الربيع الاميركي

آراء وتحليلات

جولة بومبيو واحتمالاتها المختلفة

25/11/2020

جولة بومبيو واحتمالاتها المختلفة

إيهاب شوقي

بعد فضيحة دونالد ترامب المتمثلة في سلوكه تجاه خسارة الانتخابات، واساءته لصنم الديمقراطية الامريكية الذي يقدسه الكثيرون وتستخدمه امريكا في ترويج بضاعتها السياسية بالعالم، تأتي جولة وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو الأخيرة والتي يثار حولها جدل كبير وتكهنات متباينة.

فبينما يراها البعض بمثابة جولة الوداع لحفظ ماء وجه الادارة الخاسرة وتثبيت خياراتها واستعراض انجازاتها قبل الوداع، يرى البعض الآخر أنها إعداد لعدوان وفوضى وتعقيد لملفات الرئيس الجديد قبل تسلمه، كنوع من النكاية والانتقام.

وكلا الاحتمالين له وجاهته ولا يمكن تسفيه أي منهما، حيث الاحتمال الأول، يتسق مع أسلوب ترامب الاستعراضي وانجازاته الوهمية القائمة على تسخير أدواته وأتباعه لأقصى مدى، دون إحداث أي فتح استراتيجي أمام خصومه، فيستعيض عن فشله في الضغط على المقاومة، بالضغط على أتباعه وذيوله لاستنفاذ أقصى درجات التفريط.

ويتسق الاحتمال الثاني مع عدوانية ادارة ترامب وعدم اهتمامه بالقانون الدولي ولا الأعراف، بما فيها الداخلية في أمريكا، ولا يستبعد أن تكون الخيارات الانتحارية على أجندته المليئة بالحماقة والتهور.

بينما هناك احتمال ثالث لم يجد قدرًا كافيًا من الاهتمام، وهو ما نود هنا القاء الضوء عليه باعتباره احتمالًا موجودًا وله وجاهته. وهذا الاحتمال يتعلق بالاستعداد للانتخابات القادمة في العام 2024، وهو احتمال يجمع وجاهة الاحتمالين السابقين، حيث يسوق لادارة ترامب التي تضع بذور فشل وتعثر ادارة بايدن الاولى في الأسابيع الباقية قبل تسلم المنصب، وبين اتخاذ اجراءات عدوانية ضد الخصوم يصعب التراجع عنها الى حين العودة للرئاسة، وفقًا لتصور ترامب.

وهنا يمكننا باختصار عرض الأفكار التالية:

1- تخشى ادارة ترامب من تحول أولويات بايدن في الصراع، لتصبح روسيا هي العدو الأول على حساب الصين، وبالتالي يحدث بعض التساهل مع الصين سواء في الحرب التجارية، أو في التغلغل لمناطق النفوذ الأمريكية وعلى رأسها الكيان الاسرائيلي ودول الخليج، وهو ما يقطع الطريق على عودة ادارة ترامب مرة أخرى عبر خياراتها وعقيدتها السياسية.

وقد خلص تقرير لمعهد بروكنجز أعده ناتان ساكس وكيفن Huggard الى أن "صناع السياسة والخبراء الأمريكيين من مختلف الأطياف السياسية يتوقعون أن الحلفاء في جميع أنحاء العالم قد يضطرون إلى اتخاذ خيارات صارخة وصعبة في المستقبل بين القوتين. لذلك يجب على "إسرائيل" أن تلعب عملية موازنة صعبة: مواصلة العمل لتوسيع تعاونها الدولي، بما في ذلك مع الصين، مع الاعتراف بجدية مخاوف الولايات المتحدة والقيود الحقيقية والمكلفة التي تفرضها هذه المخاوف على التعاون الإسرائيلي الصيني. بالنسبة لـ "إسرائيل"، فإن الحد الأدنى في علاقاتها مع الصين واضح: لا يمكن لبكين أن تحل محل واشنطن."

2- تسعى ادارة ترامب الى الحفاظ على بؤر التوتر مشتعلة دون حسم، لاشغال ادارة بايدن من جهة، ولاشغال خصوم ترامب في محيطهم الحيوي وقطع الطريق على تخفيف الحصار عن الخصوم، وهو ما يفسر قرارات سحب بعض القوات الامريكية من فغانستان دون تسويات، وهو ما يسمح باشتعال الساحة في محيط ايران وروسيا الحيوى وكذلك طريق الحرير الصيني.

ولعل مناورة سحب بعض القوات من العراق تأتي كمقدمة لصحوة داعشية جديدة لافساد التواصل العراقي السوري الايراني.

وفي الأسبوع الماضي، نشر ستة سفراء سابقين للولايات المتحدة رسالة مفتوحة على موقع المجلس الأطلسي على الإنترنت يحذرون فيها من أن الانسحاب الأمريكي في أفغانستان من شأنه أن يقوض مفاوضات السلام الجارية مع طالبان بينما يعرض للخطر الأفغان الذين عملوا جنبًا إلى جنب مع الجيش والحكومة الأمريكية.

ويشير جيمس، أحد مؤلفي الرسالة وكبير الدبلوماسيين الأمريكيين في البلاد من 2012-2014، إلى أن مستويات القوات الأمريكية هناك بالفعل عند أدنى مستوياتها منذ الأيام الأولى للصراع، وأن وجودهم "يدعم قوات الأمن الأفغانية، ووجود شركائنا في التحالف، والآفاق الصعبة للسلام، ومهمة مكافحة الإرهاب التي لا تزال ضرورية" ولا يرى أي سبب منطقي لمزيد من الانسحابات في الأسابيع الأخيرة من إدارة ترامب.

لكن في العراق، تقول كيرستن فونتروز، المسؤولة السابقة للأمن القومي في إدارة ترامب، إن الولايات المتحدة ستحتفظ بالقدرة الكافية لمواصلة الجوانب الرئيسية لمهمتها، بما في ذلك عمليات مكافحة الإرهاب إلى جانب قوات النخبة العراقية. وترى أن الانسحاب جزء من خطة أمريكية يدعمها المشرعون العراقيون لتسليم المزيد من المسؤولية إلى "الناتو".
 
وهو ما يتسق مع أفكار ترامب بتحميل حلفائه مسؤوليتهم ومشاركتهم في الكلفة، وهو بمثابة اسفين في علاقة بايدن بالناتو، حيث هناك بذرة خلاف حول تكاليف التواجد المبنية على توريط امريكا للحلف.

3- زيارة بومبيو لجورجيا هي الاخرى لافتة، حيث لا تخلو من دلالات تتصل بملف الطاقة، فمن المقرر أن يتدفق الغاز الآذري لأوروبا بنهاية عام 2020 أو بداية عام 2021 عبر "ممر الغاز الجنوبي"، الذي سينقل 8 مليارات متر مكعب إلى إيطاليا، ومليار متر مكعب لكل من اليونان وبلغاريا، إلى جانب 6 مليارات متر مكعب إلى تركيا سنوياً.

ورغم أن الإمدادات الآذرية للغاز لن تغطي سوى جانب ضئيل من احتياجات أوروبا، ويمكن تعويضها عبر شحنات الغاز المسال من مُورِّدين آخرين، غير أنها قد تلعب دورًا رمزيًا في كسر هيمنة الغاز الروسي بالأسواق الأوروبية.

ولدى أذربيجان خط أنابيب رئيسي لتصدير الغاز، وهو خط أنابيب جنوب القوقاز بطول 693 كيلومتراً، والذي ينقل الغاز من حقل "شاه دنيز" عبر جورجيا إلى تركيا، فضلاً عن  خط أنابيب النفط "باكو – سوبسا" البالغة طاقته 150 ألف برميل يومياً إلى ساحل البحر الأسود في جورجيا.
وهنا زيارة بومبيو لجورجيا وفرنسا وتركيا، لها علاقة بالصراع في قرة باغ، حيث تعد فرنسا عضوا بمجموعة مينسك المتخصصة بتسوية النزاع، وتركيا طرف رئيسي في تصعيد الصراع، وهناك حاجة امريكية للحفاظ على تدفقات الطاقة بما يؤثر على الحصة الروسية وايضا دعم جورجيا في مواجهة النفوذ الروسي بالقوقاز، وهي لا تشكل نقطة خلافية من حيث المبدأ بين بايدن وترامب، ولكن تختلف الوسائل، الا أن محل الاسفين هنا سيكون تركيا والتي تعمق ادارة ترامب من دورها، في حين توعد بايدن بحصارها!

يسعى ترامب الى توتير الأجواء الأمريكية وتحويل فترة بايدن الى جحيم وفشل، ويستعد ترامب لجولة أخرى من الآن، بل وربما يستعد بومبيو لترشيح نفسه، كما وردت تسريبات من كواليس مراكز الأبحاث الامريكية!

الولايات المتحدة الأميركيةدونالد ترامبمايك بومبيو

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة

خبر عاجل