sheikalidamoush

آراء وتحليلات

أزمة ترامب وعقدة الاتفاقيات الدولية

19/08/2019

أزمة ترامب وعقدة الاتفاقيات الدولية

عبير بسام
ملفت حجم الانسحابات التي قام بها دونالد ترامب من الاتفاقيات الدولية التي عقدت في عهد سلفه باراك أوباما. وقد ينظر البعض إلى أنها نكايات شخصية ما بينه وما بين إنجازات أوباما، الأمريكي الأفريقي الأول الذي يصل إلى سدة الرئاسة الأميركية. وقد يعود ذلك إلى الصراع الأزلي ما بين الجمهوريين والديمقراطيين، ولكن في حقيقة الأمر فإن ما يقوم به ترامب لا يقرأ إلا من باب الصراع على السلطة الاقتصادية الأحادية للولايات المتحدة على باقي دول العالم.

مكنت السياسة الاقتصادية التي اتبعها اوباما من استنهاض الاقتصاد الأميركي جزئياً وخفضت نسبة البطالة من 10% في العام 2009 إلى 5% في 2017. ولكن سياسة أوباما لم تستطع ردم الفجوة التي أصابت الطبقة المتوسطة. والأهم من ذلك، فإن سياسة أوباما خفضت الدخل لدى أبناء هذه الطبقة والذين أغلبيتهم من الأنغلوساكسون المشيخيين الذين ينتمي إليهم الأعضاء الجمهوريون في الكونغرس الأميركي. ويرى هؤلاء أن سياسة أوباما الاقتصادية والعلاقات التجارية، التي أقامها ما وراء المحيط الأطلسي، كانت السبب الأساس في تراجع نمو معدل هذه الطبقة إلى ما كانت عليه قبل الانهيار الاقتصادي في زمن بوش الابن، وبالتالي إلى التراجع في سوق العقارات، أي في سوق ترامب.

قد يبدو الأمر وكأن أمريكا في عهد ترامب تميل نحو سياسة الحرب الباردة، التي عاشتها مع المعسكر الشرقي أكثر من ثلاثين عاماً. هذه السياسة التي أدت إلى الانهيار الاقتصادي للاتحاد السوفيتي والمنظومة الشرقية، بسبب حالة الانعزال السياسي والاقتصادي ما بين منظومتي المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي. وهذه السياسة اليوم لا يمكنها أن تؤتي أُكلها، لأن تقسيم العالم لم يعد بالبساطة التي عهدناها ما قبل انهيار جدار برلين في العام 1989. اذ يعتقد ترامب أنه بخروجه من الاتفاقيات الدولية سيتسبب في انهيار العالم اقتصادياً، خاصة وأن العالم يعتمد على الدولار في المبادلات التجارية وفي تجارة العملات وبذا يمكنه إعادة أمريكا لتعتلي قمة العالم مجدداً، بينما تهرول باقي الدول نحوها من أجل كسب ودها. ويبدو أنه عاجز عن قراءة التغيير في التحالفات والمعاهدات الدولية في القرن الحادي والعشرين، وأن التقنيات الحديثة لم تبق حكراً على دولة دون أخرى؛ والدليل على ذلك هو حجم الدعاوى المقدمة من "أبل" ضد "سامسونج"، والتي تدفع بسببها "سامسونج" في كل مرة ملايين الدولارات كتعويض، ولم يمنع ذلك الأخيرة من الاستمرار بسياساتها في تطوير تقنياتها.

صحيح أن منظمة التجارة العالمية أسست في العام 1995، غير أن المنظمة وقّعت بين الدول الأعضاء اتفاق تيسير التجارة العالمية في العام 2013. وهذا الاتفاق يضمن حرية التجارة وتبادل السلع بحسب مصلحة كل دولة من الدول المشاركة. وتشير الإحصائيات إلى أن دول الاتحاد الأوروبي وبخاصة ألمانيا تحقق أرباحاً تجارية تصل إلى 250 مليار دولار سنوياً، بينما بلغت خسائر الولايات المتحدة 500 مليار دولار سنوياً. هذا إضافة للأرباح المتزايدة التي تحققها الصين. ويرى ترامب في ذلك سحباً للبساط من تحت قدمي أمريكا العظيمة، وبناء عليه جاء تصريحه الأخير بالتهديد بالانسحاب من المنظمة إن لم تعدل قوانينها.
 
ببساطة لم تعد البضاعة الأمريكية هي الأولى عالمياً، وبات المستهلك حول العالم يفضل أي منتج بديل لا يدفع فيه ثمناً باهظاً لليد العاملة الأميركية والأوروبية. وفي كل يوم يزداد عدد المصانع المغلقة في الولايات المتحدة وبالتالي يزداد معدل البطالة، وخاصة ما بين الأميركيين البيض، الذين اعتادوا قبض الرواتب العالية، وهم الذين يمثلون الناخب الأميركي، الذي يعتمد عليه ترامب في نجاحه في الانتخابات المقبلة.
 
الانسحابات الأميركية المتتالية من الاتفاقيات التجارية الدولية باتت مقلقة، وتطرح أسئلة حول ما لذي تبغيه أمريكا من الخروج المتتالي منها. فهذا الخروج الأحادي يضعف الثقة بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على تعهداتها واتفاقاتها الدولية، وقدرتها على ضبط النفس والكف عن التصرف كصبي أرعن يريد امتلاك كل شيء دون أن يترك شيئاً حتى لأخوته "الأوروبيين". وهذا أحد الأسباب الهامة وراء الخروج من الاتفاق النووي الإيراني، ووراء الدفع ببريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي. اذ يبدو أن أميركا لا تستطيع الاستفادة منهما على صعيد التجارة والاقتصاد، ولا حتى من خلال السمسرة.

والأمر الثاني الذي تسببه الانسحابات هو تضعضع الثقة بالدولار كعملة يمكن العمل بها، وخاصة مع العقوبات التي تفرضها أمريكا اليوم على دول العالم. وأما الأمر الثالث، فإن أمريكا من خلال تهديد الشركات الأوروبية التي تحاول الاستمرار بعلاقاتها التجارية مع الدول التي تفرض عليها العقوبات الأميركية، تضع استقلالية علاقاتها الدولية موضع التساؤل. اذ أعلن لافروف في 13 نيسان/ أبريل، أن الاتحاد الأوروبي لم يعد الشريك التجاري الأول لروسيا، بل هو رابطة الدول المستقلة ودول منطقة آسيا والمحيط الهادئ وبريكس، وأعلن أن مشكلة بريكس أنهم يتعاملون بالدولار. ودعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 28 حزيران/ يونيو الماضي إلى عودة التعامل بالعملات الوطنية.

الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي فاقم الصراع الدولي في وعلى الخليج العربي، وعرض سلامة الملاحة للخطر. أي أن التهديد الأمني في منطقة الشرق الأوسط بات أمراً مطروحاً، ولولا تنبّه دول العالم إلى خطر الحرب في منطقة الخليج، وبخاصة على وجود اسرائيل، فإنه كان من الممكن أخذ المنطقة إلى حرب طاحنه. وتزامن خروج الولايات المتحدة من اتفاق الشراكة الاقتصادية عبر المحيط الهادئ، مع عدم قدرتها على منع شركائها وخاصة في الصين من مواصلة تعاملها التجاري مع إيران وتجاهل العقوبات الأميركية، وهذا ما دفع الولايات المتحدة لاستحضار أزمة هونغ كونغ، وإعادة فتيل الأزمة ما بين الهند وباكستان حول كشمير. اذ يبدو أن ترامب يظن أنه بخروجه من الاتفاقيات الدولية والتدخل في الشؤون الداخلية لمعارضي سياساته وتقويض أمنهم وسلامتهم سيمكن أمريكا من استعادة مكانتها المتدحرجة هبوطاً عن قمة دائرة الحظ.

الولايات المتحدة الأميركيةالجمهورية الاسلامية في إيران

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية
مقالات مرتبطة
وزير الخارجية الأميركية السابق ركس تيلرسون: الإسرائيليون تحايلوا على ترامب
وزير الخارجية الأميركية السابق ركس تيلرسون: الإسرائيليون تحايلوا على ترامب
الحرس الثوري: السفن والقواعد الاميركية في المنطقة بمرمى صواريخنا
الحرس الثوري: السفن والقواعد الاميركية في المنطقة بمرمى صواريخنا
الخارجية الايرانية تردّ على اتهامات واشنطن بشأن الهجمات على أرامكو السعودية
الخارجية الايرانية تردّ على اتهامات واشنطن بشأن الهجمات على أرامكو السعودية
تسليح الجيش العراقي.. موسكو بدلًا من واشنطن
تسليح الجيش العراقي.. موسكو بدلًا من واشنطن
خلافات حادة داخل الإدارة الأمريكية على خلفية المفاوضات مع الحكومة الأفغانية و"طالبان"
خلافات حادة داخل الإدارة الأمريكية على خلفية المفاوضات مع الحكومة الأفغانية و"طالبان"
واشنطن تفرض رسوما جمركية جديدة على بعض السلع الصينية غدا
واشنطن تفرض رسوما جمركية جديدة على بعض السلع الصينية غدا
عام 2021.. واشنطن ستبدأ بمحاكمة خمسة من متهمي هجمات 11 أيلول
عام 2021.. واشنطن ستبدأ بمحاكمة خمسة من متهمي هجمات 11 أيلول
ضرورة تقويض نظام الهيمنة العالمية للدولار
ضرورة تقويض نظام الهيمنة العالمية للدولار
روسيا والصين في مواجهة اميركا
روسيا والصين في مواجهة اميركا
امريكا... شواهد السقوط والانعكاسات الخطيرة على الحلفاء والتوابع
امريكا... شواهد السقوط والانعكاسات الخطيرة على الحلفاء والتوابع
هل استفاد ابن لادن من وجود القوات الأميركية في السعودية لتجنيد الإرهابيين؟
هل استفاد ابن لادن من وجود القوات الأميركية في السعودية لتجنيد الإرهابيين؟
السعودية والولايات المتحدة تتفقان على ضمان أمن إمدادات الطاقة
السعودية والولايات المتحدة تتفقان على ضمان أمن إمدادات الطاقة
الحكم بالسجن 20 عاما على مؤيد لترامب أرسل طرودا مفخخة لديمقراطيين
الحكم بالسجن 20 عاما على مؤيد لترامب أرسل طرودا مفخخة لديمقراطيين
صحف "اسرائيل" في أميركا وأوروبا لشيطنة حزب الله!
صحف "اسرائيل" في أميركا وأوروبا لشيطنة حزب الله!
ترامب فقد خياراته للرد على المواقف الإيرانية
ترامب فقد خياراته للرد على المواقف الإيرانية
خلاف أميركي - تركي حول المنطقة العازلة شمال سوريا: ثلاث مناطق
خلاف أميركي - تركي حول المنطقة العازلة شمال سوريا: ثلاث مناطق
"ذا هيل": الانقسام الأميركي البريطاني حيال إيران يزداد
"ذا هيل": الانقسام الأميركي البريطاني حيال إيران يزداد
ايران ـ أميركا والمواجهة في مياه الخليج
ايران ـ أميركا والمواجهة في مياه الخليج
تركيا: إخراجنا من برنامج أف 35 سيضرّ بالعلاقات مع أميركا
تركيا: إخراجنا من برنامج أف 35 سيضرّ بالعلاقات مع أميركا
مخاطر "داعش".. تهويل أمريكي أم وقائع؟
مخاطر "داعش".. تهويل أمريكي أم وقائع؟
عقوبات أمريكية ضد تركيا بسبب شرائها منظومة "إس-400" الروسية
عقوبات أمريكية ضد تركيا بسبب شرائها منظومة "إس-400" الروسية
مقاومةٌ... فنصرٌ وكرامة
مقاومةٌ... فنصرٌ وكرامة
السيد نصر الله في برقية لظريف: أرادوا محاصرتك فأصبحت أقوى حضوراً
السيد نصر الله في برقية لظريف: أرادوا محاصرتك فأصبحت أقوى حضوراً
المتحدث باسم لجنة الامن القومي والسياسة الخارجية الايرانية لـ"العهد": حزب الله أذل الكيان الصهيوني
المتحدث باسم لجنة الامن القومي والسياسة الخارجية الايرانية لـ"العهد": حزب الله أذل الكيان الصهيوني
ظريف لـ"العهد": لبنان شعباً ومقاومة أثبت للعالم إمكانية هزيمة الكيان الصهيوني
ظريف لـ"العهد": لبنان شعباً ومقاومة أثبت للعالم إمكانية هزيمة الكيان الصهيوني
الفشل الأميركي في مواجهة إيران.. دروس وآمال
الفشل الأميركي في مواجهة إيران.. دروس وآمال
إيران تطلق "إشارة" أول قناة خاصة بالصم وضعاف السمع
إيران تطلق "إشارة" أول قناة خاصة بالصم وضعاف السمع
الإمام الخامنئي:  قرصنة بريطانيا البحرية لن تبقى دون ردّ وتقليص التزامات إيران في الاتفاق النووي مستمرّ
الإمام الخامنئي:  قرصنة بريطانيا البحرية لن تبقى دون ردّ وتقليص التزامات إيران في الاتفاق النووي مستمرّ