آراء وتحليلات

هل يبحث نتنياهو عن ذريعة للحرب ولماذا؟

653 قراءة | 10:50

شارل ابي نادر

قد يكون من أسهل الأمور عليه، أن يدّعي العدو اكتشاف مخابراته أو وسائط استطلاعه، طائرة ايرانية تحط في سوريا ناقلة أسلحة نوعية لحزب الله، فادعاء كهذا جاهز غب الطلب، صحيحاً كان أم لم يكن، وهو (العدو) غير مضطر لتبرير ذلك، فالذي من المفترض أن يضبط القانون الدولي - أي مجلس الامن والامم المتحدة - هو غير معني بذلك، وما يمارسه الكيان الاسرائيلي من انتهاكات لأجواء الدول أو من اعتداءات، يعتبره هذا المجلس الأممي وكأنه خارج مفاهيم وبنود علّة وجوده، ولو سلمنا جدلاً بأنه فكر يوماً بالتحرك ومحاولة ثني الكيان الاسرائيلي عن اعتداءاته، فالقوة العظمى الحامية للكيان جاهزة للوقوف بوجه أي تحرك في هذا الإطار.

اعتداء الأمس على الأراضي السورية، نفذه العدو بصواريخ بعيدة أو بقاذفات استخدمت الأجواء اللبنانية بعد أن اخترقتها بسهولة، حيث تؤمّن لعدم امتلاك لبنان القدرات الدفاعية المناسبة، وتؤمّن أيضا لزنار الحماية الخارجية الذي خلقته الولايات المتحدة الاميركية في منعها اي امكانية لامتلاك الجيش اللبناني لتلك القدرات المناسبة.

إذا اعتبرنا أن اعتداء الأمس هو اعتداء استثنائي، لأنه يحصل بعد توقف غير بسيط  كان التزم به العدو، فهل يمكن أن نعتبره عودة لقواعد الاشتباك الروتينية التي اعتمدتها دائما "اسرائيل" في استهداف أي نقطة أو موقع داخل سوريا؟ أم يجب أن نضعه في خانة الاعتداء الذي ينتظر رداً استثنائياً من الجيش العربي السوري أو من حزب الله، وبالتالي يكون هذا الرد بمنزلة الذريعة التي تبرر للعدو تنفيذ اعتداء واسع على لبنان وسوريا؟ وفي هذه الحالة، لماذا يبحث نتنياهو اليوم عن هذه الحرب الواسعة؟

لقد أتى هذا الاعتداء مباشرة بعد اعلان العدو عن قرب انتهاء العملية التي أطلق عليها "درع الشمال" للبحث عن الأنفاق، وحيث لم يتم الحفر عملياً للبحث عن الانفاق الا في أربعة أو خمسة مواقع فقط، بالرغم من أن الحدود المشتركة بين لبنان وفلسطين المحتلة تمتد لأكثر من مئة كلم مع مزارع شبعا ضمناً، وبالرغم من أن جميع تلك الحدود مرشحة لأن تحوي أنفاقاً مفترضة، لكي تستطيع استيعاب تدفق العدد الاكبر من وحدات النخبة في حزب الله الى داخل اراضي الجليل عند اي حرب.

واضح أن السبب في قرب توقف عملية "درع الشمال" أو في الادعاء بأنها حققت أهدافها تقريباً، أنها استطاعت تهدئة الرأي العام الاسرائيلي وتحويل أنظاره عن الوضع الداخلي المتوتر بعد استقالة وزير الحرب ليبرمن على خلفية الفشل في مواجهة صواريخ غزة، وبعد وجود حاجة لنتنياهو لتوحيد الداخل بمواجهة قضية جامعة. من ناحية أخرى، فشلت "درع الشمال " في اثنين من أهم أهدافها، الأول كان الحصول على موقف أو رد معين من حزب الله، عسكري أو سياسي أو ما شابه، والهدف الثاني كان إيجاد شرخ بين الدولة اللبنانية والمواطنين من جهة وحزب لله من جهة أخرى، من خلال "فضحه" بقضية الانفاق وكأنه "يغطّس الدولة" بمخالفة بنود القرار الدولي 1701، فلا حزب الله اهتز أو أظهر اي رد فعل، ولا الدولة اللبنانية اغتاظت من حزب الله، بل ظهرت في رأس السهم بمواجهة "اسرائيل" من خلال رزمة من الاجراءات الديبلوماسية في الامم المتحدة والعسكرية على الحدود.

بعد معركة "الانفاق" الفاشلة، تلقت "اسرائيل" الضربة الأخرى الأخطر والأكثر حساسية، وهي قرار الانسحاب الأميركي من سوريا، وحيث اعتبرته أكثر من انسحاب لوحدات خاصة ولمستشارين ولقواعد عسكرية بسيطة منتشرة في الشرق السوري، بل اعتبرته في البعد الاستراتيجي وكأنه سيكون انسحاباً من نقطة الارتكاز الأساسية لدعمها بمواجهة ايران وحلفائها، أو بمعنى آخر، اعتبرته تخلّياً عن احدى النقاط الأكثر فاعلية، التي من خلالها تتحقق أهم الأهداف الأميركية الاستراتيجية في الشرق الاوسط : حماية الكيان الصهيوني.

من هنا، يمكن أن نصنف الاعتداء الاسرائيلي بالأمس على سوريا وعلى مواقع لحلفاء سوريا، بأنه اعتداء هادف للرد بقدرات نوعية فاعلة تسبب خسائر لافتة للعدو، أو هادف لرد فعل عنيف من طرف أو أكثر من أطراف محور المقاومة يمكن أن يمتد داخل الاراضي المحتلة في الجولان السوري أو في فلسطين، فيكون بذلك رد الفعل هذا ذريعة لتبرير اعتداء اسرائيلي واسع على سوريا وعلى لبنان وعلى حزب الله، يُسَبِّب مواجهة مباشرة واسعة وعنيفة تحصل بمستوى مرتفع من القدرات العسكرية النوعية، فيستدعي هذا تدخلا عسكريا اميركيا، يتطور لاستهداف بنك واسع من الأهداف التابعة لايران أو لسوريا أو لحزب الله.

وهكذا يكون الكيان الاسرائيلي من خلال اعتداء الأمس والرد المفترض عليه، قد عمل لجرّ الولايات المتحدة الاميركية الى معركة كانت خارج حسابات الأخيرة حالياً، وتكون "اسرائيل" ايضا من خلال الاعتداء المذكور، قد ساهمت بخلق وضع جديد يستدعي عدول الوحدات الاميركية عن الانسحاب من سوريا، ويستدعي ايضا تغيير الأخيرة لقواعد الانتشار والاشتباك التي تطبع وجودها العسكري في سوريا والمنطقة، وطبعا تكون لمصلحة الأجندة الاسرائيلية.