خاص العهد

11/07/2019

لبنان رهينة الدولار

يوسف الريس

لطالما انتهج مصرف لبنان المركزي سياسة الفوائد المرتفعة لأجل الهدف الأسمى، تثبيت الليرة. فقد نجح المصرف المركزي تحت حكم رياض سلامة بتحقيق الهدف الأول للسياسة النقدية بالحفاظ على ثبات الليرة طوال ثلاثين عامًا، لنصل اليوم إلى دوامة تعاميم تحاول جذب الدولار لتعويض النقص المتزايد في العملات الأجنبية.

آخر تعاميم المركزي تقضي برفع الفائدة على الدولارات الجديدة لتصل الى 14.33% لأصحاب الودائع على أن يكون الربح للمصارف ما بين 5% و7% إذ أن الفائدة التي ستستحصل عليها المصارف من المصرف المركزي من 19% إلى 21%. أحد شروط المنتجات الجديدة أن تكون الوديعة تفوق المليون لعشرين مليون دولار.

الهندسات المالية ليست بعامل جديد على الساحة المصرفية اللبنانية. فمنذ 2016 يتجه المصرف المركزي لاعتماد هذه السياسة لتحصيل الدولارات للحفاظ على ثبات الليرة

هذه الخطوة كانت إبان تقديرات بخروج ما يقارب الـ 10 مليارات دولار من لبنان خلال سنة.
عمليًا، الهندسات المالية ليست بعامل جديد على الساحة المصرفية اللبنانية. فمنذ 2016 يتجه المصرف المركزي لاعتماد هذه السياسة لتحصيل الدولارات للحفاظ على ثبات الليرة بحسب تصريحات الحاكم رياض سلامة بينما يتهمه بعض الاقتصاديون بانتهاجه ما يدر الأرباح للمصارف على حساب الدولة اللبنانية.

فالواقع يشير إلى أن السياسة النقدية اللبنانية كانت ولم تزل في خدمة المصارف. لا مبرر لسلوك طريق منفرد للحفاظ على الليرة برفع الفوائد من أجل جذب العملات الأجنبية وإرهاق الاستثمار في القطاعات الإنتاجية مما انعكس على ميزان الدفوعات. فلبنان لا ينتج وبالتالي يستورد ولا يصدّر. بحيث تقارب وارداته العشرين مليار دولار ولا تتجاوز صادراته الثلاثة مليارات دولار على أحسن تقدير.
هذا الاستنزاف الدائم لقدرات البلد الاستثمارية عبر حصر أرباحها من الفوائد المرتفعة جعل لبنان بلا بنية للقطاعات الانتاجية مما سبب عجزًا متصاعدًا في ميزان المدفوعات. ونتج عن هذا العجز ارتفاع في الدين العام وعجز في الميزانية العامة.

الفائدة هي ثمن الخطر والوقت الذي يتحمله أصحاب الودائع عند إيداعهم أموالهم في المصارف

نظريًا، إن الفائدة هي ثمن الخطر والوقت الذي يتحمله أصحاب الودائع عند إيداعهم أموالهم في المصارف. وبالتالي، إن عملية رفع الفائدة على الدولار وإن كانت تحت عنوان هندسة مالية أو منتجات متفرقة لنفس المدة الزمنية تدل على ارتفاع ثمن الايداع. أي إن أحد المتغيرين الثمن أو الوقت ارتفع ليقوم المصرف المركزي برفع الفائدة. وهنا تنجلى حقيقة هذه المنتجات، إن الخطر يتصاعد وثمن هذا الخطر الفوائد المرتفعة،
فلبنان اليوم يتهرب من تفجّر الأزمة التي تبلورت خلال ثلاثين عاما.

لم تكن المشكلة في تثبيت الليرة على قدر ما كانت بسعر الصرف. منذ انتهاج هذه السياسة كان معلوم لدى الجهات الاقتصادية أن القيمة الحقيقية لليرة تفوق الألفين الليرة على أحسن تقدير. ومع ذلك قرر أصحاب القرار حينها بتثبيت الليرة بسعر يفوق حقيقتها وما بذلك من سياسات تنهك القطاعات الإنتاجية وتربك الاستثمار.

يحدّد المصرف المركزي هدف سياسته بشكل واضح الحفاظ على ليرة ثابتة. خدمت هذه السياسة المصارف اللبنانية بحيث باتت شريكة في قرارات السياسة النقدية. وعلى منحى آخر كانت المصارف تستثمر في قطاع العقارات نظرا لدعم المصرف المركزي هذا القطاع وفي ديون الدولة. لم ينعكس حجم القطاع المصرفي ايجابًا على الاقتصاد اللبناني بل احتكر موارد الدولة.

يقف المصرف المركزي حاليًا على شفير الهاوية نتيجة سياسة نقدية جعلت من العقارات فقاعة ومن المصارف دائني الدولة. ابتعد المصرف المركزي عن صرف أموال الدولة في دعم القطاعات المنتجة وحصر دعمه بقطاعي المصارف والعقارات. وما نعيشه اليوم ليس سوى نتيجة الهدف والوسائل التي اعتمدها المصرف المركزي منذ تسعينيات القرن الماضي ولم يخرج منها حتى الآن. ليبقى السؤال متى ستنفجر الأزمة في لبنان؟

إقرأ المزيد في: خاص العهد