آراء وتحليلات

تركيا الحائرة بين طرفي كماشة: أميركا وروسيا

19/08/2019

تركيا الحائرة بين طرفي كماشة: أميركا وروسيا

سركيس أبوزيد

تقوم تركيا مؤخرًا بحركة سياسية ودبلوماسية ناشطة تترافق مع تحركات عسكرية على الأرض، وكل ذلك بھدف إحياء مشروع إقامة منطقة آمنة شمال سوريا، متجاوزة وضع إدلب وساعية الى ربط مستقبل إدلب بمستقبل شرق الفرات والمنطقة الأمنية الجديدة.

وترغب تركيا في السيطرة على المنطقة الآمنة "المحتملة" في شرق الفرات وإخلائھا، من وحدات حماية الشعب الكردية، التي كانت ولا تزال، حليفًا موثوقًا لواشنطن في الحرب على تنظيم "داعش"، بينما ترغب الولايات المتحدة في أن تتواجد قوات من دول التحالف الدولي للحرب على "داعش"، في المنطقة الآمنة، وتقديم ضمانات بحماية حلفائھا الأكراد.

ومؤخرًا، اعترضت الولايات المتحدة على العملية العسكرية التي ھددت ولوّحت بھا تركيا في شرق الفرات، لكنھا وافقت على المنطقة الآمنة التي تطالب بھا تركيا منذ سنوات. واتفق الجانبان التركي والأميركي خلال المباحثات العسكرية التي أجريت على مدى 3 أيام في أنقرة، على إنشاء مركز عمليات مشترك في أنقرة، في أقرب وقت ممكن، لإنشاء وتنسيق وإدارة منطقة أمنية في شمال سوريا. كما تم الإتفاق على جعل المنطقة الأمنية "ممر سلام"، واتخاذ كل التدابير الإضافية لضمان عودة السوريين إلى بلادھم.

المفاوضات بين الأميركيين والأتراك حول الوضع في الشمال السوري، راقبتھا موسكو بدقة، وأعلنت أكثر من مرة عن قلق بشأنھا، فالمشكلة الروسية مع أنقرة في ھذه المنطقة تكمن في نقطتين:

أولاھما: أن موسكو تعارض سيطرة تركية مطلقة بمعنى أنھا قد توافق في مرحلة ما على وجود تركي أنشط، وتسيير دوريات مشتركة أخرى أو وضع آليات مشتركة لمراقبة المنطقة.

والنقطة الثانية أن موسكو ترى ضرورة قيام تنسيق من نوع ما مع السلطات السورية بشكل مباشر أو عبر قنوات.

ويرى خبراء روس في الشأن التركي أن أردوغان ما زال لا يفضل سيناريو فتح الإتصالات مع دمشق، لأنه لا يريد المغامرة بوضع مسألة الوجود التركي في سوريا على أجندة البحث مع دمشق، كما أنه يرغب في تعزيز أوراقه التفاوضية قبل انطلاق قطار التسوية.

محلل سياسي خبير في الشؤون الكردية والتركية يرى أن إتفاقية المنطقة الآمنة مھمة جدا في ھذه اللحظة من الكباشات الإقليمية والثنائية بين أنقرة وواشنطن:

- فھي تحقيق لحلم تركي عمره من عمر الأزمة في سوريا.  

- الإتفاق خطوة متقدمة على طريق تطبيع العلاقات التركية -  الأميركية. كذلك فإن توقيتھا مھم لرأب الصدع، ولا سيما بعد صفقة صواريخ "إس 400".

- الإتفاق يقوّي موقع تركيا في الأزمة السورية، ويضع بيدھا ورقة ضغط مھمة على حلفائھا الروس والإيرانيين، ويوسّع ھامش المناورة أمامھا.
 
- وفي اتصال بالموقف الكردي، سيكون الإتفاق، حال تطبيقه، ضربة قوية لمشروع الإدارة الذاتية في منطقة "روج آفا" من كل النواحي الجغرافية والاجتماعية والسياسية، التي من أجلھا كانت تفشل المحادثات بين الأكراد والدولة السورية. فالكلام في الإتفاق عن عودة اللاجئين السوريين إلى المنطقة الآمنة، إستھداف مباشر لديموغرافية المنطقة من جانب تركيا، لمصلحة فئات من أصول تركمانية أو عربية موالية لھا على حساب الوجود الكردي ذي الغالبية في بعض أجزاء المنطقة الآمنة.

وهنا يبرز تساؤل عن طبيعة وانعكاسات الإتفاق التركي - الأميركي على مسار أستانة والعلاقة الروسية -  التركية؟

التحالف التركي - الأميركي نشأ في الأصل بناء على مخاوف مشتركة من التوسع السوفياتي بعد نھاية الحرب العالمية الثانية. لكن خلال العقود الثلاثة التي تلت نھاية الحرب الباردة، وجدت الولايات المتحدة وتركيا صعوبة في تحديد مصالحھما المشتركة. وتسارع ھذا الخلاف التدريجي بعدما غزا الأميركيون العراق في العام 2003 وأطاحوا بالرئيس صدام حسين، فنشأ فراغ في السلطة وملأته حكومة كردستان. عمد المسؤولون الأكراد، بدعم من الولايات المتحدة، الى ترسيخ إستقلال مؤسساتھم الحاكمة، ما أثار حفيظة النخب التركية المسؤولة عن الأمن القومي كونھا تعتبر القومية الكردية خطرا على وجودھا.

ومع إندلاع الحرب في سوريا، سعت أنقرة الى تھميش الأكراد السوريين الذين سيطروا في بداية العام 2012، على المناطق الحدودية. كما حاولت تركيا في البداية ضم المقاتلين السوريين الأكراد الى الجھود المناھضة للرئيس الأسد والمدعومة من تركيا، فقد أرادت أنقرة منع نشوء دولة أولية يحكمھا الأكراد وتخضع لنفوذ "حزب العمال الكردستاني". وخلال فترة معينة، لم تدخل أنقرة في صدام مباشر مع واشنطن بسبب تلك الجھود، لكن في نھاية المطاف، فشلت تركيا في التلاعب بالقوة العسكرية الأميركية لمصلحتھا الخاصة، وسرعان ما أدى تجاھلھا للجماعات الجھادية المتمردة في شمال سوريا الى بدء صدامھا مع واشنطن.

وفي ظل تباعد المصالح الأميركية - التركية في سوريا، بدأت أنقرة تعيد تقييم موقفھا التقليدي من واشنطن في مسائل أخرى متعلقة بالأمن القومي أيضا. وأدى الدعم الأميركي للميليشيات الكردية في سوريا الى ترسيخ تلك النظرة في أنقرة، ما دفع تركيا الى أحضان روسيا. فقد أدركت أنقرة أنھا مضطرة للتعاون مع موسكو للسيطرة على تدفق اللاجئين من مناطق الصراع، فعمدت الى إغلاق الحدود وبناء مخيمات داخل سوريا لاستقبال اللاجئين. في الوقت نفسه، أصبحت روسيا أھم شريكة عسكرية موثوق بھا لتركيا، فسمحت لھا باستئناف عملياتھا القتالية المحدودة في المناطق الحدودية لمتابعة الضغط على الأكراد من دون تھديد حكم الرئيس الأسد.

ورغم وجود إختلافات بينھما حول مجمل القضايا تقريبا، فإن أنقرة وموسكو تمكنتا من إدارة خلافاتھما، وطورتا ديناميكية نمت لاحقا، بعدما قدم أردوغان تنازلات كبيرة لروسيا لضمان دعمھا بعد محاولة الإنقلاب الفاشلة في 15 تموز 2016، لتصاب الحياة السياسية التركية بعدھا بأضرار كبيرة، واعتبرت تلك المسيرة التراجعية لتركيا، بأنھا قد تكون سببا رئيسيا أمام احتمال خروجھا ليس فقط من حلف "الناتو"، بل ومن دائرة العلاقات الخاصة التي تجمع واشنطن بأنقرة التي تعتبر روسيا أفضل وسيلة يمكن أن تستعملھا تركيا للتأثير على أي إتفاق سلام محتمل، أو حتى الدستور السوري الجديد، علمًا أن ھذين العاملين يسمحان لأنقرة بكبح طموحات الأكراد المتعلقة بالحكم الذاتي في شمال شرقي البلاد. فكل هذا مھّد لنشوء علاقة تكافلية بين روسيا وتركيا، حيث يحتاج كل طرف الى الآخر لحل الصراع، فتفاقم الأوضاع القائمة في سوريا جعل تركيا تتجاوز خلافاتھا مع روسيا، في ظل تلاشي روابطھا مع الولايات المتحدة بدرجة متزايدة.

في الختام هل ستنجح تركيا بادارة تحالفاتها المتناقضة، أم ستبقى في حيرة بين خيارات متضارة؟ نتائج العمليات العسكرية في الميدان سوف تحسم الاتجاه.

 

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات