sheikalidamoush

#صيف_الانتصارات

سقوط الامارة تحرير ثانٍ كي لا ننسى..

18/08/2019

سقوط الامارة تحرير ثانٍ كي لا ننسى..

سالم زهران - رئيس مركز الارتكاز الاعلامي

كعادته موقع "العهد" يكون دائماً حيث يجب أن يكون، فإحياء ذكرى تحرير الجرود من التكفيريين ليس أمراً مهنياً وحسب، بل أصبح واجباً في ظل موجة النسيان الجماعي التي يعاني منها مجتمعنا.
وما إن تشرفت بطلب "العهد" تسطير معركة تحرير الجرود في مقال، حتى عاد بي شريط الذاكرة القريبة إلى وثائقي "سقوط الإمارة" الذي أنتجناه على قناة "الميادين"، وفيه تحققنا من خلال شواهد ووثائق من مشروع الإمارة التكفيرية منذ النشأة إلى السقوط على أيادي ثالوث الجيش والشعب والمقاومة، يضاف إليهم الجيش العربي السوري والقوى الرديفة من الجهة المقابلة.

الإمارة التكفيرية المنتحلة من الإسلامية صفة لها كانت محاولة جدية وحلماً بدأ أواخر العام 1999 في الضنية وهو كان يحضر بأحداثه وبكافة أشكاله وفقاً للظروف الداخلية والاقليمية والدولية .

المحطة الثانية كانت في أحداث نهر البارد سنة 2007 تبعها تعبئة فكرية ودينية من خلالِ دعَواتِ قياديِّي داعش والنصرة التي تصاعدت حدتها في العام 2011 مع بداية ما سمي بالثورة في سوريا.

إلا أن التحشيد الفكري أخذ المسار التطبيقي بين عامي 2012 و 2014 حيث كان دور الانتحاريين بتفجيرات استَهدَفت ضاحيةَ بيروت الجنوبية، وبعدها كانت حالاتٌ متفرّقة كحالةِ أحمد الأسير في صيدا جنوباً وعملياتٌ كثيرة أُحبِطت مفاعيلها قبلَ تنفيذِها حيث تمَّ القبضُ على مُخطِّطيها ومنفذيها. إلا أن المخطط كان في أوجه والإستعدادات والخطط كانت تتجدد ما تطلب حسماً نهائياً قضى على الإرهاب في لبنان وبالتالي أدى الى سقوط الإمارة التكفيرية قبل أن تتمكن من النهوض.

"نحن نعرفكم بالأسماءِ وأيدينا ستصل إليكم ونحن من سيَحسم المعركة"

سقوط الامارة تحرير ثانٍ كي لا ننسى..

في السادس من شهرِ آب/ أغسطس عام 2016 أَعلنَ الأمين العام لحزبِ الله السيد حسن نصرالله إنطلاقَ عملية "إن عدتم عدنا" في جرود القلَمون من الجِهةِ السورية مطلقاً عنواناً كبيراً : "نحن نعرفكم بالأسماءِ وأيدينا ستصل إليكم ونحن من سيَحسم المعركة" وهذا ما حصل، حسم حزب الله المعركة عسكرياً بجزءٍ كبيرٍ منها وبالتفاوض في قليل منها تضمن إخراج المسلحين "بالباصات الخضر" إلى العمق السوري.

أما الإرهاب الذي بدأ تشريع وجوده في عرسال البقاعية منذ العام 2013 فجرت باتجاهه خطوتان سياسية عبر الغطاء الذي أعطاه رئيس الجمهورية ميشال عون وعسكرية عبر عملية أطلقها قائد الجيش جوزيف عون تحت اسم "فجر الجرود" في 19 آب 2017 حيث كانت نهاية الحلم والسقوط الأخير للإمارة.

في الأهداف كان الإلتباس موجوداً مع بداية تفشي الإرهاب في لبنان حول ما إذا كانت هذه المجموعات التكفيرية تستهدف حزب الله حصراً للإنتقام من محاربته لها في سوريا أم أن هدفها كان تخريبياً يشمل كل لبنان تمهيداً لاقامة إمارة، نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم يؤكد "أن المجموعات التكفيرية هي صاحبة مشروع، ومشروعها إقامة إمارات إسلامية بمختلف أنحاء العالم، في لبنان عملت من خلال عرسال وجوارها لإيجادها والتفكير كان دائماً كيف ترتبط هذه الإمارة بالبحر من خلال شاطئ طرابلس. هم فعلاً أعلنوا العداء لحزب الله لأنه كان في حالة مواجهة معهم لكن سرعان ما وجدنا أنهم بدؤوا يقتلون الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، وبدأوا كذلك بوضع المتفجّرات في مناطق مختلفة سواء أكانت مناطق شيعية أو سنّية أو مسيحية، وما قتلوه من السنّة أكثر بكثير مما قتلوه من الشيعة أو الأطراف الأخرى لأن الجماعة رؤيتهم رؤية أنهم وحدهم يجب أن يكونوا في الساحة وأن الآخرين ممنوع أن يكونوا موجودين، فحزب الله خاض معارك شرسة وكذلك عملية الجيش اللبناني كانت شجاعة ومهمة جداً إلا أن جزءً من المعركة تطلب التفاوض مع الإرهابيين وهو ما خفّف علينا وعلى الجيش اللبناني تضحيات وأثمان .الحزب هو من خاض التفاوض لكن بعلم الحيش اللبناني وبعلم الدولة اللبنانية، وكذلك بعلم الدولة السورية."

ويبقى الإرهاب متعارف على توغله في لبنان من قبل الجميع إلا أن خلافاً جوهرياً في المضمون يبقى بارزاً من دون أن يؤثر على مسار الأمور، مفتي الجمهورية الأسبق محمد رشيد قباني يرفض أي كلام يتمحور حول كلمة "إمارة" رغم الدعوة المباشرة التي أطلقها أمير جبهة النصرة في القلمون أبو مالك التلّي عام 2014 والتي دعا فيها إلى نقل معركة الإمارة الإسلامية الى لبنان، فهو يعتبر أن هذا المفهوم كبير وهو لم يتوفر في أجندة الإرهابيين، ويقول قباني "في لبنان هناك إرهاب ومجموعات إرهابية، هذه المجموعات في ظاهرها تحارب من أجل الإسلام، نريد أن نسأل ما الذي صنعته للإسلام؟ ما هو المكسب الذي حققته هذه المجموعات للإسلام غير الإساءة للإسلام والتشهير بالإسلام وتصوير المسلمين بأنهم مجموعة إرهابيين؟ ولكن ينبغي أن نعلم مَن هو الذي يقف خلف هذه الجماعات ويثيرها ويبتز المسلمين وشوقهم للإسلام. هذه حرب أجنبية غربية أميركية كما صرّحت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون فقالت "داعش نحن الذين صنعناها"، وكما صنعوها صنعوا غيرها".

ويستذكر رئيس المحكمة العسكرية العميد خليل إبراهيم سياق المحاكمات التي كان يجاهر فيها الموقوفين بايمانهم وسعيهم لإقامة إمارة في لبنان مع الكشف عن الخطط التي كانت مرسومة، ووسط الدعوات التي كانت تتوالى من مشايخ عدة بايع بعضهم زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي يصف العميد ابراهيم الإرهاب "بالعميق والمتشعّب والمتشابك، فالذي جرى في عرسال هو اتّفاق بين جميع المجموعات الإرهابية بإقامة دولة إسلامية نجاحها يكون عبر الوصول إلى البحر أما الخطة فكانت في النزول باتّجاه اللبوة نحو الهرمل وإستعادة القصير من جهة وفتح جبهة أخرى نحو الضنيّة وإحتلال مراكز الجيش والقوى الأمنية مع هجمات باتّجاه الاهداف العسكرية."

أما قصة حلم الامارة فكانت تتطلب الوأد منذ البدايات.. يقول وزير الدفاع الأسبق يعقوب الصراف "انه في لبنان بالذات الضنيّة كانت أوّل إنذار، تدخّل الجيش ونجح، بدل أن نُكمل بالمقاضاة والمحاكمة، والبريء يخرج بريئاً، والمذنب يُحكَم، كانت المماطلة، عام 2007 عاد وحصل الأمر نفسه، أيضاً هرّبنا ما أردنا تهريبه وتركنا الذي يريد أن يبقى ونظّمنا المنظومة وأوقفنا عدة أشخاص وأيضاً أخّرنا محاكمتهم وأخّرنا تبرئتهم، وعدنا ودخلنا في الأزمة السورية. وهنا أنا ألتزم بسياسة النأي بالنفس إلى أبعد الحدود، لكن علينا أن نفصل بين النأي بالنفس والحيادية واستقلالية القرار، وهنا القرار الحكيم الذي كرّس انتصار عرسال، بوجود رئيس جمهورية قال نعم أنا رئيس جمهورية وأنا ملتزم بالنأي بالنفس، ولكن أنا حرّ وهذه بلادي وواجبي أن أحمي بلادي من أي تدخّل حتى وإن كان متّصلاً بموضوع النأي بالنفس، وثالثاً والأهم أن القرار لي، حين يصلّي رئيس الجمهورية صباحاً وينزل الى غرفة العمليات ويقول أُطلق أنا عملية فجر الجرود، مع أنه تدخّل معنا رجال دين ورجال مال ورجال سياسة ودول ووزراء وقناصل وسفراء لمنع العملية، جرت المعركة وسقط حلم الامارة وأبعدنا سطوة الوجود الارهابي عنا.."

ومن واقع الميدان يقول العميد الركن جورج نادر الذي كان يتولى قيادة فوج المجوقل في أحداث نهر البارد ان الفكر التكفيري لم يمت، في الضنية أو في نهر البارد بل امتدّ لعرسال خلال الحرب السورية. ويروي العميد نادر أن "فكر إقامة الإمارة الإسلامية كان موجوداً في عرسال أنا كنتُ ملحقاً عسكرياً في فرنسا وقت حرب عرسال الثانية حين خطفوا العسكريين، كان لي صديق وهو ضابط أجرى معي دورة للأركان العليا في فرنسا وهو مسؤول عن مخابرات لبنان في مخابرات الشرق الأوسط، نقل لي معلومة بالغة الخطورة، اتصلتُ ليلاً وأبلغتها لقائد الجيش العماد جان قهوجي وأخبرته بأن هناك خطة سمّوها جمرايا، نسبة لقرية في سوريا إسمها جمرايا إحتلوها وأخذوها أسيرة، وذلك بعد أن وضعوا سيارة مفخخة في وسط القرية فانفجرت ما أدى إلى تجمّع الأهالي في المكان فاحتلوا تخومها وأسروها وأصبحت رهينة في يد مسلّحي داعش والنصرة، نفس الخطة كانت معدة للتنفيذ في قريتين عكاريتين، كانوا استطاعوا وصل عرسال بالشمال وإقامة إمارة كما يحلمون لولا وعي الجيش ووعي المواطنين أيضاً، حقيقةً المواطنون لم يكونوا متجاوبين مع هذا الأمر."

سقوط الامارة تحرير ثانٍ كي لا ننسى..

وتبقى شهادة فخامة الرئيس اميل لحود برسم التاريخ وهو الذي اختبر مراحل تطوير وسقوط حلم الإمارة قائداً للجيش، فرئيساً للجمهورية، فمطلاً على نافذة الحقيقة بلا لوثة المراكز والسياسة.

في شهادته لم يستغرب الرئيس لحود تنامي الارهاب وكذلك سقوطه فيستحضر أولى وقائع وجود هذا الارهاب عام 1999 عندما تلقى إتصالاً من قائد الحرس الجمهوري العميد مصطفى حمدان يبلغه فيه عن تعرض عسكريين كانوا في دورية في الضنية، لهجوم قتل فيه جميع الافراد . وقتها جرت عملية للجيش العملية انتهت بسقوط حوالي سبعين قتيلاً و سقط للجيش عشرة شهداء، وقتها يقول لحود ان الاستياء كان كبيراً من الولايات المتحدة الأميركية التي كان شاغلها الوحيد هو الإستفسار حول قائد المجموعة من آل كنج الذي كان يحمل جواز سفر اميركي، يقول لحود "تبيّن لي بالممارسة وبعدة أمور أن المطلوب إبقاء لبنان ضعيفاً، وكي يبقى ضعيفاً يجب أن يفكّر مذهبياً دائماً، خصوصاً بعدما أصبحنا أقوياء وأصبح لدينا مقاومة تهزم اسرائيل وهي والجيش هزما الإرهابيين لاحقاً وأسقطا مشروع الإمارة، بعد الضنية افتعلوا قصة نهر البارد أيضا لأنهم يريدون رئيس جمهورية ضعيف كما تعوّدوا، وعلى أساس أننا حين يصبح عندنا تكفيريين هناك ستتفاقم المشاكل ونصل الى تحقيق بداية المشروع التكفيري، أما في عرسال فكانت نتيجة حتمية وامتداداً للحرب في سوريا لكن وعي الاهالي وجهوزية المقاومة والجيش أحدثوا نهاية متوقعة وهي سقوط المؤامرة مجدداً وتهاوي الإمارة وتحرير ثان للبنان بعد التحرير الأول عام 2000

إذاً مشروع الإمارة في لبنان لم يكن وليد ساعته، بل جاء تراكماً لمسار طويل من التحضير والتجربة والفشل والدعم وصولاً إلى ذروته مع صقيع المسمى الربيع العربي، وعليه إسقاط الإمارة ليس أمراً ثانوياً بل حدث يستحق الحفظ في الذاكرة ليكون عبرة للأجيال المقبلة التي قد تواجه الخط عينه، فالامارة سُحقت، إلا أن جراثيم أفكارها لاتزال حية في بعض النفوس المريضة التي هي بمثابة وجه آخر من وجوه الحروب التكفيرية التي ستعاني مجتمعاتنا من إسقاطاتها ربما لفترة طويلة من الزمن.

التحرير الثانيوإن عدتم عدناسالم زهران

إقرأ المزيد في: #صيف_الانتصارات