المشكلة -برأيه- ليست اقتصادية بقدر ما هي سياسية، فالاقتصاد والمال يرتبطان بشكل كبير جداً بالسياسة وما وصلنا إليه لم يكن سوى نتيجة تصرّفات سياسية لا علاقة لها بانخفاض النمو وغيره. صحيح أنّ أزمة "كورونا" تركت تداعيات على الاقتصاد -يقول مغنية- ولكن المشكلة الكبيرة تكمن في المهاترات السياسية والحكومات المتعاقبة منذ الطائف إلى اليوم. حكومات هدر وفساد غير منتجة أبداً، فيما يسودها صرف كبير يجري من أموال المودعين. وفق مغنية، فكلّ الحكومات هي حكومات تعمل بمقولة الإستمرار بدعم العملة لما فيه خير ومصلحة للإقتصاد الوطني فيما لم يكن هناك لا خير ولا مصلحة للاقتصاد الوطني. كان يتمّ دعم العملة ليبقى سعر صرف الدولار ١٥٠٠ ليرة. هذا الأمر كان ثمنه ١٠ مليار دولار دفعتها الدولة سنوياً من أموال المودعين لأنّ سعر صرف الدولار لم يكن يوماً ١٥٠٠ ليرة بل أكثر بكثير.

ويشدّد مغنية على أنّ لا حلول اقتصادية رغم اجتماعات عديدة عقدناها مع جمعية المصارف ومصرف لبنان. وفق قناعاته، الحل ليس وارداً فبعد ١٧ تشرين الأول كنا نسأل ما الذي حصل؟، وعقب عدّة أشهر بات السؤال ما الحل؟ ولغاية اليوم يغيب الحل وسط غياب التوافق السياسي في البلد. برأي مغنية، نعاني من مشكلة نظام سياسي.

 ما مصير أموال المودعين بعد نحو عام ونصف على احتجازها؟ 

 

المنصّة ليست سوى تضييع للوقت 

ويشدّد مغنية على أنّ المنصة الموعودة ليست سوى تضييع للوقت وإنصاف حلول. برأيه، لن تفلح ولن تغني عن جوع والمصارف عندما تبدأ العمل بالمنصة لن تعطي دولاراً واحداً لا للمودعين ولا لغيرهم. وفق حساباته، لن تعطي سوى التجار الكبار كاستكمال للنهج الحالي بحيث يستفيد من الدّعم نحو 15 تاجراً تابعين لأحزاب وسياسيين. قد يأخذ المصرف من المواطن الدولار وفقاً للمنصة ويعطيه الليرة اللبنانية ولكنه لن يفعل العكس. وهنا يشدّد مغنية على أنّ السوق السوداء لن تتوقّف.

ويلفت مغنية إلى أنّ نسبة من اموال المودعين ذهبت في ثلاث أوجه رئيسية:

-عملية تهريب الأموال التي تمّت إلى خارج لبنان.

-عملية إطفاء الديون التي تمّت من مصرف لبنان عبر المصارف اللبنانية حيث يسحب المودعون المضطرون دولاراتهم وفقاً لسعر المنصة 3900 ليرة.

- سياسة الدعم المتّبعة والتي تُخسرنا يوما بعد يوم. الدولة دفعت 760 مليون دولار للسلة الغذائية لدعم مواد ليست أساسية. وفق مغنية، يتصرّف المعنيون على قاعدة "أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب، ولن يأتي ما في الغيب". برأيه، سيتوقّف الدّعم بالكامل وحتى البطاقة التمويلية ستباع على "الكاش" وسنشهد تجارة البطاقات بعدما شهدنا تهريب المواد المدعومة لنصل إلى جهنّم الحمراء فعلاً، يختم مغنية

جمعية المصارف

إقرأ المزيد في: خاص العهد

خبر عاجل