Al Ahed News

فيلتمان يصدر أمر اليوم: تهديد الحكومة وتخويف القيادات العسكرية والأمنية بمحكمة أوكامبو الدولية

خاص العهد



حسين حمية
بدأت الخطة (جيم) لإسقاط سوريا أو تدجينها، لأن دمشق لم تسقط بالخطة (أ) على غرار السيناريو التونسي، والقيادة السورية ردّت على سلمية الاحتجاجات باستجابة سريعة للمطالب، فوضعت خارطة طريق للإصلاحات، كانت صدقيتها في أن قسماً من هذه الإصلاحات وضع على سكة التنفيذ (قوانين الأحزاب والإعلام والانتخابات ولاحقا لجنة التعديلات الدستورية). كما لم تسقط دمشق بالخطة (ب) وهي خليط يجمع عسكرة الأعمال الاحتجاجية مع محاولات لإغواء قيادات في الجيش سلوك النموذج المصري باسم حماية التظاهرات السلمية، إضافة إلى إحداث اختراقات في الجسم الديبلوماسي والبعثات والسفارات في الخارج، لكن كل ذلك فشل، رغم استدراك المحور الغربي (واشنطن، باريس ولندن) ووكلائه في أنقرة والدوحة والرياض، لعقبة اصطناع إطار يظهر وحدة المعارضة السورية عبر اجتماع اسطنبول.
الناتو والوقت الضيق
تأخرت الخطة (جيم)، وهي تعني تصنيع الأعذار المطلوبة لحلول الناتو مكان الاحتجاجات "الشعبية" في سوريا التي استنزف تضخيمها صدقية كبريات وسائل الإعلام في العالم، وتأخير الخطة المذكورة يعود إلى الفيتو المزدوج ( الصيني ـ الروسي) في 5 تشرين الأول/ أوكتوبر على المشروع الأميركي ـ الأوروبي ضد سوريا، وهذا الفيتو جعل المتضررين منه يطلبون من الجامعة "العربية" فبركة السيناريو المناسب لهدر الدم السوري وإطلاق يد الناتو والعقوبات الدولية لتستبيح أرواح وأرزاق السوريين.
الإيجابية في قبول سوريا بخطة التفاهم مع اللجنة الوزارية "العربية" لم تكن في كسب الوقت كما توهم البعض عن تضليل أو عن جهل. المحور المتربص بدمشق هو المحاصر بضيق الوقت، عندما يرى آلته الداخلية لتأزيم الأوضاع في سوريا تراجعت طاقتها التشغيلية وتكاد تتوقف بعد أن نجحت قيادة دمشق بمبادراتها الأمنية والسياسية في فكفكتها وسحب أجزاء كبيرة منها خارج الخدمة.
أي إعلامي مبتدئ (لا ضرورة لأفكار عزمي بشارة وكلفتها المالية الخرافية) يعرف ما هي السردية الإعلامية التي ستعتمد لتحميل سوريا مسؤولية فشل المبادرة "العربية" (هذان المزدوجان ضرورة متواضعة كي لا نتنكر لدماء خمسين ألف ليبي صاروا نسيا منسيا بقذائف وصواريخ الناتو)، ويعرف (أي الإعلامي المبتدئ)، ما يجب أن تحمله هذه السردية من مسوّغات تتوسل وتستجدي الناتو والدول الغربية لإهراق دماء الشعوب العربية والمسلمة.
بأي حال، انطلاق الخطة (جيم) لم ينتظر الشطارة الإعلامية لـ "الجزيرة" و العربية" و"أخبار المستقبل"، وعلى ما تنقل مصادر موثوقة، أن مساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان هو من استدعى على عجل هشام ملحم وأعطاه ورقة الأسئلة وطلب منه إجراء مقابلة معه على محطة "العربية". وفي المقابلة المذكورة تحدث فيلتمان في 4 محاور اشتملت على الرسائل التالية، نعي المبادرة العربية (لا متسع لإهدار الوقت)، التأكيد على الاستمرار في الصفقة التي عقدت بين واشنطن وقوى إسلامية لجهة تمكينها من الحكم، وتهديد رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي ليس من أجل تمويل المحكمة إنما من أجل عقوبات مزمع فرضها على سوريا كما سنرى فيما بعد، وتهديد رئيس المجلس العسكري المصري محمد حسين طنطاوي في لعبة شد الحبال بينه وبين الإسلاميين، بإثارة حالة الطوارئ المفروضة في مصر منذ 33 عاما (تنبهت لها واشنطن اليوم) بعد تصريح وزير الخارجية المصري محمد كامل عمرو بأن سوريا تطبق بنود المبادرة "العربية".
الخطة (جيم)، باتت معروفة، وسبق الحديث عنها، وقد جرى تناولها من قبل مراكز الأبحاث الموالية للوبي اليهودي والمحافظين الجدد، وهي تقضي بإقامة ما يسمى 3 "مناطق آمنة" بقوة الناتو على الحدود السورية مع تركيا والاردن (الرمثا) ولبنان (القصير ونواحي في عكار)، حيث يجري فيها تجميع المسلحين المناوئين للحكومة السورية، على أن يتوسع نشاط الناتو فيما بعد إلى الداخل السوري نفسه في حال نجح مسلحو المعارضة في القبض على مساحة جغرافية واسعة نسبيا صالحة لإيجاد ذريعة له للتحرش بالجيش العربي السوري.
إلى هذا، تقضي الخطة المذكورة توفير بيئة سياسية وأمنية مناسبة لتحرك المعارضة السورية في مختلف الأراضي اللبنانية والأردنية في حين أن وجود مثل هذه البيئة متوافر في تركيا.
مصادر في 14 آذار بدأت تشيع منذ الآن أن التغييرات الأخيرة في الاردن لجهة مجيء عون الخصاونة إلى رئاسة الوزراء واللواء فيصل الشوبكي إلى مديرية المخابرات، هي ترجمة للخطة "جيم"، لكن ما يخفف من صدقية هذه الإشاعة (التي يطلقها طرف مغرض) المخاوف الأردنية الحقيقية من العراقيل المتعمدة التي تضعها الإدارة الأميركية أمام قيام الدولة الفلسطينية المستقلة ولو بالشروط الإسرائيلية، وبالتالي تعزيز نظرية نتنياهو عن الوطن البديل.
في تركيا، لا تخفى حماسة القيادة السياسية في أنقرة لإقامة منطقة تنتشر فيها عناصر مسلحة لشن هجمات على الداخل السوري، لكن هذه الحماسة ما زالت تصطدم بتحفظات القيادة العسكرية التي تأخذ على محمل الجد سيناريو الزلزال الذي حذر منه الرئيس بشار الأسد في حال تمادى الغرب باللعب بالاستقرار السوري.
14 آذار: استجابة سريعة وحماسية
وحدهم جماعة 14 آذار من التقطوا إشارة فيلتمان من دون أي تحفظ أو التفات إلى الانعكاسات الداخلية الخطيرة للخطة (جيم) على لبنان، وأكثر من هذا، قد أصيبوا بالإحباط لتأخيرها، علما أنهم تصرفوا منذ اندلاع الاضطرابات في سوريا على اساس ها السيناريو الدموي والفوضوي.
ففي الفترة القريبة (منذ عشرة أيام)، رُصدت اتصالات مكثفة بين سفارات غربية ومنظمات دولية مسوّقة للدعاية الغربية وبين شخصيات شمالية من تيار المستقبل وجمعيات ومنظمات أهلية ومدنية تدور في فلك هذا التيار بغرض تحريضها على إثارة قضايا إنسانية وحقوقية لها صلة بما يدور في سوريا، وبالتالي إيجاد مبررات للدول الغربية كي تضغط على الحكومة اللبنانية لإرغامها على إقامة مخيمات للمعارضة السورية على الحدود الشمالية تحت ذريعة حقوق الإنسان وحماية اللاجئين، وعلى أن يتم استخدام هذه المخيمات باتجاهين، الأول عسكري (تسليح وتدريب وتهريب أسلحة للداخل السوري)، والثاني إعلامي، عبر تحويل المخيمات نفسها إلى استديوهات إعلامية تستقدم الفضائيات الغربية لفبركة مأساة إنسانية تدين سوريا وتحاصر حلفاءها الدوليين (روسيا والصين وسائر دول البريكس وإيران) واتهامهم بتغطية هذه المأساة بالفيتو أو بالتشويش على "شهامة" الناتو.
اجتماع عكار الذي ترأسه النائب خالد الضاهر أول من أمس يأتي في هذا السياق وجاء بناءً لطلب منظمات دولية مشبوهة هدفها فتح محاضر اتهام للحكومة اللبنانية في انتهاك حقوق الإنسان والحريات الإعلامية والتضييق على الحريات السياسية، لوضع لبنان في مرمى عقوبات اقتصادية قاسية تستخدم لخنق سوريا اقتصاديا وقطع الطريق عليها من استخدام السوق اللبنانية للتنفيس من حدّة العقوبات الغربية عليها والآخذة في التصاعد.
من هذه الزاوية أيضا، يمكن قراءة رسالة برهان غليون أمس إلى الرئيس نجيب ميقاتي، والتي يحمّله فيها مسؤولية اختفاء معارضين سوريين في لبنان، ومن المتوقع أن يُستخدم كلام 14 آذار عن التضييق المزعوم على المعارضين السوريين في لبنان، بالإضافة إلى رسالة غليون، مستندا رسميا بيد السفراء والقناصل الغربيين يبيح لهم ممارسة الضغوط على الحكومة اللبنانية، وخصوصا أن مساعد وزير الخزانة الأميركية سيصل إلى بيروت في مهمة واضحة، هي إشراك لبنان في خنق الاقتصاد السوري.
لا تكتفي الخطة (جيم) بتحويل لبنان حاضنة سياسية لمجموعات سورية تجاهر علنا (خلافا للقوانين والاتفاقات اللبنانية) باستخدام الساحة اللبنانية للتآمر على سوريا، إنما تلحظ مطالبة السلطات اللبنانية بتوفير التغطية المطلوبة للتحركات الأمنية والعسكرية التي تنوي هذه المجموعات القيام بها باتجاه الداخل السوري.
وكون قيادة الجيش اللبناني ومعها المديرية العامة للأمن العام، يبديان حزما في تطبيق القوانين اللبنانية واحترام الاتفاقات المعقودة بين الحكومتين اللبنانية والسورية، والتي تحظر استخدام الأراضي اللبنانية ممرا أو مقرا لأي إضرار أو أذى يلحق بالاستقرار السوري، عمدت الدول الغربية إلى ترهيب قيادات هاتين المؤسستين، وقد نقل مصدر سياسي موثوق عن ديبلوماسي فرنسي بأن الأخير أبلغه أن سفراء غربيين طالبوا هذه القيادات بغض الطرف عن التحركات الأمنية والعسكرية للمعارضة السورية في لبنان إن لجهة شراء السلاح وتهريبه أو لجهة التجنيد والتدريب، وذلك تحت طائلة إحالة القيادات المذكورة على المحكمة الجنائية الدولية وفقا لاتهامات سيفبركها المدعي العام في هذه المحكمة مورينو أوكامبو.
بعد هذا، هناك أمر لم تستدركه الخطة (جيم)، وهو في بداية السيناريو الليبي، الكل يذكر مانشيتات صحف تستصرخ المجتمع الدولي على طريقة وا معتصماه، فكتبت "وا ناتواه وا غرباه"، لكن في السيناريو السوري سيرى السوريون دماء أشقائهم الليبيين على ايدي الناتو، فلن يكفي نفط العرب كله باحتياطاته المخزونة لغسل هذه الدماء عن هذه الأيدي المجرمة.
جفري فيلتمان سوريا حسين حمية
إدارة الموقع ليست مسؤولة عن محتوى التعليقات الواردة و لا تعبر عن وجهة نظرها
تعليقات القراء