خاص العهد

الجامعة اللبنانية.. التوظيف أو "الأزمات"

15/07/2019

الجامعة اللبنانية.. التوظيف أو "الأزمات"

فاطمة سلامة

ثمّة ذهنية خاطئة عمرها سنوات في التعاطي مع ملف الجامعة اللبنانية. تلك الجامعة التي خرّجت آلافاً مؤلفة منذ تأسيسها عام 1951، تُدار بعقلية تُحاصر تطورها وتجعلها في الدرك الأسفل من اهتمام الدولة اللبنانية. نظرة سريعة الى المحطات التي مرّت بها الجامعة الأم للوطن منذ 68 عاماً تُبيّن الإهمال الذي واجهته "أم الفقراء". الكثير الكثير من الحقوق والمكتسبات لم تُنتزع سوى بالإضرابات والاعتصامات، الأمر الذي حال دون أن تأخذ الجامعة اللبنانية حصّتها من الدولة كما يجب. ففي العديد من دول العالم يحتل التعليم الرسمي والجامعات الحكومية رأس الهرم في الاهتمام، يليها الجامعات الخاصة. في لبنان، تبدو الصورة معكوسة، ينظر البعض الى الجامعة اللبنانية على أنها مرفق لا يدر أموالاً على الخزينة. تلك النظرة اختصرتها مقولة لرئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة عندما قال أنّ الجامعة اللبنانية غير منتجة. جملة قالها السنيورة كفيلة بأن تختصر المعاناة التي تعيشها الجامعة اليوم.

في موازنة عام 2019 التي ستمثل أمام الهيئة العامة لمجلس النواب بدءاً من الثلاثاء، ما يدعو للقلق بشأن مستقبل الجامعة اللبنانية. المادة ٧٨ من هذه الموازنة تنص على عدم التوظيف لمدة ثلاث سنوات. وهي الخطوة التي حذّر منها الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله، لافتاً الى أنّ هناك استهدافاً للجامعة اللبنانية. فماذا يعني تجميد التوظيف وما انعكاساته على الجامعة؟.
أيوب: نقص هائل في الموظفين


رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور فؤاد أيوب يبدي في حديثه لموقع العهد الإخباري مخاوف عدة من خطوة وقف التوظيف. برأيه، فإنّ التحذير الذي أبداه سماحة السيد مبني على وقائع ملموسة لا يمكن تجاهلها. الجامعة اللبنانية تعاني من نقص هائل في الموظفين، فهناك بعض الوظائف التي لا يستطيع أن يشغلها سوى من ينتمي الى الملاك أو من يحمل صفة "أجير" أو ما شابه، وهذه المهام لا نستطيع تسليمها لأحد، الأمر الذي يجعلنا أمام إشكالية كبيرة جداً. بالنسبة لأيوب، من المفترض أن يساعد مجلس الوزراء في المرحلة الأولى على إنجاز المباراة المحصورة للمدربين، وفي المرحلة الثانية أن يقوم بإجراء مباراة مفتوحة للتعويض عن النقص الحاصل في المتفرغين بالجامعة.


ويلفت أيوب الى أنه لا يريد التحدث عن مسألة "توظيف" الأساتذة، لكنّه يضيف"  صحيح يجري توظيف الأساتذة وفقاً لقانون 1967، ولكنّهم يمتلكون وضعية مختلفة عن موظفي الادارة، إذ لديهم خصوصية كبيرة جداً، ومن هذا المنطلق علينا مراعاة هذه الخصوصية وتعميق ارتباط الأساتذة بالجامعة اللبنانية". وهنا يطرح أيوب الكثير من الأسئلة المشروعة وجلها تتمحور حول السؤال المركزي: من سيحل مكان الأساتذة المتقاعدين في تدريس الطلاب إذا لم نستطع الاتيان بأساتذة متفرغين جدد؟!. هذه المسألة حساسة جداً -من وجهة نظر رئيس الجامعة- الذي يُشدّد على أنّه لا يوجد جامعة تقوم على متعاقدين بالساعة. الجامعة تحتاج الى أساتذة متفرغين يشعرون بالاستقرار الذي يُشكّل عاملاً ضرورياً لكي تتقدّم الجامعة وتزدهر.

رحال: وقف التوظيف سيشرّع أزمة فعلية أمام الجامعة


عضو مجلس الجامعة اللبنانية الدكتور حسين رحال دعا الى انصاف الجامعة اللبنانية عبر فتح باب التفرغ والانضمام الى الملاك، وإلا فإننا نساهم في إضعاف بنيان هذا الصرح التعليمي ونحد من قدراته. وفق حساباته، هناك 6000 أستاذ جامعي، من بينهم حوالى 2200 أستاذ بين ملاك و"تفرغ"، وهذا الأمر غير سليم، فالعرف والمنطق يفرضان أن تذهب نسبة 65 بالمئة الى "المتفرغين"، و35 بالمئة الى المتعاقدين، لا العكس.
ما سبق ذكره، أضعف كاهل الجامعة –بحسب رحال- الذي يُشير الى أنّ أستاذ الجامعة المتعاقد يجد نفسه مضطراً الى التعليم في جامعة أخرى إضافة الى اللبنانية، ما يُفقده الاستقرار الاجتماعي والذي يعد عاملاً مهماً للمساهمة في تطور الجامعة.
ويتوقّف رحال عند نقطة مهمة جداً تتمثّل بخسران الجامعة اللبنانية حوالى مئة أستاذ سنوياً (تقاعد، وفاة..)، وللأسف هذا الرقم لم يتم تعيين بديل له منذ عام 2014، تاريخ آخر قرار تفرغ أصدره مجلس الوزراء، لتخسر الجامعة المئات على مدى سنوات. ومن هذا المنطلق فإنّ وقف التوظيف سيشرّع أزمة فعلية أمام الجامعة التي تشهد نسبة نمو طلابية كبيرة سجّلت مؤخراً نحو 80 الف طالب جامعي.
وفي معرض حديثه، يلفت رحال الى أنّ سحب الصلاحيات من مجلس الجامعة لناحية التفرغ عام 1997 وإعطائها لمجلس الوزراء شكّل خطأ كبيراً ارتكبته الحكومة آنذاك، أدخلت بموجبه الجامعة اللبنانية في البازار السياسي.


زيعور: الجامعة أمام كارثة

 

مسؤول التعليم العالي في التعبئة التربوية في حزب الله الدكتور عبدالله زيعور يلفت الى أنّ المادة ٧٨ إذا ما جرى إقرارها في الهيئة العامة ستحمل انعكاسات واسعة وتكون الجامعة اللبنانية أمام كارثة بكل ما للكلمة من معنى. كيف ذلك؟، بكل بساطة يوضح زيعور أنّ وقف التوظيف سيؤثر على دورة الحياة الجامعية، فعندما يرتقي الطالب الى صف لاحق، من المفترض أن يجد أساتذة جاهزين وحاضرين لتزويده بالمقررات اللازمة. وقف التوظيف يعني ازدياداً في عدد الطلاب، يقابله نقص في عدد الأساتذة. وهنا يكرر زيعور ما قاله رحال لناحية ان الجامعة اللبنانية تشهد عادةً نقصاً في الأساتذة بمعدل المئة أستاذ سنوياً لأسباب بعضها يتعلّق بظاهرة "التقاعد" عند عمر الـ64، أو الاستقالة (سفر، انتقال الى جامعة خاصة)، أو الوفاة. وفي الحالات الثلاث تخسر الجامعة اللبنانية من كادرها العلمي ما يجعلها بحاجة الى أساتذة جدد لاستمرار دورة الحياة الأكاديمية. تجميد التوظيف يعرّض الجامعة للمجهول ويعرض شهادتها أيضاً للمجهول. تلك الشهادة التي تشكّل علامة فارقة في التعليم، يقول زيعور.
ويوضح زيعور أنّ الجامعة خسرت على مدى ست سنوات  حوالى 600  أستاذ وإذا ما أضفنا اليهم الثلاث سنوات القادمين، تكون الجامعة قد خسرت حوالى 900 أستاذ، ما يعني مشاكل جمة ستواجهها الجامعة. مشاكل ربما لن تستطيع معها الاستمرار في التعليم أو حتى منح الشهادات لبعض الاختصاصات، ما يعني حكماً "تدفيع" المواطنين الثمن، بعد تعطيل الحياة الأكاديمية والادارية في الجامعة.

ويختم زيعور حديثه بالتشديد على ضرورة إنقاذ الجامعة اللبنانية، الصرح التعليمي الذي يعطي فرصاً متكافئة للجميع دون استثناء.

إقرأ المزيد في: خاص العهد