آراء وتحليلات

الصومال أمام تحديات كبيرة في مواجهة الارهاب

181 قراءة | 09:34

محمد محمود مرتضى
منذ سقوط نظام" سياد بري" عام 1991 والصومال يعاني من الحرب الأهلية بشكل أو بآخر، فهذه الدولة الافريقية لم تنعم الصومال بالاستقرار، كما أن الخلافات العشائرية من جهة وصعود أمراء حرب من جهة اخرى أديا الى إزكاء حرب أهلية أودت بحياة الآلاف، وتشريد مئات الآلاف من الصوماليين؛ ومعها دخلت البلاد في مرحلة "الجميع يقاتل الجميع" طوال فترة التسعينيات من القرن الماضي وبدايات الألفية الثالثة، الى أن استطاع "اتحاد المحاكم الإسلامية" بسط سيطرته على البلاد، ثم جاء التدخل الإثيوبي ـ بدعم أمريكي ـ لدعم الحكومة الانتقالية برئاسة عبدالله يوسف، والقضاء على المحاكم الإسلامية. في هذا اللحظة المفصلية انفصلت "حركة الشباب المجاهدين" عن "اتحاد المحاكم الإسلامية"، حيث ظهرت إلى الوجود كحركة مستقلة، حددت هدفها بداية بالسعي لإخراج القوات الإثيوبية، ثم واصلت بعد ذلك قتالها ضد بعثة الاتحاد الأفريقي "أميصوم" لحفظ السلام في البلاد.

وقد صاحب كل ذلك  انهيارا عاما في مؤسسات الدولة واقتصادها؛ وسرعان ما قامت "حركة الشباب المجاهدين" بتوجيه أسلحتها ضد الشعب الصومالي، محاولة فرض مفهومها المتشدد من الإسلام على الشعب الصومالي، فضلا عن سعيها إلى تطبيق الشريعة بالقوة، وفي الطريق الى ذلك ارتكبت مئات المجازر ضد الشعب والشرطة والجيش الصومالي.
تنتمي "حركة الشباب المجاهدين" فكرياً الى تنظيم "القاعدة" وهي لم تتأخر عن اعلان انضمامها اليه رسمياً في التاسع من شهر شباط/ فبراير من العام 2012 عبر تسجيل فيديو لزعيم "حركة الشباب المجاهدين" آنذاك "مختار أبو الزبير" (لقي حتفه لاحقا إثر غارة أمريكي) أعلن فيها مبايعته للظواهري. ومع بروز تنظيم "داعش"، والصارع الذي احتدم بينه وبين القاعدة على النفوذ والاستقطاب، انشقت مجموعة تحت قيادة "عبدالقادر مؤمن"، وأعلنت مبايعتها لـزعيم تنظيم داعش "أبوبكر البغدادي" عام 2015.

وكما حصل سابقا في مناطق عدة، فان غالبا ما كان يؤدي التدخل الاميركي الى ظهور حركات ارهابية، او تعويمها، والصومال لم تشذ عن هذه القاعدة، فان التنظيمات التكفيرية قد تعززت بشكل ملحوظ في الصومال اثر التدخل الاميركي فيها فيما عرف بعملية "استعادة الامل" في الفترة الواقعة بين أعوام (1992 ـ 1994).

ومنذ وصول "محمد عبدالله فرماجو" إلى سدة الحكم في الصومال في الثامن من شهر شباط/ فبراير 2017، والحكومة الصومالية تسعى إلى منح الأولوية الكبرى لمواجهة "حركة شباب المجاهدين" وذلك بهدف العمل على وتفكيكها وعزلها، لا سيما بعد تصاعد نشاطها بشكل كبير في الفترة الأخيرة مع تصاعد عمليات الاخيرة خاصة في العاصمة مقديشو. ورغم ما تقوم به الحكومة من نشاط ضد الحركة، الا أن عمليات الحركة أشارت بشكل أو بآخر الى أنها لاتزال لاعبًا رئيسيًّا على الأراضي الصومالية، وأن ما يجري على الساحة الصومالية لا فصله عن ما يجري من تطورات في المنطقة بشكل عام، لاسيما بعد هزيمة تنظيم داعش في كل من العراق وسوريا.

ورغم زعم الحكومة الصومالية أنها تواصل استراتيجيتها في مكافحة الإرهاب، فان الاليات والوسائل المعتمدة في ذلك لا تبدو كافية، خاصة انها ارتكزت بشكل اساس على
المواجهات العسكرية والملاحقات الأمنية ضد حركة الشباب المجاهدين معتمدة على بعثة الاتحاد الأفريقي "أميصوم"، والقوات الوطنية الحكومية، من جهة، وعلى الغارات الأمريكية المنتقاة المعتمدة بشكل رئيسي على قاعدة "بيلدوغول الجوية" جنوب الصومال، مع تقديم ما تسميه بالمشورة العسكرية والمعلومات الاستخباراتية، اضافة الى استهداف القادة البارزين عبر ضربات جوية نجحت في احداها بقتل «مختار أبو الزبير» زعيم حركة شباب المجاهدين في 2015، فضلا عن تدريب القوات الصومالية على الوسائل القتالية.

ان مراجعة بسيطة لتاريخ "محاربة" واشنطن للإرهاب، تدفع بما لا يمكن الشك فيه، الى ان هذه الحرب غالبا ما تؤدي الى امرين منفردين أو مجتمعين:

الاول: تشظي الارهاب خارج الحدود، ما يعني تحوله من خطر محلي الى خطر اقليمي.

الثاني: ان العمليات الاميركية الامنية والعسكرية مدروسة بشكل تؤدي الى المزيد من عمليات السيطرة والتوجيه على الجماعات الارهابية لا الى تحجيمها واضعافها فضلا عن الاجهاز عليها.

من هنا، فانه ينبغي على الحكومة الصومالية اذا ما أرادت بالفعل التخفيف من "مخاطر حركة الشباب المجاهدين" ان تعمد الى تغيير استراتيجيتها المرتكزة على واشنطن والسعي للتخفيف من تدخلاتها بدعوى محاربة الارهاب، مع التركيز على بناء استراتيجية جمع بين عنصرين اساسيين:

الاول: العنصر المحلي، وهو ما يعني العمل على بناء تركيبة قبلية عشائرية داعمة للعمل الحكومي العسكري يشبه بشكل كبير الحشد الشعبي في العراقي.

الثاني: العنصر الاقليمي، ونعني به التعاون الوثيق مع بعض الدول الافريقية التي تمتلك هامشا مقبولا بعيد عن النفوذ الاميركي، وتعتبر ان انتشار الجماعات الارهابية تمثل عناصر مقلقة لأمنها الوطني والقومي.

ومن دون هذا النوع من الاستراتيجية، فان الصومال ستكون أمام انهيارات امنية كبيرة لن يكون اقلها فوضى أمنية عارمة في العاصمة تمهّد لتحقيق "الشباب المجاهدين" لاختراقات كبيرة في الصومال.