أربعينية الإمام الحسين(ع)

آراء وتحليلات

أوروبا تدخل في دورة الزلازل الاجتماعية

22/12/2018

أوروبا تدخل في دورة الزلازل الاجتماعية

صوفيا ـ جورج حداد

هناك الكثير من المراقبين السطحيين الذين "فوجئوا" بالتحركات الاحتجاجية الشعبية الأخيرة في أوروبا، التي ـ حتى الآن ـ اتخذت طابعاً أكثر عنفاً في فرنسا وفي باريس خاصة. وبعض هؤلاء المراقبين يعتقدون أن هذه التحركات ما هي سوى موجة عابرة ذات أهداف سياسية ـ انتخابية لا أكثر ولا أقل.

ولكن هذه الموجة هي أعمق بكثير مما يبدو على السطح. وقد لاحظ المحللون أنها تتصف بثلاث مميزات هي:

الأولى ـ أنها انطلقت بشكل عفوي مفاجئ بدون الارتباط بأي حدث سياسي بعينه.

الثانية ـ أن الدعوة اليها لم تتم من قبل أي حزب محدد أو نقابة محددة أو جبهة أحزاب أو نقابات، وأن القائمين بها هم مواطنون من مختلف الاتجاهات والانتماءات السياسية والفكرية، من اليسار واليمين والوسط و"غير المنتمين"، انطلقوا بشكل عفوي للتعبير عن غضبهم.

الثالثة ـ أن القضية المركزية التي جمعت هؤلاء المحتجين هي التعبير عن الغضب ضد التدهور المعيشي بمختلف أشكاله.

كل ذلك يعني أن هذه الموجة ليست تعبيراً عن سياسة أي حزب معين، أو عن أزمة سياسية معينة، بل هي تعبير عن أزمة النظام الاقتصادي ـ الاجتماعي ـ السياسي القائم.

وهذه ليست أزمة جزئية وعابرة، بل أزمة شاملة ودائمة.

ويمكن التوقف عند النقاط التالية:

1 ـ إن النظام الاقتصادي ـ الاجتماعي ـ السياسي الغربي بمجمله يعيش على شفير الهاوية. وهو يستمر في العيش بفضل الاستمرار في نهب شعوب البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة السابقة في آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية. وكانت بوادر الانهيار ظاهرة للعيان في أواخر القرن الماضي. ولكن انهيار المنظومة السوفياتية أعطى النظام الغربي "جرعة تغذية" جديدة تمثلت في قيام الاحتكارات الرأسمالية العالمية بنهب البلدان الاشتراكية السابقة بشكل وحشي لا سابق له. وتُوجت هذه العملية بتدمير وغزو صربيا في 1999. ولكن نهوض روسيا القومية ـ الاورثوذوكسية بقيادة فلاديمير بوتين وضع حدا لهذه العملية، واعاد الكتلة الغربية الى التخبط بالأزمة الوجودية لنظامها الاقتصادي ـ الاجتماعي ـ السياسي.

2 ـ عام 2008 انفجرت الأزمة المالية ـ الاقتصادية في أميركا، وانعكست بشدة على أوروبا. لكن أميركا استطاعت الخروج من الأزمة المالية الخانقة عن طريق نظامها المالي ذاته الذي يسمح لها بزيادة الدين العام للدولة وطباعة كمية اضافية من الدولارات الورقية بدون تغطية ذهبية، وهي ميزة تتمتع بها أميركا وحدها في النظام المالي العالمي. أما أوروبا، التي انعكست عليها بشدة أزمة 2008، فإنها عالجت الأزمة مؤقتاً عن طريق القروض الكبرى التي قدمها صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الاوروبي والدولة الالمانية الى الدول الأكثر تضرراً (وخاصة اليونان واسبانيا) حتى لا تنهار تلك البلدان وينهار خلفها الاقتصاد الاوروبي بمجمله.

  في 2014 وبعد وقوع الانقلاب الفاشستي في أوكرانيا، المعادي للروس وروسيا، والمدعوم من قبل أميركا، انفجرت الأزمة الروسية ـ الاوكرانية، التي انتهت بإعادة ضم شبه جزيرة القرم الى الوطن الأم روسيا والى انفصال مقاطعتين في جنوب شرق أوكرانيا هما دونيتسك ولوغانسك واعلانهما كـ"جمهوريتين شعبيتين" مستقلتين (غالبية سكان المقاطعتين هي من الروس والناطقين بالروسية).

وحاولت أوكرانيا المستحيل لاسترجاعهما بالقوة، ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً أمام بسالة المتطوعين الشعبيين في "الجمهوريتين". وردا على هذا الفشل للسياسة الغربية المعادية لروسيا وللروس، عمدت أميركا الى سياسة فرض العقوبات الاقتصادية ضد روسيا. وقبل أن يتعافى الاقتصاد الاوروبي من الأزمة اضطرت الدول الاوروبية مكرهة على السير كالتابع خلف أميركا ومجاراتها في سياسة العقوبات ضد روسيا. ولا شك أن روسيا تأثرت جزئيا بالعقوبات الا أن وضعها العام كان "يا جبل ما يهزك ريح". وقد ردت روسيا بتدابير جوابية، خصوصا على صعيد استيراد المواد الغذائية والمنتجات الزراعية مما أصاب الاقتصادات الاوروبية بأضرار كبيرة أكبر بما لا يقاس من الاضرار التي أصابت الاقتصاد الروسي.

وبعد مجيء ترامب الى البيت الابيض انسحب من "الاتفاق النووي" مع ايران وأعاد فرض العقوبات الاقتصادية ضد ايران. ورغم معارضة الحكومات الاوروبية للانسحاب من "الاتفاق النووي" الا أن الشركات الاوروبية الكبرى اضطرت الى مقاطعة ايران حتى لا تتعرض هي ذاتها للعقوبات الاميركية. والخاسر الاكبر في هذه العملية هو ايضا اوروبا والاقتصاد الاوروبي.

بفعل هذه العوامل جميعا فإن الاقتصاد الاوروبي العام، ولا سيما القطاعات الانتاجية الصناعية والزراعية، بدأ في الانكماش والتقهقر، ولم تعد تنفع معه جميع العلاجات المالية المؤقتة.

والآن تعمل الشرائح السياسية الاوروبية الحاكمة لمعالجة الأزمة التي يشتد خناقها على الدول والشعوب الاوروبية.

وهذه الشرائح السياسية، بمختلف اتجاهاتها اليمينية والوسطية واليسارية، المحافظة والليبيرالية، انما هي تمثل مباشرة أو غير مباشرة، الطبقة الرأسمالية الاحتكارية صاحبة السلطة الفعلية. ولهذا فإن الإجراءات الاصلاحية التي تقوم بها الشرائح السياسة الموجودة في الحكم، لمواجهة الازمة المالية ـ الاقتصادية، تحرص على أن لا تمس مصالح الطبقة الرأسمالية الاحتكارية، بل أن تصونها وتدافع عنها.
وهذا ما يفسر السياسة الغبيّة، اللااجتماعية واللاانسانية، التي تنتهجها الشرائح السياسية الحاكمة لمواجهة الازمة، والموجهة بشكل عام ضد الجماهير الشعبية الواسعة وتتمحور حول زيادة الضرائب على الاستهلاك الشعبي، وتخفيض الاجور والمعاشات التقاعدية،  وتقليص الميزانيات المخصصة للخدمات كالصحة والتعليم والبنية التحتية، والتوجه نحو خصخصة القطاع العام كالاستشفاء والاتصالات والمواصلات العامة والمياه والكهرباء الخ.

وكنتيجة منطقية لهذه السياسة اللاانسانية واللاوطنية، جاء اليوم الذي طفح فيه كيل الغضب الشعبي فانفجر بشكل عفوي وتلقائي بدون اعداد لا من حزب ولا من نقابة.

وبدأ الانفجار الشعبي في العاصمة الفرنسية باريس، ثم عم المدن الفرنسية الاخرى، ثم انتقل الى بلدان اوروبية اخرى كبلجيكا والنمسا واسبانيا واليونان وصربيا. ولكن اعنف الاحتجاجات جرت حتى الآن في باريس. وبلغ عدد القتلى في فرنسا منذ اندلاع الاحداث 7 اشخاص هم ضحايا الرأسمالية المتوحشة. وفي احد ايام الاحتجاجات بلغ عدد رجال الشرطة والدرك اكثر من 90 الفا، وانزلت السلطات المصفحات لقمع المتظاهرين، وبلغ عدد الجرحى اكثر من 750 جريحا وعدد المعتقلين اكثر من 2000 معتقل في يوم واحد.

وليس هناك حتى الآن أي اجراء يرضي الجماهير الغاضبة ويهدئ غضبها، بل ان السلطات تفكر في كيفية "تحسين" الأساليب القمعية وتفكيك صفوف الجماهير الغاضبة عن طريق الوعود الكاذبة والتضليل.

إن الطبقة الرأسمالية الاحتكارية الاوروبية والشرائح السياسية التي تمثلها هي عاجزة عن حل الأزمة المالية ـ الاقتصادية التي تعانيها. وقد دخلت اوروبا في دورة زلازل اجتماعية ـ سياسية. ولا احد يستطيع التنبؤ كيف ستتطور الأحداث في القارة العجوز بعد الان.
 

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات