alahedmemoriz

آراء وتحليلات

القمة الأمنية الثلاثية: بين طموحات

24/06/2019

القمة الأمنية الثلاثية: بين طموحات "تل ابيب" وقيود الواقع الاقليمي

جهاد حيدر

لا يعتبر أصل انعقاد القمة الأمنية بين مستشاري الأمن القومي الاميركي جون بولتون، والإسرائيلي مئير بن شبات، والروسي ينيكولاي بتروشيف، مؤشراً كافياً على استكمال عناصر نجاحها. بل قد يكون أصل انعقادها في هذه المرحلة هو مطلب إسرائيلي وحتى للروسي الذي يهمه المحافظة على علاقات جيدة مع تل ابيب ايضا. أضف إلى أن مستقبل الوجود الايراني وحلفائه في سوريا، ليس قضية منفصلة عن مجمل الوضع الاقليمي والصراع مع "إسرائيل". وهو قضية تتداخل مع العديد من القضايا الاقليمية، التي لموسكو مواقف منها تتقاطع فيها مع الجمهورية الاسلامية في ايران.

مع ذلك، لا شك أن أصل انعقاد القمة يشكل انجازا شخصيا لنتنياهو، بفعل نجاحه في اقناع الطرفين الدوليين بعقد قمة بهذا المستوى في "إسرائيل". والخدمة الأهم التي يمكن أن توفرها هذه القمة لشخص نتنياهو أنه يستطيع أن يقدم صورة "إسرائيل" على أنها طرف له مكانته الدولية في ظل قيادته. وتستطيع تل ابيب "التفاخر" بحقيقة أن كافة الدول العظمى تحرص على أفضل علاقات معها بغض النظر عمن يتولى قيادتها، بمن فيها روسيا التي تتحالف مع اعداء "إسرائيل" على قاعدة مواجهة الارهاب والهيمنة الاميركية في المنطقة.

العنوان الأهم الذي يحضر لدى المراقبين حول خلفيات وأهداف موافقة موسكو على المشاركة في هذه القمة، أنه لولاها لما كان للقمة معنى. وحول ذلك، تسود في "تل ابيب" تقديرات مفادها أن موسكو تسعى للتقرب من الولايات المتحدة وهي تدرك أن لذلك أثماناً لا بد أن تقدمها لـ"تل ابيب" كمدخل لترتيب العلاقة مع واشنطن. فيما يذهب البعض بعيداً في تقديراته في شرح خلفية الموقف الروسي، بالقول إنها تعبير عن استعدادها لتبني المطلب الإسرائيلي باخراج ايران وحلفائها من سوريا. وينطلق هؤلاء من تصور مفاده أن "إسرائيل" فرضت نفسها كـ "قوة استراتيجية وضرورية لا يمكن بدونها تحقيق أي تسوية في سوريا". وهو ما دفع الرئيس بوتين إلى التسليم بحقيقة أنه "بدون "إسرائيل" سيواجه صعوبات في تحقيق الاستقرار في سوريا".

في المقابل، تسود تقديرات من نوع آخر، حضرت بشكل أو بآخر في كلام رئيس الاستخبارات العسكرية، اللواء تامير هايمن، الذي رأى أن المعيار الاساسي الذي يؤثر على الموقف الروسي هو قدرتهم على التموضع بين الاطراف كقوة مُرجِحة بينهم. ولذلك، هم يتحركون بين السياسة التي تسمح لإسرائيل بالعمل ضد ايران في سوريا وبين الحرية التي تملكها "قوة القدس" في الاراضي السورية.

ينطوي هذا التقدير على مفهوم أساسي يشكل مصدر قلق في "تل ابيب" وهو أنه ليس من مصلحة موسكو حسم التجاذب القائم لمصلحة أي من الاطراف الآن. من جهة، إن العمل على اخراج ايران وحلفائها (على فرض أن ذلك ممكن) من سوريا سوف يؤدي إلى تداعيات سلبية على تحالفاتها على مستوى المنطقة. وسوف يبقي نفوذها في سوريا رهينة الموقف الاميركي والإسرائيلي، لأنها تدرك أنه بدون محور المقاومة لن تستطيع وحدها مواجهة أي ضغوط يمارسها الثنائي الاميركي - الإسرائيلي، وحلفائهم في المنطقة.

في المقابل، لا تريد موسكو ايضا أن تكون جزءًا من محور المقاومة على قاعدة مواجهة "إسرائيل". وهو ما يدفعها للتحرك في المساحة الرمادية التي تلتقي فيها مع "إسرائيل" ومع محور المقاومة في الوقت نفسه.

المستجد الاضافي الذي يتوقع أن تكون له تداعياته على مجمل المسار الاقليمي، بما فيه القمة الامنية، هو تعزيز ايران قوة ردعها في مواجهة واشنطن بعد سلسلة التطورات التي شهدها الخليج وآخرها اسقاط الطائرة المسيرة الاميركية الاكثر تطوراً، وهو ما سوف يؤسس لمعادلات مغايرة. أضف إلى ذلك أن المنطقة مقبلة على مزيد من المتغيرات وتحديداً بعد السابع من تموز الجاري. وقبل كل ذلك، من غير المتوقع الفصل في أي من الملفات المطروحة قبل اتضاح مآل ما ستؤول اليه الضغوط الاميركية على ايران، والرد الايراني على ذلك.

في ضوء ذلك، من المستبعد جدا أن تتمكن "تل ابيب" من تحقيق ما تطمح اليه من القمة على خلفية الظروف السياسية التي تمر بها المنطقة، وفي ظل موازين القوى الاقليمية القائمة. وجل ما قد تتمكن من تحقيقه هو التأسيس لمسارات سوف تكون مرهونة بتطورات المنطقة، والترويج لانجاز شخصي لنتنياهو يحتاج اليه في ظل الحملة الانتخابية التي تعتبر مصيرية بالنسبة له.

واذا ما تجاوزنا الظروف السياسية الحالية، هناك شكوك حتى في تل ابيب، حول ما إن كانت موسكو تملك القدرة على اخراج ايران وحلفائها من سوريا، حتى لو أرادت ذلك. فكل من الطرفين (الروسي ومحور المقاومة) يحتاج إلى الاخر في سوريا. وحتى لا يغيب عن بالنا أن "شبه" الحسم العسكري مع الجماعات الارهابية تم بالتعاون بين الطرفين. اضف إلى ذلك أن أي قرار في هذا المجال ينبغي حكما أن يمر عبر الرئيس السوري بشار الاسد، الذي اثبتت تجارب نحو عقدين، أنه جزء أصيل من محور المقاومة، بل هو رأس الهرم في المواجهة ضد "إسرائيل" والهيمنة الاميركية في المنطقة المتاخمة للكيان الإسرائيلي.

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات