خاص العهد

خطر المخدرات في لبنان يتزايد: أين الدولة؟

05/07/2019

خطر المخدرات في لبنان يتزايد: أين الدولة؟

فاطمة سلامة

لم يستطع نبيل (اسم مستعار) أن يؤدي مهمّته الموكلة اليه من أحد تُجار المخدرات دون أن يفتضح أمره. المصيبة ليست هنا، فنبيل يبلغ من العمر 12 عاماً أي لا يزال طفلاً لا حول له ولا قوة. طفلٌ غُرّر به فحوّل مدرسته الى مكان لترويج المخدرات، بأمر من وحش بشري لا يضرب حساباً لا لطفولة ولا لمراهقة. الأوامر لنبيل لم تقتصر على الترويج، أوكلت اليه مهمة تغرير أحد رفاقه الأطفال في المدرسة لاستقطابه للعمل. لم يسكت زميل نبيل عن الأمر، أخبر أهله بما حصل، فجنّ جنونهم. على الفور هاتفوا جمعية جاد-شبيبة ضد المخدرات التي بدورها تواصلت مع إدارة المدرسة. الأخيرة أخبرت الأمن، فأوقفه رجال الشرطة وجرى تحويله الى لجنة القاصرين في وزارة العدل. الموقف ذاته تكرّر مع ماجد (اسم مستعار) وله من العمر 12 عاماً أيضاً، إلا أنّ مدرسته لم تُبلّغ عنه بل جرى ترحيله الى مدرسة أخرى بسبب الذعر الذي أحدثه بين الأهالي، وهو الآن يخضع للمراقبة. 

هذه عينة من القصص التي تحدث بيننا والتي يرويها لموقع "العهد" الإخباري رئيس جمعية "جاد-شبيبة ضد المخدرات" الأستاذ جوزيف حواط. وهي قصص تُشرّع معها الكثير من الأسئلة في بلد وصل فيه الخوف حد المدارس. ماذا يفهم هذا "الولد" أو ذاك من الحياة ومن هذه التجارة "المقيتة"؟!. أين الدولة والأهل من كل ما يحصل اليوم في هذا الملف الذي بات يُشكّل خطراً على مجتمعنا؟!. 

يستهل حواط حديثه بالإشارة الى التقصير الفادح والكبير الذي تبديه الدولة حيال ملف خطير بهذا الحجم. مكتب مكافحة المخدرات برأيه في شبه غيبوبة. أكثر من ذلك، يبدي المتحدّث عتباً على القرارات التي تُشجّع ولو عن غير قصد المدمنين. يُعطي مثالاً على ذلك القرار الذي صدر عن مدعي عام التمييز والذي يطلب فيه عدم توقيف المتعاطي في بيروت وإحالته بموافقته على لجنة الادمان كي يخضع للعلاج بسبب اكتظاظ السجون. هذا الأمر برأيه يخلق بلبلة بين المناطق، ويُشكّل حافزاً على الإدمان. وفق حسابات حواط فإنّ الأجواء المحيطة بهذا الملف مخيفة، خصوصاً لناحية اللامبالاة التي يظهرها المسؤولون اللبنانيون، والذين -للأسف- يتورّط بعضهم في ملف المخدرات، وقد رأينا عدة حالات من هذا النوع. 

بالنسبة لحواط، باستطاعة الدولة لعب دور مهم في هذا السياق، إذ لديها القدرة المالية وهي تساهم بدعم الكثير من الجمعيات، ولكن للأسف، تلك التي تتبع سياسيين وتخص فلاناً وعلاناً، وهي جمعيات أغلبها لا تعمل -بنظر حواط- الذي يطالب الدولة بالقيام بمهامها كما يجب فهذا الملف وطني بامتياز. كما يُطالبها بأن تعمد الى زيادة عديد مكتب مكافحة المخدرات الذي وللأسف يبلغ سبعة أشخاص فقط، وهذا أمر غريب جداً!. 

لدى سؤاله عن الأرقام، يجزم حواط بأنّ آخر إحصاء أجري حول المخدرات في لبنان كان عام 2000. حينها، أجرته جمعية "إدراك" بالتعاون مع الأمم المتحدة وبعض الجمعيات. أما اليوم فيتم الاستعانة بالأرقام التي تصدر عن التقرير السنوي للأمم المتحدة، والذي صدر منذ أيام لمناسبة اليوم العالمي لمكافحة المخدرات. نسبة النساء بدت في التقرير المذكور ملفتة جداً بحيث شكّلت 20 بالمئة موزّعة بين زراعة، تعاطٍ، ترويج، وتجارة. وهي نسبة كبيرة جداً بحسب حواط الذي يلفت الى أنّ أعداد المتورطين في المخدرات من تعاطٍ وتجارة الى تضاعف عاماً بعد عام، بحيث تزداد نسبتهم بشكل مخيف. والأخطر من ذلك -برأيه- يكمن في مشكلة تدني الأعمار التي لم نشهدها من قبل، إذ بلغ المعدل الوسطي للأعمار في لبنان ما بين 16 و17 عاماً بعد أن كان 23 عاماً منذ أربع سنوات.

 

خطر المخدرات في لبنان يتزايد: أين الدولة؟

 

يُبدي حواط عتبه الشديد على الإعلام. الآخر متورط أيضاً في الواقع الذي وصلنا اليه في لبنان. كيف؟. عندما تُجري مؤسسة إعلامية حلقة تلفزيونية على مدى ساعتين مع تاجر للمخدرات يتحدّث وكأنه "يرشح زيتاً" ويقوم بالأعمال الخيرية، وتظهيره وكأنه النجم. هذا الأمر لن يمر مرور الكرام -بالنسبة لحواط- على المتلقين، خصوصاً الفئة الشبابية التي قد تطمح لتكون بهذا الموقف، وبالتالي يسهل التغرير بها. كما يدعو حواط الدولة الى إقامة مراكز علاج وتأهيل للمساهمة في الحد من هذه الظاهرة التي باتت عبئاً كبيراً على المجتمع. 

يتحدّث حواط عن عمل الجمعية التي يرأسها والتي تأسّست عام 1981. يلفت الى أنّها تعمل على تطوير عملية التوعية من هذه الآفة الاجتماعية، بحيث بات التركيز بنسبة 20 بالمئة على العلاج و80 بالمئة على التوعية بعد أن كانت الصورة معكوسة، على قاعدة الوقاية خير من قنطار علاج. وفي هذا الصدد، يستغل حواط المناسبة ليُبدي عتبه على تقصير الدولة لجهة التمويل، بحيث لا تحصل الجمعية سوى على 35 الى 50 مليون ليرة لبنانية سنوياً من وزارة الصحة وهو مبلغ ضئيل مقارنة بالمهام التي تقوم بها. 

يختم رئيس جمعية "جاد-شبيبة ضد المخدرات" حديثه بالتشديد على ضرورة أن تولي الدولة أهمية كبرى لهذا الملف الخطير عبر اتخاذها قرارات حاسمة، وأن تساهم في دعم الجمعيات الفاعلة بعيداً عن الجمعيات الوهمية التي تتقاضى أموالاً بلا عمل. 

الأسباب متشعّبة والنتيجة واحدة

وفيما تتجّه هذه الظاهرة نحو مزيد من الانتشار، ثمّة عوامل نفسية واجتماعية تلعب دوراً في دفع الشباب الى تعاطي المخدرات، وخصوصاً المراهقين. عن هذه الأسباب يتحدّث الطبيب النفسي والخبير في علاج الإدمان الدكتور فضل شحيمي، فيلفت الى أنّ عوامل عدة تقف وراء تحول الأشخاص من طبيعيين الى مدمنين، على رأسها:

1- الجهل بالأضرار، فسوء فهم العواقب التي قد تتأتى عن المخدرات قد يؤدي الى الوقوع في شباك الإدمان سواء عن قصد أو غير قصد، على سبيل المثال، فإنّ البعض يُروّج لثقافة أنً الحشيش لا يخلق إدماناً وليس لديه أية تداعيات، وهذه نظرية خاطئة جداً ليس لها أي مستند علمي، لكنها تنجح في انتشار المخدرات.

2- التفكك الأسري وإهمال الأهل وانشغالهم عن متابعة أبنائهم. قد يكون الانشغال نتيجة الظروف الحياتية الصعبة والضاغطة، لكنّ نتيجته واحدة. 

3-عدم قيام الدولة والمؤسسات التربوية والمجتمع المدني بالأدوار المطلوبة كما يجب.

 

خطر المخدرات في لبنان يتزايد: أين الدولة؟

 

الأسباب المذكورة آنفاً يُضاف إليها -وفق شحيمي- عدة عوامل أخرى متشعّبة كالاستخفاف الذي يُبديه المجتمع حيال الندوات التوعوية التي تُعقد للحديث عن مخاطر المخدرات والتي لا يتعدى الحضور فيها خمسة أو ستة أشخاص، كذلك الاستهداف الخارجي الممنهج للفئة الشابة لتخديرها وتمرير بعض المشاريع وإلهائها بقضايا ثانوية بعيداً عن قضاياها الجوهرية.
 

إقرأ المزيد في: خاص العهد