سليماني

آراء وتحليلات

تعميم مصرف لبنان: اعتراف ناقص

06/12/2019

تعميم مصرف لبنان: اعتراف ناقص

يوسف الريس

يزداد الوضع المالي والنقدي في لبنان تأزمًا، كما لا تزال السلطة النقدية والمالية تائهة في التعامل مع الأزمة. وفي محاولة من مصرف لبنان المركزي للتعاطي مع الأزمة، أصدر تعميمًا جديدًا يوضح فيه أنه سيتجه نحو دفع 50% من الفائدة على الودائع بالدولار المودعة لديه من قبل المصارف بالليرة اللبنانية و50% من الفائدة بالدولار. كما أشار التعميم إلى أن المصرف سيعمد إلى دفع الفائدة على شهادات الايداع بالدولار الأميركي المصدرة منه التي تملكها المصارف العاملة في لبنان بنسبة 50% بالليرة اللبنانية و50% بالدولار. كذلك تضمن التعميم وضع قيد على المصارف اللبنانية بحدّ أقصى لمعدل الفائدة الدائنة التي تتلقاها أو تقوم بتجديدها لتصبح 5% على الودائع بالعملات الأجنبية و8.5% على الودائع بالليرة اللبنانية.

ما ينطوي عليه هذا التعميم من استرجاع للامتيازات التي استحصلت عليها المصارف اللبنانية جرّاء الهندسات المالية يمثل اعترافًا صريحًا لمصرف لبنان بالأزمة النقدية في لبنان وعدم تلاقي عمل المصارف مع المصلحة الوطنية لحلّ الأزمة. فبعد أن طلب حاكم مصرف لبنان بحسب التسريبات رفع نسبة الأصول للمصارف بنسبة 20% وبالتالي تحمّل المساهمين بهذه المصارف لجزء من الأزمة التي كان لهم دور فيها وتراكم ثرواتهم على حساب اللبنانيين، إلا أن طلب الحاكم قوبل بالرفض. وبالتالي توجه إلى هذا الخيار من دفع نصف الفوائد بالليرة اللبنانية.

في الواقع، إن تعامل المصارف مع الأزمة ومحاولتها تحميل الشعب كامل الاضرار من خلال سياسة "الكابيتال كونترول" التي انتهجته دون قرار من المصرف المركزي ينعكس سلبا على الأسواق، بحيث بات المواطنون يستحصلون على أجورهم بالتقسيط. أما أولئك الذين يتحملون خسارة جزء من أموالهم تقدّر ب30% من قيمتها جرّاء إجبارهم على أخذ أموالهم بالليرة بدل الدولار في ظل سعر الصرف يقارب ال2100 ليرة مقابل الدولار الواحد  فهم الضحية الأكبر.

يحمل تعميم الحاكم تحميلًا للمسؤولية للمصارف، وإن كان المطلوب هو "كابيتال كونترول" حقيقي ومنظم من قبل المصرف المركزي يحمي فيه أصحاب الودائع الصغيرة ويوزّع المسؤولية والخسائر بطريقة عادلة. فتخطي صلاحيات المصرف المركزي من قبل جمعية المصارف ترجم سلبا على الطبقة المتوسطة والفقيرة كما ترجم سلبا على الشركات الصغيرة والمتوسطة وعلى موظفيها.

يبتعد المصرف المركزي عن تبني "الكابيتال كونترل" اعتبارا منه أنها الخطوة الأخيرة. إلا أن التوقيت الصحيح لهكذا خطوة قد يمتص الكثير من أخطاء وضغوطات وفقدان الثقة، خاصة وأن المصارف باتت تنفذها منفردة بقرار من نفسها ووفقاً لاستنسابيتها.

وبالنظر إلى الودائع فهناك 2892484 شخصاً يملكون ودائع في المصارف اللبنانية تشكل كتلة نقدية بقيمة 164586 مليون دولار وموزعة على الشكل التالي:

• 91.98% منهم لديهم أقل من 100 ألف دولار وتقدّر الكتلة النقدية لهذه الفئة ب 23479 مليون دولار بنسبة 14% من الكتلة النقدية.
• 8% من الأشخاص لديهم أكثر من 100 ألف دولار ويستحوذون على %78.16 من الكتلة النقدية والتي يقدّر نصيبهم منها ب128621 مليون دولار.
• 69 شخصاً لديهم ما بين 50 مليون وال100 مليون دولار ويستحوذون على 2.75% من الكتلة النقدية والتي يقدّرنصيبهم منها ب4537 مليون دولار.
• 34 شخصاً لديهم فوق ال100 مليون دولار ويستحوذون على 4.83% من الكتلة النقدية والتي يقدّر نصيبهم منها ب7949 مليون دولار.

إن هذا الطرح للودائع يظهر كيفية إقامة توزيع عادل وفعّال لـ"الكابيتال كونترول". فـ 90% من المودعين يجب أن لا تطالهم "الكابيتال كونترول"، وإن طالتهم فبمعدلات منخفضة. إلا أن هذا الأداء من المصارف والمصرف المركزي الذي هدفه حماية كبار المودعين يهدّم ما تبقى من اقتصاد حقيقي وثقة بالقطاع المصرفي ككل.

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات