جواد نصرالله

آراء وتحليلات

شواهد الانسحاب الأميركي من المواجهة

29/07/2019

شواهد الانسحاب الأميركي من المواجهة

إيهاب شوقي

بالقدر الذي تتعدد به شواهد الانسحاب الأمريكي المشروط من المنطقة، تتعدد شواهد صواب خيار المقاومة، وبالقدر الذي تتضح به طبيعة العقلية البراغماتية الأمريكية والأوروبية، تتكشف طبيعة عقليات عربية ولا سيما سعودية.

الانسحاب الأمريكي من المنطقة، يبدو مشروطًا بأمن العدو الاسرائيلي وبتأمين مكتسبات مجمع الصناعات العسكرية الأمريكي. أما عن شواهد الانسحاب فهي تبدو كما يلي:

1/ لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، والذي أفصح فيه ترامب بأنه يريد من باكستان خروجًا آمنًا من أفغانستان، ولم تغير اللهجة المناورة لحفظ ماء الوجه هذا الاعلان، حيث قال الرئيس الأمريكي إنه يمكن أن يفوز في الحرب في أفغانستان خلال 10 أيام ، لكنه لا يريد قتل ملايين الأشخاص. إنه يهدف إلى إقناع السيد خان بالضغط على "طالبان" للتوصل إلى اتفاق سلام مع الحكومة الأفغانية.

2/ اعلان ترامب الصريح بأنه لن يقوم بتأمين عبور النفط للآخرين، وأن عليهم تأمين نفطهم بأنفسهم، وهو انسحاب أمريكي من المواجهة، يؤكده تصريح مسؤولين أمريكيين، بأنه يجب التفريق بين مقترح أمريكا بتدشين تحالف بحري لتأمين عبور النفط وحماية الملاحة البحرية وبين حملة ممارسة "أقصى الضغوط" التي يتبعها ترامب مع إيران، والتي تسعى لإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات من خلال فرض عقوبات قاسية عليها، وفقا لقولهم وطموحاتهم!

3/ التركيز الأمريكي على الصين وصعودها المهدد للهيمنة الأمريكية والهيبة الدولية الحافظة لمصالحها، حيث بدأ الأميركيون يوقنون أن الصين في طريقها لاحتلال مفاصل القوة الدولية الرئيسية، ولا سيما الاقتصادية والتكنولوجية، وهو ما استدعى تركيزًا اميركيًا على مشاغلة الصين في محيطها الحيوي، ويؤكد ذلك أن أمريكا وفي إطار تملصها من التورط في الخليج ومضيق هرمز، فإن الجيش الأمريكي يرسل سفينة حربية تابعة للبحرية عبر مضيق تايوان!

وقد صرح كلاي دوس المتحدث باسم الأسطول السابع للبحرية الأمريكية في بيان ”مرور السفن عبر مضيق تايوان يظهر التزام الولايات المتحدة بأن تكون منطقة المحيطين الهندي والهادي حرة ومفتوحة (للملاحة البحرية‭‭‭(‬‬‬“، وهو ما يعكس الهم الأمريكي الجديد.
أما عن الشروط الأمريكية فهي تبدو باختصار كما يلي:

أولا: تأمين العدو الاسرائيلي عبر حصار المقاومة والتضييق عليها.

ثانيًا: الاحتفاظ بقدر من الفوضى يسمح بتأمين الابتزاز وبيع السلاح وتوفير الوظائف للأمريكيين.

ثالثًا: زعزعة أمن النفط وتصديره (على عكس ما يروج من تأمين الملاحة)، بهدف السيطرة على أسواق النفط بعد الوصول لقمة منتجي النفط بالعالم.

أي أن أمريكا تتحرك بقدر ما يحفظ سلامتها البنيوية القائمة على السيطرة على الاسواق لحفظ بنيتها الخارجية، وتأمين (اسرائيل) لحفظ بنيتها الداخلية.

وبخصوص التمايز بين العقلية الراغماتية للأمريكيين والأوروبيين من جهة، وعقليات عربية وتحديدًا سعودية من جهة أخرى، يمكن الاشارة الى ما يلي:

أولا: بعد أن اكتشفت أميركا صعوبة المواجهة مع ايران والمقاومة، فإنها لم تكابر وتتورط في حرب لا مكاسب فيها، وانما تنتظرها فيها خسائر مدمرة لهيبتها ومصالحها، وبالتالي فهي تلعب بأوراق أخرى بديلة عبر الحصار ومحاولة توسيعه، وعبر تدشين تحالفات لا تهدف للحرب، وانما تهدف للعزل وبالأحرى فك العزلة الأميركية الدبلوماسية بعد الانسحاب المعيب من اتفاق دولي بحجم الاتفاق النووي.

ثانيًا: لا تقل العقليات الأوروبية براغماتية عن أميركا، فرغم التبعية لوشنطن، هناك خطوط حمراء لا يتخطاها الأوروبيون، وهي الخطوط التي تورطهم في نزاع لا ناقة لهم ولا جمل به، مثل المواجهة مع ايران.

وقد عكست التناقضات الأميركية البريطانية والخلاف العلني حول ما يطلق عليه "تأمين الملاحة"، هذه البراغماتية، حيث تجاهلت بريطانيا المقترح الأميركي بتحالف رأت بريطانيا فيه أنه سيورط الجميع في مواجهات تبعًا لسياسة ترامب، بينما يريد الأوربيون طرقًا أكثر أمنا للتبعية لا تورطهم في مواجهات مباشرة. خاصة بعد ثبوت جدية ايران وقدرتها العملية على المواجهة والذي تجسد في احتجاز الناقلة البريطانية.

ومما يؤكد ذلك، ما ذكرته وكالة "رويترز" من أن الاقتراح البريطاني الخاص بمبادرة تقودها أوروبا حظي ببعض التأييد في العواصم الأوروبية ونقلت عن أحد الدبلوماسيين قوله إنه من الأسهل حشد الدعم للاقتراح البريطاني أكثر من الاقتراح الأمريكي.

ثالثًا: بخصوص بعض العقليات العربية، فقد نقلت وكالة الأنباء الكويتية عن الشيخ يوسف عبد الله الصباح المدير العام لمؤسسة الموانئ الكويتية ورئيس اتحاد المؤانئ العربية قوله إن هناك تنسيقا "خليجيا - عربيا" لتأمين سلامة حركة السفن في مياه الخليج، وأشار بحسب الوكالة إلى "وجود خطط بديلة لأي تطورات في المنطقة". وهو تصريح يبدو أنه استكمال لمواجهة ليست في محلها، حيث يكمن تأمين الخليج، في تعاون جميع الأطراف بما فيها إيران، حيث لا مجال لعداء عربي ايراني.

أما العقلية السعودية، فهي لا تزال تشن حربًا عبثية باليمن، ولا زالت تصريحاتها وممارساتها تعكس أخذًا للعزة بالإثم، وانفصالًا تامًا عن مجريات الأحداث وتوازنات القوى ومجريات الصراع.

نعم، أثبتت الأحداث صحة خيار المقاومة، فلولا هذا الخيار لما برزت تناقضات أوروبا وأميركا، ولولاه لما تفتقت العقلية البراغماتية الأميركية عن الانسحاب من المواجهة ومن المنطقة، ولولاه لكانت السيطرة الأميركية الصهيونية الأوروبية تامة على المنطقة بما فيها دول عربية وخاصة خليجية، لم تستوعب بعد أن المقاومة قامت بحمايتها شخصيا!

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات