عيد المقاومة والتحرير

بعضٌ من حكايا الصبر والنصر

15/07/2019

بعضٌ من حكايا الصبر والنصر

بقلم سماحة الشيخ الدكتور أكرم بركات*

خلال العدوان الصهيوني الغاشم على لبنان في تموز 2006، كان سماحة الشيخ أكرم بركات حاضرًا في سوريا على مدار الأيام، في مهمّة غاية في التميّز، ترتبط بأكثر من ملف، بينها متابعة شؤون النازحين هناك، فكان حريصًا على أهل المقاومة في ديار المقاومة. وكانت لسماحة الشيخ مشاهدات مشرِّفة، لا بد من تدوينها، واستذكارها، لتكون درسًا وعِبرة، خص موقع "العهد" الإخباري بها، ومن هنا تبدأ:

* هم سينتصرون وليس الأمّة

في منتصف حرب تموز/ يوليو من العام 2006 كان القرار بلقاء سماحة العلامة الشيخ د. محمد سعيد البوطي.

لم يكن المنزل الدمشقي للشيخ البوطيّ متاخمًا للأرض، بل كان يرتفع عنها بضعة طوابق، لذا كان لا بدّ من الصعود على الدّرجات القديمة لذلك المبنى الصّغير، لا لانقطاع التيّار الكهربائيّ، كما اعتدنا في لبنان، بل لعدم وجود مصعد في تلك البناية.

مع أحد السّادة الأجلاء استقبلني الشيخ البوطيّ في صالونه الصّغير المتواضع مرحِّبًا بابتسامته المعهودة وإلى جانبه أحد أبنائه، وقد ورث من أبيه ملامح الطّيبة، وهدوء النفس.

الشيخ البوطي رحمه الله: هل من الصحيح أن أتساءلَ ـ أنا الجالس المرتاح على هذه الكنبة ـ عن إخلاصه، بينما هو الآن في ساحة الحرب؟

ابتدأتُ الكلام بشكره على موقفه الداعم للمقاومة، المنطلق من طهارة قلب، وبصيرة عقل، مميّزًا بينه وبين الشيخ ابن عثيمين السعودي الذي حرّم في ذلك الوقت الدعاء للمقاومة.

بادرني الشيخ بالحديث عن موقفه من المسلمين الشيعة، بوصفه عالماً سُنّياً متمسّكًا بما يعتقده، وفاجأني بطرحه لتساؤل لديه: هل للشيعة مشروع خاصّ، خلاف ما يُعلنون، كما يُروِّج لذلك الكثيرون، وبالتالي، لا ينطلقون من دافع الاخلاص لله عزّ وجلّ؟
فجأة تلجلج صوت الشيخ، وتغيَّرت معالم وجهه، وأخذ يقول، كمن يتحدث مع نفسه بصوت عال: هل يعقل أن يكون السيّد حسن نصر الله غير مُخْلِص؟

هل من الصحيح أن أتساءلَ ـ أنا الجالس المرتاح على هذه الكنبة ـ عن إخلاصه، بينما هو الآن في ساحة الحرب؟

ترى أين يكون الآن السيد حسن؟

وأخذ الشيخ العجوز يبكي ذارفاً دموعاً كثيرة، ما استدعى نجله لأن يتدخَّل لتهدئته من نوبة تلك العاطفة الفطريّة الصادقة.

لكن الشيخ أكمل حديثه، مع ذرف الدموع، وبحة الصوت، وارتجاف الجسم النحيف: "يا ليتني إصبعٌ من جسد السيّد حسن".

لا أدري، لعلّه كان يتذكّر أثناء كلامه اصبع السيد الذي منحته حركته في تكبيرة الإحرام قوةً أصبح العدوّ يرتجف منه حينما يلوِّح به في خطبه، فهو إصبع التوحيد، وإصبع التهديد، هو إصبع التولي، وإصبع التبري، هو إصبع الجمال، وإصبع الجلال.

لم يكتف العالم المسنّ بتلك الكلمة، بل أردف معبِّرًا عن أمنيته في مقابلة السيِّد بلقاء خاص ليلثم قبضة القوّة، المطهَّرة بوضوء العارف، القابضة على زند السيف المدافع عن الأمّة.

وأكمل الشيخ البوطيّ حديثه، اللابس هذه المرّة معطف الصوفيّ، غير منقطع عن ذرف الدموع الصادقة التي اغتسلت بها روح هذا العالم السنّي، حتى أضحى صفوان أملس، لم تستطع أمطار المذهبيّة أن تستقرّ فيه، فقال: "أنا، منذ بداية هذه الحرب، سافرت إلى حمص قاصداً أحد الأولياء الصالحين، وطلبت منه أن يدعو للمقاومة في لبنان، فإذا به يجيبني: يا شيخ سعيد، منذ بداية هذه الحرب أردّد وردًا خاصّاً لأجل انتصار المقاومة، أبشر يا شيخ سعيد، إنّهم سينتصرون وليس الأمّة".

بعدها ودّعنا الشيخ بما أخجلنا، فهو لم يرتضِ إلا بتشييعنا من طابقه العلويّ إلى السيارة التي أقلّتنا، رغم سنّه الكبيرة، ومقامه الجليل، وصعوبة النزول والصعود بلا مصعد كهربائيّ.

إنها أخلاقه، إنها محبّته للسيّد الذي تأثّر أيّمَا تأثّر حينما رويت له ما جرى في هذا المشهد الشاميّ.

حينما سمعتُ بخبر شهادة الشيخ البوطيّ وهو يلقي درسه في بيت الله لم أتفاجأ؛ فمن كانت تلك مواقفه، تليق به هذه الخاتمة.

*من السيد حسن إلى السيد حسن

أقبلت امرأة سوريّة في العقد السابع من العمر إلى مركز هيئة دعم المقاومة الإسلامية، فتحت حقيبتها التي كانت تحملها، وأخرجت منها كميةً كبيرةً من المال بالعملة السوريّة، وأعطتها لمندوب الهيئة، قائلة: "هذا تبرّع للمقاومة".

اكتب: "من السيّد حسن نصر الله، إلى السيّد حسن نصر الله"

تفاجأ الأخ المندوب من تلك الكميّة من المال، في حين أنّ المرأة لا يبدو عليها الثّراء، ولم يستطع صبراً على حديث نفسه، فسألها عن سرّ ذلك، فأجابت بثقة وهدوء: "اليوم قبضت كامل راتبي التقاعدي، وقد جئت أتبرّع به للمقاومة، فهي أحقّ به مني". اندهش مندوب الهيئة من كلامها، وكادت العبرة أن تخنقه، وهو يستمع إليها قرب المشهد الزينبيّ المبارك. سألها وهو يحمل قلمه ليكتب على إيصال هيئة الدعم اسم تلك المرأة الشريفة، قال لها: هل تتفضّلين عليّ بذكر الاسم الكريم لأكتبه على ايصال التبرّع، فأجابته بعزّة وشموخ: اكتب: "من السيّد حسن نصر الله، إلى السيّد حسن نصر الله".

* نساؤنا بخدمة نسائكم

اتصل بي نائب سوريّ في مجلس الشعب يطلب منّي الحضور إلى أحد المباني الشاميّة التي ذكر لي أنّها خُصّصت لإقامة عوائل المجاهدين في المقاومة الإسلاميّة.

وصلت إلى هناك، وقمت مع النائب بجولة في ذلك المبنى الجديد الذي جُهِّز بأثاث حديث، وما فاجأني فيه تخصيص قاعدة سينما، وكافيتيريا مملوءة بما يحبّه الأطفال، ومصلّىً وضعت فيه أقراص ترابية للسّجود عليها.

حمل النائب "السنّي" قرص سجدة، وأدناه مني سائلاً: هل هذه "السجدات" جيّدة؟!

وما زاد مفاجأتي ما رأيته إلى جانب المبنى من ساحة تشكّل مدينة صغيرة لألعاب الأطفال، وإلى جانبها أدوات مطعم مخصّصة للطعام المعروف بـ "الشّاورما".

قمنا بتنظيم وترتيب كل ما يوفِّر الرّاحة لأطفال المجاهدين وزوجاتهم، حتى الأمور المتعلقة بالخدمة، لا نريد لزوجات المجاهدين أن يرهقن أنفسهنّ

وعند خروجنا من ذلك المبنى التفتُّ إلى وجود بضعة "باصات" أخبرني النائب أنّها بخدمة عوائل المجاهدين حينما يريدون التنقّل داخل دمشق.

شكرتُ سعادة النائب طالباً منه أن ينقل شكري إلى صاحب الفكرة والرعاية لهذه المبادرة الطيّبة، فكان جوابه: إنّ هذه المبادرة هي أقلّ واجب نقوم به مع عوائل المجاهدين الذين يقاتلون هذه الأيّام العدوّ الإسرائيلي في لبنان، ويدافعون عن الأمّة جمعاء، وقد قمنا بتنظيم وترتيب كل ما يوفِّر الرّاحة لأطفال المجاهدين وزوجاتهم، حتى الأمور المتعلقة بالخدمة، لا نريد لزوجات المجاهدين أن يرهقن أنفسهنّ، لذا فـ "نساؤنا سيخدِمْنَ نساء رجال المقاومة".

* أنا من هؤلاء النساء

بعد النّصر المدوّي في حرب تمّوز بساعات اتّصل بي سفير الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة في دمشق طالباً منّي الحضور إلى احتفال سياسيّ في دمشق بمناسبة هذا النصر الإلهيّ. وصلت إلى القاعة فوجدتُها ممتلئة بحضور سياسيّ متنوّع من أكثر من بلد عربي وإسلاميّ.

أطلعني سماحة الشيخ الأختريّ، السّفير الإيرانيّ المخضرم، على برنامج الاحتفال، وأن فيه كلمة لوزير الأوقاف في سوريا، وكلمة للمفتي العام فيها، طالباً أن يكون لي كلمة باسم المقاومة الإسلاميّة والجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة معاً. فكّرتُ سريعاً بما هو مناسب للحديث في هذا المحفل، فخطر في بالي أن تكون الكلمة حول ثقافة المقاومة التي صنعت هذا الانتصار الربّاني الكبير. وأثناء كلمتي استحضرتُ بعضاً من المشاهد الشاميّة التي عايشتها مع الشعب السوري الحبيب أثناء الحرب، وذكرتُ من بين تلك المشاهد ما تقدّم ذكره من قول ذلك النائب السوريّ لي: "لا نريد لزوجات المجاهدين أن يرهقن أنفسهنّ، لذا فنساؤنا سيخدمن نساء رجال المقاومة".

وحينما انتهى الاحتفال أقبل العديد من الحاضرين لتهنئتي، ومن جملتهم أقبلت امرأة متوسّطة في العمر، وقالت لي، والدموع تُذرف من عينيها:" أنا نائب في مجلس الشعب السوري، وأنا كنت من أولئك النساء اللواتي تحدّثت عنهن، كان لي شرف أن أكون في خدمة نساء رجال المقاومة".

* المعاون الثقافي لرئيس المجلس التنفيذي في حزب الله

إقرأ المزيد في: عيد المقاومة والتحرير