weeklymajles

آراء وتحليلات

صفقة القرن: بين الفتن الداخلية والحروب

12/08/2019

صفقة القرن: بين الفتن الداخلية والحروب

سركيس أبوزيد

استضافت مؤخراً عاصمة البحرين المنامة، بالشراكة مع الولايات المتحدة، ورشة عمل تحت عنوان "السلام من أجل الإزدھار" يومي 25 و 26 حزيران/ يونيو الماضي، وركزت هذه الورشة على الشق الاقتصادي من "صفقة القرن"، بھدف التشجيع على الإستثمار في المناطق الفلسطينية، وشارك في الورشة كل من السعودية والإمارات ومصر والأردن والمغرب وقطر، ومسؤولون سياسيون ورجال أعمال، وممثلون عن منظمات المجتمع المدني، فيما غابت قوى دولية أساسية وفي طليعتھا الصين وروسيا.

السلطة الفلسطينية لم تشارك، لأنھا اعتبرت أن السلام الاقتصادي الذي يدعو له المؤتمر يجب ألا يسبق السلام السياسي، ولأن المؤتمر، بحسب الإعتقاد الفلسطيني، ھدف الى:

ـ الضغط على الفلسطينيين لتمرير "صفقة القرن"، وإضفاء شرعية أميركية ودولية على إستمرار الإحتلال، ومحاولة لفرض التطبيع بين العرب و"إسرائيل".

ـ إشغال المنطقة بالقضايا الاقتصادية والإنسانية، والفتن الطائفية، على حساب حقوق وثوابت الشعب الفلسطيني، في مسعى لإدماج" إسرائيل" اقتصاديا وسياسيا وأمنيا في المنطقة.

ـ تصفية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأممية "الأونروا"، والإستعاضة عن أنظمتھا في مجال التعليم وتوزيع الأغذية ببرامج تطوير تنفذھا منظمات غير حكومية دولية.

ومسبقاً، أعلنت الإدارة الأميركية أن المؤتمر لا يشكل بديلا للحل السياسي للقضية الفلسطينية، وأن الفكرة التي تعمل عليھا ھي تأمين الإلتزامات المالية من دول الخليج الغنية، والمانحين في أوروبا وآسيا، لحث الفلسطينيين وحلفائھم على تقديم تنازلات سياسية لحل النزاع، وتتضمن الخطة أربعة عناصر، ھي: البنية التحتية، الصناعة، والتمكين والإستثمار في الشعوب، إضافة إلى الإصلاحات الحكومية، لإيجاد بيئة جاذبة للإستثمار في المنطقة.

ھناك إعتقاد أن التركيز حاليا على الجانب الاقتصادي يندرج في إطار "التكتيك التسويقي" الذي يتحيّن اللحظة المناسبة للإعلان عن "صفقة القرن" وفرضھا باعتبارھا أمرا واقعا، واللحظة المؤاتية لتكريس "صفقة القرن" ھي في مؤتمر المنامة. فالولايات المتحدة و"إسرائيل" عمدتا بشكل غير مسبوق خلال الأشھر الماضية إلى فرض ضغوط مالية على السلطة الفلسطينية، التي تعارض بقوة خطة السلام الأميركية. لكن سلاح الاقتصاد لا يُستخدم فقط ضد الفلسطينيين، بل ضد كل الدول العربية المعنية بالقضية الفلسطينية مباشرة.

فبالنسبة إلى الأردن، فهو يعني لـ"إسرائيل" أكثر مما يعنيه أي بلد عربي آخر لخصوصيته الجيوسياسية، والإستقرار في الأردن مھم لـ"إسرائيل" بسبب إرتباطه المباشر بأمنھا القومي ومستقبل القضية الفلسطينية. ھذه الخصوصية الجيوسياسية للأردن، النابعة من تموضعه بين أھم مصلحتين استراتيجيتين للغرب في المنطقة: النفط و"إسرائيل"، إضافة إلى احتضانه الجزء الأكبر من اللاجئين الفلسطينيين منذ 1948، كلھا تفرض له دورا مركزيا قھريا في مستقبل القضية، فھو يشكل مدخلا رئيسا لأي سيناريو يُرسم للمستقبل الفلسطيني.

وفيما يخص الموقف اللبناني، فقد رأت مصادر سياسية قريبة من عين التينة أن لبنان سيكون مستھدفا بالصفقة بالتأكيد، وإنطلاقا من ذلك، فإن الخطر الحقيقي على لبنان من بوابة "صفقة القرن" لا يكمن في الأساس بالمستوى المتصل بالتوطين، وإنما في إحتمالات أن يكون تفجير الوضع الداخلي في لبنان، سواء بفتن داخلية أو بحرب إسرائيلية، بوابة لإمرار الصفقة الأميركية، في حال تعثر إمرارھا بالمؤتمرات الاقتصادية والحراكات السياسية، خصوصاً أن للبنان تجارب كثيرة في ھذا الإطار، حين يتعلق الأمر بإمرار الصفقات الإقليمية الكبرى.

وهنا يبرز سؤال حول احتمالية فشل تمرير "صفقة القرن"؟

فنتنياھو الذي لم يستثمر بشكل جيد دعم ترامب وبوتين اللذين أغدقا الھدايا عليه، أخطأ في الدعوة الى انتخابات معادة، وسرعان ما اشتد الخناق حول عنقه مع تحريك ملفات الفساد ضده وانفضاض حلفائه من حوله، وقيام خارطة سياسية جديدة قوامھا "حزب الجنرالات" الذين يقودھم الجنرال بيني غانتس، واتسعت دائرتھم أخيرا مع نزول إيھود باراك الى الساحة وسعيه الى توحيد أحزاب اليسار جميعا في تكتل واحد يعزز قوى المعارضة ويسقط حكم نتنياھو.

وإذا فشل نتنياھو في الانتخابات أو في الحكومة، فإن ترامب يخسر حليفا أساسيا وتكون "صفقة القرن" فقدت المرتكز الإسرائيلي لھا. كما أن الأميركيين لم يحسبوھا جيدا، ولم يتوقعوا أن تصطدم "صفقة القرن" بموقف فلسطيني واحد ومقفل وعصي على أي خرق أو شرخ، وبموقف عربي يحجم عن ممارسة أي ضغوط على الفلسطينيين ولا يقبل إلا ما يقبلونه، كل ذلك، شكل جرس إنذار لإدارة ترامب التي بدأت تشكك في ظروف ومقوّمات نجاح "صفقة القرن" وتتجه الى تأجيل الإعلان عن شقھا السياسي.

في الواقع، ثمة رأيان حول مؤتمر البحرين حول "صفقة القرن":

ـ الأول: يعتبر أن المؤتمر ھو أول محفل رسمي يناقش "صفقة القرن"، ويكشف عن ملامحھا للمرة الأولى.

ـ الثاني: يقول إن أجواء المؤتمر بدأت تتلبّد، والتعثّر بدأ يظھر لأسباب عدة، أبرزھا الوضع الإسرائيلي الذي يُقلق واشنطن، إذ يدرك ترامب أن الذھاب الى انتخابات إسرائيلية جديدة يعني الذھاب الى المجھول وسقوط مشروعه "صفقة القرن. كما أن "الدولة العميقة" في "إسرائيل" تُعلن رفضھا لـ"صفقة القرن" بأسلوب آخر. وللخروج من ھذه الأزمة، قد يلجأ نتنياھو الى عمليات عسكرية جوية ضد غزة كونه وزير الدفاع. والحاجة الى ھذه الحملة الجوية ستكون بھدف خلق واقع فلسطيني جديد، والحصول على أوراق قوة بعد الخسائر التي مُني بھا خلال مرحلة تأليف الحكومة.

من الواضح، أن "صفقة القرن"، وبمعزل عن الانتخابات الإسرائيلية ونتائجھا، كانت قد تلقت ضربات متلاحقة لتصبح في حال ترنح واحتضار، خصوصا بعدما فشل مؤتمر البحرين في تحقيق أھدافه. ونجح الفلسطينيون في الحصول على مواقف سياسية عربية داعمة. فالمقاطعة الفلسطينية لمؤتمر البحرين كانت كافية لضرب "شرعيته" باعتبار أن أحد طرفي الصراع والمعني الأول ليس موجودا. في الوقت نفسه، حاول جاريد كوشنير مستشار ترامب وصھره ومھندس ھذه "الورشة الاقتصادية" التسويق للمؤتمر وأھدافه في ضوء المقاطعة الفلسطينية له التي اعتبرھا "خطأ استراتيجيا"، وفي ضوء الإرتباك العربي في التعاطي معه، والذي ظھر في مستوى التمثيل، عاكسا مشاركة رمزية ومقرونة بالتأكيد على حل الدولتين والقبول بما يقبل به الفلسطينيون. وذهبت صحيفة "الغارديان" البريطانية، إلى القول بأن الخطة الاقتصادية التي طرحها كوشنر، "مسرحية هزلية"، تستحق "الاستقبال الساخر" الذي لاقته.

بهذه الملامح الأولية، تمضي "ورشة المنامة"على فشلها، على سوابق مماثلة، من المؤاتمرات والاتفاقيات بشأن القضية الفلسطينية، فمن خلال ھذه الصفقة، سعت " إسرائيل" لشطب قضايا الصراع ومركباته، القدس والدولة الفلسطينية واللاجئين الفلسطينيين والمياه وغيرھا، وتحويلھا إلى مشاريع اقتصادية إسرائيلية ـ فلسطينية ـ عربية، تساھم في تطوير الاقتصاد الإسرائيلي، عبر اختراق الدول العربية وغزوھا اقتصاديا وثقافيا وأمنيا. كما حاولت تقديم رشاوى لبعض الدول العربية بغرض إقناعھا بالمشاركة في الحل الاقتصادي الذي يمثل جوھر صفقة ترامب التي تنوي الإدارة الأميركية الإعلان عنھا في الفترة المقبلة. فهل ستنجح الإدارة الأمريكية في ذلك، فلننتظر؟

صفقة القرن

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات