alahedmemoriz

آراء وتحليلات

كوشنير والجعجعة بلا طحين

26/06/2019

كوشنير والجعجعة بلا طحين

علي إبراهيم مطر

تمثّل "البروباغندا" إحدى الوسائل الّتي يتمّ اللجوء إليها في عالم السّياسة والاقتصاد وغيرهما من أجل تحسين صورة عملها أو تحسين صورة أحد رموزها. وتعد "البروباغندا" نمطاً من الدّعاية الّتي تهتم بنشر المعلومات من خلال توجيه مجموعةٍ مكثفةٍ من الرّسائل، لتقوم بالتّأثير على سلوك وآراء عددٍ كبيرٍ من الأشخاص المستهدفين، وتقدم في أحيان كثيرة معلوماتٍ ناقصةٍ.

هذه هي حالة ورشة البحرين الأميركية، التي لا تعدو كونها "بروباغندا" إعلامية، لحدث أريد منه أن يغير وجه المنطقة وفق الاستراتيجية الأميركية. فواشنطن تسعى إلى إعادة تريب منطقة الشرق الأوسط سياسياً، بشكل لا يجعلها تنفك عن هيمنتها، لكن هذا الحدث الذي يريد كي وعي الشعوب العربية، ليبني "إسرائيل" الكبرى لن يكون إلا جعجعة بلا طحين، لن تسمن ولن تثمر، إذا ما وقفت الشعوب العربية وفي مقدمها الشعب الفلسطيني في وجهها..

"Much About Nothing" هو اسم واحدة من مسرحيات شكسبير المهمة حيث يترجمها البعض ـ ضجة بلا فائدة ـ أو ضجة فارغة، وقد عرفت بـ"جعجعة بلا طحن". هكذا ظهر مؤتمر البحرين، في الشكل والمضمون. لم تكن ورشة المنامة على قدر تطلعات مريديها، لم تقدم جديداً غير معلن، ولم تستطع أن تحجب ما تسعى إليه واشنطن من خطة سياسية، على الرغم من محاولات إخفائها عبر الخطة الاقتصادية التي يقدمها جاريد كوشنير.

الجديد كان عبارات كوشنير المنمقة التي أراد بها تلميع صورة رئيس البيت الأبيض وصفقته، لكن عوضاً عن ذلك جعل الأذهان تتذكر خطاب "عمه" الاستعلائي. لم يظهر "المؤتمر" على قدر الصخب الذي رافقه كحدث يراد منه تغيير وجه الشرق الأوسط. الحاضرون في المؤتمر لا يعدو كونهم ممثلين غير قادرين على اتخاذ القرارات، فقد ظهر عبر ضعف تمثيل الدول العربية التي شاركت مدى الخوف من هذه الخطوة، ولم تكن مشاركة هذه الدول إلا لأمور ثلاثة، فمنها من باع ذمته من أجل بعض الأموال، وآخر شارك لكي لا تتأثر علاقته مع واشنطن، وثالث يريد من خلف هذه الخطة لعب دور أكبر في المنطقة من خلال توسيع علاقاته مع اسرائيل وإرضاء الإدارة الأميركية. إلا أن الضربة القوية للورشة، أتت من الدول المقاطعة.

لم يأت كوشنر بجديد، هو فقط كرّر ما قاله في تصريحاته الإعلامية لوكالة "رويترز". استخدم صهر الرئيس الأميركي فقط عبارات جديدة للشرح الذي قدمه للخطة من على منبر المنامة المطبع والبائع للقضية الفلسطينية بدعم سعودي، ونظرت إليه وجوه البائيعن، ويبدو عليها آثار جريمة التنازل عن حقوق الشعوب العربية.

حاول صهر ترامب اليهودي المتصهين، خلال شرح خططه، أن يغري الأطراف الموجودة، بالأموال، لكنه لم يخبر من أين سيأتي بها. كان واضحاً أنه يريد فتح الطريق للإعلان بعد حين عن الخطة السياسية، التي ستبني "دولة اسرائيل"، معتبراً أنّ "الاقتصاد شرط مسبق ضروري لتحقيق السلام"، حيث يريد شراء الذمم العربية بأموال لا تغني ولا تسمن، فالسعودية وحدها تستثمر 400 مليار دولار في أميركا، فكيف به يريد شراء القضية الفلسطينية بأموال هو لا يملكها أصلا؟ لكن إن لم تستح فأفعل ما شئت.

أراد كوشنير "المستثمر الأميركي اليهودي" أن يشتري الشعب الفلسطيني بـ25 مليار دولار، لكن المظاهرات التي خرجت في كل فلسطين ومدعومة بالمظاهرات العربية ستسقط أحلامه. وقال مالك شركة "كوشنر بروبرتي" إن ما طورناه يمثل الخطة الاقتصادية الأكثر شمولاً للفلسطينيين والشرق الأوسط الأوسع.. بإمكاننا تحويل هذه المنطقة من ضحية لصراعات الماضي إلى نموذج للتجارة والتقدم في أنحاء العالم"، فهو إلى جانب والد زوجته  يريد أن يسيطر على المنطقة العربية باموال لا يملكها وتدفعها السعودية.

لا تنفصل صفقة كوشنير عن تطبيق استراتيجية الهيمنة الأميركية على النظام الدولي، والتي تنظر إلى الشرق الأوسط بوصفه باب العبور الدائم لذلك. ويكمن الهدف الأساسي وراء المؤتمر الذي عقد في البحرين، في الترويج للخرائط التي ظهرت خلال العرض الذي قدمه كوشنير، حيث ستكون هذه الخرائط التي لم تحدد حدود الدول العربية، هي الهدف القادم الذي سيعلن عنه.

لكن يبدو أن الطموح السياسي الجامح لدى الشاب الأميركي، يجعله يسقط من حساباته أن محاولات واشنطن في الشرق الأوسط، كان مصيرها السقوط دائماً، من احتلال العراق عام 2003، إلى الحرب الإسرائيلية المدعومة أميركيا على لبنان عام 2006، وصولاً إلى سقوط ورقة "داعش" وأخواتها في سوريا والعراق، التي استخدمتها واشنطن بدعم خليجي لإعادة ترتيب الأوضاع السياسية في الشرق الأوسط، عبر إخضاع سوريا وإسقاط ذكر القضية الفلسطينية وتقسيم الدول العربية وشرذمتها لتثبيت الهيمنة الأميركية على الشرق الأوسط، ونظرية "أمن إسرائيل" أولاً من أجل بناء الدول الإسرائيلية الكبرى التي يتطلع إليها الصهاينة، واليوم لن تنجح هذه الصفقة التي تستخدمها واشنطن من بوابة مؤتمر البحرين في إنهاء القضية الفلسطينية.

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات