نقاط على الحروف

الانسحاب الاماراتي من اليمن.. الرسائل والمبررات (2/2)

19/07/2019

الانسحاب الاماراتي من اليمن.. الرسائل والمبررات (2/2)

علي الدرواني
بعد استغلال مستشار بن زايد لانباء الانسحاب في ايصال الرسائل لحلفاء وخصوم ابو ظبي، والتي ناقشتها الحلقة الاولى من هذه القراءة، عاد عبدالله الى موضوع التبرير للانسحاب، ومع الاخذ بعين الاعتبار ان ما احتوت عليه الرسائل السابقة هي ايضا توضع في سياق المبررات، من قبيل الصراع مع الرياض على المغنم والمغرم، او تحاشي الرد اليمني، وكذلك الابتعاد عن خطر اندلاع اشتباك محتمل بين طهران وواشنطن، بالاضافة الى ذلك ساق المستشار اياه عددا من الاسباب والمبررات، المتنوعة بين السياسي والميداني والانساني.

من الناحية السياسية، ربط المستشار الإماراتي مزعوم الانسحاب باتفاق استوكهولم، واشار في حديثه الى ان الوقت الان هو للمبادرات غير التقليدية والتنازلات الشجاعة، وهنا تتقافز الاسئلة الكبيرة في وجه حكام الامارات، فأين كانت هذه الشجاعة مدفونة منذ خمس سنوات؟ ثم عن أي تنازلات يتحدثون، هل سيسلمون دبي مثلا؟ المطلوب من الإمارات ليس التنازل، لانها لا تملك اي حق، وكل ما في الأمر هو ان تتخلى أبو ظبي عن أوهام التوسع، وتعود الى حجمها الطبيعي، وتترك النهج الذي تغريها به خزائن الأموال، وتدع هي والرياض شعب اليمن يقرر مستقبله، دون وصاية، فاليمنيون هم أهل الإيمان والحكمة، وهم أرق قلوبا وألين أفئدة، بشهادة خير الأنبياء وخاتمهم، صلوات الله عليه وعلى آله، وليسوا غلاظا كبدو الصحراء، لا سيما عندما يتخلصون من التأثيرات والضغوط التي تمارس على بعضهم في فنادق الرياض وأبو ظبي.

وبخصوص اتفاق السويد، لماذا لم يتم الى الآن تنفيذ اتفاق استوكهولم ان كنتم تضعونه في هذا المكان من الأهمية؟ ألستم من يعرقل جهود إعادة الانتشار، ووقف إطلاق النار، وتدفعون بمرتزقتكم في فرق التنسيق إلى رفض كل الحلول، والمقترحات والمبادرات وما أكثرها، وهي مبادرات حصلت على إشادة حتى من الأمم المتحدة، التي تقف معكم وإلى جانبكم في عدوانكم على اليمن، أين انتم من مبادرة إعادة الانتشار والتي تم تنفيذ مرحلتها الأولى من طرف واحدة، ان كنتم حريصين على السلام، واتاحة المجال لهذه الجهود؟  فقد بات واضحا أن ما تحكيه افعالكم يخالف ويتناقض بشكل كبير مع ما تضج به أقوالكم.

وليس بعيدا عن الشق السياسي، ولكن من جهة غير مقصودة للكاتب، عندما قال: (فقد أكد أكثر من مسؤول إماراتي أن الإمارات ودول التحالف العربي تمكنت من تدريب وتسليح قرابة 90 ألف جندي داعم للشرعية في اليمن) واذا وضعنا خطا تحت دعم الشرعية في اليمن وأهملناها قليلا، فقد اشار الى أمر لم يعد خافيا على احد من أبناء الشعب اليمني، وقد اكدته تقارير خبراء مجلس الامن حول ممارسات الامارات في جنوب اليمن، وإنشاء مليشيا تابعة لها، بعيدا عن الدولة اليمنية، وبعيدا عن الشرعية المزعومة التي يتذرعون بها في غزو واحتلال اليمن، وإن صح الانسحاب المزعوم ولم يكن مجرد خدعة فإنه دليل بين على الاهداف الحقيقية من عدوانها على اليمن، وتأكيد انه الشرعية الوهمية مجرج شماعة قذرة علقت عليها الرياض وأبوظبي اهدافا خبيثة للانقضاض على البلاد وثرواتها.

واما من جهة الميدان، وهنا مربط الفرس، فبعد ان تحدث عبدالخالق عن (تقليص القوات الى نصف العدد الراهن الذي يبلغ 5000 جندي، كما سيشمل سحب الآليات والمدرعات والدبابات والأسلحة الثقيلة وطائرات الهليكوبتر ونظم الدفاعات الصاروخية والاعتراضية المتطورة من عدة جبهات) برر ذلك بالهدوء الذي تشهده جبهة الساحل الغربي، رغم أن الخروقات مستمرة بشكل لم تعد مجرد خروقات، فهناك زحوفات ومحاولات تسلل وقصف مكثف، على عدد من المناطق والمديرات، ولا ننسى ان المدنيين في مديرية الدريهمي لا يزالون يعانون تحت الحصار.

إن تبرير الكاتب بأن ( الانخفاض الكبير في المواجهات اليومية في ساحات القتال هو الدافع الأهم لخفض التواجد العسكري الإماراتي في اليمن) يجعلنا نضع ايدينا على النقطة الأهم ميدانيا والتي التف عليها الكاتب هنا، وذلك بما يخص السبب وراء انخفاض المواجهات، وهو حجم الخسائر التي تكبدتها قوات العدوان ومرتزقتها، في جبهة الساحل الغربي بالتحديد، وهي الخسائر التي أجبرتهم على الذهاب إلى السويد والخروج باعلان الاتفاق لحفظ ماء وجههم، وتجنب الهزيمة المنكرة، والخروج بما تكبدوه من الخسائر، ورغم ان الاتفاق لم يوفر لهم كل ما يريدون ويحلمون به من أهداف،  الا انهم ماكانول ليقبلوا به لو شعروا للحظة ان بيدهم اخذ المزيد من المكاسب عسكريا.

الجرائم في اليمن لا يمكن ان يحاسب عليها أفراد فقط، بل هي من جرائم الدول والأنظمة
واخيرا في المجال الانساني، وهو المجال المؤرق لدول العدوان والاكثر حساسية، لاسيما في ظل التقارير الحقوقية والانسانية التي تصف ما يجري في اليمن باكبر ماساة في العالم من صنع البشر، وتحمل كل هذ التقارير الدولية والاممية المسؤولية المباشرة على عاتق الرياض وأبو ظبي، بالاضافة الى تقرير خبراء مجلس الأمن الذي وضع أسماء قادة الامارات والسعودية على قائمة المسؤولين الذين يجب مسائلتهم عن الجرائم المرتكبة في اليمن، وفي تقريرهم الاخير أكد الخبراء ان الجرائم في اليمن لا يمكن ان يحاسب عليها أفراد فقط، بل هي من جرائم الدول والأنظمة، بما يعنيه هذا التوصيف من مستقبل أسود ينتظر هؤلاء الحكام المجرمين، ولهذا فإن عبارة الكاتب ( لا أحد يستطيع بعد قرار سحب قواتها من اليمن ان يضع اللوم على الإمارات أنها مسؤولة عن إطالة الحرب في اليمن) كانت تعبيرا واضحا عن عميق القلق لدى حكام الامارات من هذا المصير المحتوم، والذي يليق بقتلة اطفال ونساء اليمن.

لكن، ورغم ان الكاتب يتحدث عن عدم لوم الامارات بعد انسحابها من اليمن، الا انه فيما يبدو يمنّي نفسه ويوهم أولياء نعمته انه بمجرد الخروج من اليمن، لن يكونوا مسؤولين عما جرى فيها.. فمن أعطى الامارات او غيرها صك الغفران من جرائمها بحق الشعب اليمني المستمرة منذ خمس سنوات، وهي الجرائم الوحشية التي حصدت عشرات الألاف من المدنيين، وهدمت عليهم منازلهم ليلا، وقتلتهم في أعراسهم وعزائهم واسواقهم ومدارسهم، في اي شريعة بل في اي دين او اي عرف، وهذه الدماء والأيتام والأرامل والدمار والجوع الذي خلفه عدوانكم لا تسقط بالتقادم، ولا بد من يوم يدفع فيه المجرمون بحق شعب اليمن ما يكون شفاء لصدورهم وايفاء بحق شهدائهم ورفعا لرؤؤسهم وتثمينا لتضحياتهم.

وفي الختام، فاننا امام مرحلة جديدة ستأخذ مسارات جديدة أيضا، سياسيا وعسكريا، ويجب ان لا ننخدع بالانسحاب الإماراتي المزعوم، لا سيما والامارات لا تزال تستقبل مئات من العناصر المرتزقة لتدريبهم في أراضيها، ورغم ايماننا الراسخ بان الاحتلال المفروض والعدوان على بلادنا الى زوال حتمي، عاجلا أو آجلا، إلا اننا لا يمكن ان نتحدث عن اي انسحاب لأي كان، الا عندما يتم تطهير اليمن من كل وجود للغزاة والمحتلين، وسيكون ذلك قريبا بإذن الله.
الحلقة الاولى

الإمارات العربية المتحدة

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف