آراء وتحليلات

العدوان الإسرائيلي على دمشق: قراءة في الخلفيات والنتائج 
06/04/2024

العدوان الإسرائيلي على دمشق: قراءة في الخلفيات والنتائج 

حيان نيوف

شهدت الأيام الأخيرة قيام الكيان الصهيوني بتكثيف اعتداءاته على سورية، حيث طالت تلك الاعتداءات مواقع متفرقة عسكرية ومدنية في كلّ من دير الزور وحلب ومؤخرًا في العاصمة دمشق.

لم يكن من المفاجئ أن تمارس "اسرائيل" سياستها الإجرامية بالعدوان على الأراضي السورية، وهو أمرٌ واظبت عليه طوال سنوات مستغلة انشغال الجيش العربي السوري بمكافحة الإرهاب الذي كانت "اسرائيل" أحد رعاته الرئيسيين. ولطالما ترافقت الاعتداءات الصهيونية مع تحركات وهجمات للإرهابيين من "داعش" و"النصرة" على الأرض ضدّ مواقع الجيش العربي السوري والمدنيين في ذات التوقيت، وهو ما فضح التنسيق القائم بين الطرفين، والتبعية المطلقة لتلك التنظيمات الإرهابية لرعاتها الصهاينة والأميركيين على وجه التحديد. 

ما هو جديد في الاعتداءات الثلاثة الأخيرة أنها كانت أشد وحشية وجرأة من قبل الكيان الصهيوني، وهو ما عكسه حجم الدمار وأعداد الشهداء وطبيعة المواقع المستهدفة والتي كان آخرها الاعتداء على القنصلية الإيرانية في حيّ المزة في العاصمة دمشق والذي نتج عنه استشهاد العديد من القادة العسكريين في الحرس الثوري الإيراني وعلى رأسهم العميد محمد رضا زاهدي ونائبه، بالإضافة إلى شهداء سوريين مدنيين وعسكريين، في خرق فاضح لكل مواثيق الأمم المتحدة والأعراف الدولية. 

خلفيات التصعيد الإسرائيلي  

لا يمكن فصل التصعيد الإجرامي للكيان الصهيوني داخل الأراضي السورية عن النتائج الميدانية والسياسية التي أفرزها طوفان الأقصى بعد ستة أشهر من انطلاقه في 7 أكتوبر 2023 وانعكاسات تلك النتائج على واشنطن و"تل أبيب". ويمكن لنا تلخيص أهم تلك الخلفيات بما يلي: 

• انسداد الأفق السياسي بوجه واشنطن و"تل أبيب" وفشلهما في فرض حل سياسي يضمن مصالح كلٍّ منهما ويشكّل مخرجًا لهما للهروب من شبح الهزيمة والالتفاف على الخسائر الفادحة المتراكمة والمتدحرجة التي أصابت كلًّا منهما. 

• التبدلات الحاصلة في خرائط النفوذ الإقليمية على الصعيد الجيوسياسي والجيواقتصادي والطاقوي، وذلك بعد أن أصبحت الممرات البحرية والبرية وحقول الطاقة امتدادًا من المحيط الهندي والخليج وبحر العرب والبحر الأحمر ووصولًا إلى شرق المتوسط وكذلك في العراق وسورية، كلّ ذلك بات ضمن قوس استهدافات مكونات محور المقاومة. 

• العجز الأميركي الإسرائيلي عن فرض شرط الخروج الإيراني من سورية، وبالتالي فإن كلًّا من واشنطن و"تل أبيب" تظن أن هذا التصعيد الخطير ربما يدفع طهران ودمشق لمناقشة هذا البند تحت ضغط الاعتداءات الوحشية، أو تشكيل رأي عام ضاغط لتحقيق ذلك كنتيجة للإجرام الذي خلفته تلك الاعتداءات. 

• تدرك كلّ من واشنطن و"تل أبيب" أن سورية تشكّل حلقة الربط والوصل بين مكونات محور المقاومة والعمود الفقري لهذا المحور، وأن سنوات الحرب التي شنت عليها لم تستطع تغيير هذا الدور الجيوسياسي والاستراتيجي لها، وأن محور المقاومة لن يتراجع عن أهدافه بطرد الأميركي من سورية وحتّى من العراق، وأنه غير مستعد لتقديم تنازلات مقابل ذلك. 

• طوال طوفان الأقصى وقبيل كلّ جولة لوزير الخارجية الأميركي بلينكن للمنطقة كانت واشنطن تلجأ بشكل مباشر أو عبر "تل أبيب" أو التنظيمات الإرهابية إلى تنفيذ اغتيالات أو تفجيرات أو اعتداءات جوية بهدف الضغط على محور المقاومة للقبول بالمخطّطات التي كان يحاول بلينكن تمريرها خلال جولاته، وهذه المرة أرادت واشنطن وكنتيجة لفشل الجولات الست السابقة لبلينكن أن ترفع من منسوب الإجرام والاستفزاز تمهيدًا لاشتباك أوسع ينتهي بتسوية تنقذ ماء وجهها أو توقف تراجعها وتدحرج خسائرها. 

الموقف الأميركي بعد العدوان على دمشق

من اللافت أن المواقف الصادرة عن الإدارة الأميركية بعيد الاعتداء الأخير على القنصلية الإيرانية في العاصمة السورية دمشق بدت أقل حدةً وأكثر اعتدالًا وتراجعًا، وهو ما يتقاطع مع الخلفيات التي تحدثنا عنها. وتدرجت المواقف الصادرة عن واشنطن انطلاقًا من رفض استهداف البعثات الدبلوماسية ومرورًا بتهديد الرئيس بايدن بوقف دعم حرب نتنياهو على غزّة، ووصولًا إلى دعوته لوقف فوري لإطلاق النار. 
تمثل تلك المواقف تحولًا هامًا واستراتيجيًا لواشنطن، وبالحد الأدنى تحولًا تكتيكيًّا، ويمكن إرجاع هذا التحول إلى أسباب عدة نذكر أهمها: 

• خشية واشنطن أن يتحول الرد الإيراني إلى مواجهة مفتوحة تطال الكيان الصهيوني من كلّ جبهات المحور وتدفع بواشنطن للتدخل المباشر إلى جانبه، وهو ما يعني بالضرورة استهدافًا لتواجدها في الإقليم من قبل محور المقاومة كردة فعل حتمية. 

• لا شك بأن واشنطن قرأت جيّدًا التلميحات الصادرة عن المقاومة العراقية والمتعلّقة بشكل رئيسي بالأردن وإمكانية ضمه إلى محور المقاومة، وهو ما تضمنه بيان المسؤول الأمني في المقاومة العراقية "ابو علي العسكري" الذي أكد الجاهزية لإطلاق وتسليح المقاومة الإسلامية الأردنية بقوام 12000 مقاتل.  
تدرك واشنطن أن استيلاد حركات مقاومة جديدة في الأردن وتحول الجغرافيا الأردنية إلى ساحة مواجهة سيشكّل واحدة من أخطر الخسائر الكارثية عليها وعلى "تل أبيب" نظرًا لما يمثله الأردن من عمق أمني واستراتيجي لكل منهما، وخاصة أن واشنطن وقعت منذ عامين اتفاقية دفاعية مع الأردن بهدف تحويله إلى أكبر منطقة تواجد عسكري لها في الإقليم بما يحمي مصالحها ومشاريعها وأمن الكيان الصهيوني، وأن الشارع الأردني يغلي بشكل يومي والمظاهرات تزداد دعمًا لغزّة وهناك تخوف أميركي حقيقي من فقدان السيطرة على الشارع الأردني.

احتمالات الصراع والتسوية: 

يتضح مما ذكرناه أن واشنطن كانت على علم مسبق بالعدوان الإسرائيلي على دمشق قبل حصوله، بل إنه جاء بدوافع أميركية وقرار إسرائيلي، وعلى الرغم من أن واشنطن تصر على التاكيد أنها لم تكن على علم بالاعتداء قبل وقوعه وأنها ليست شريكة به، فإن هذا النفي الأميركي لضلوعها بالعدوان سواء لجهة اتّخاذ القرار أو التنفيذ لا يعدو كونه مراوغة سياسية تهدف إلى التنصل من المسؤولية ومن تبعاتها الميدانية، ويأتي استكمالًا لما تخطط له. 
إن واشنطن التي دفعت "اسرائيل" للقيام بالعدوان تعتمد ذلك نهجًا مارسته في السابق وما تزال يقوم على مبدأ التصعيد أولًا بهدف الوصول لتسوية لاحقة، وهذا أسلوب ليس بغريب على السياسة الأميركية لطالما لجأت إليه خاصة عندما تشعر بانسداد الأفق أمام مخطّطاتها وشعورها بقرب الهزيمة، وهي تدرك أن لا إمكانية أمامها الآن لمنع الرد الإيراني، وتظنّ أن الرد الإيراني ومهما بلغت درجته ومفاعيله لا بد أن ينتهي إلى وقف لإطلاق نار إقليمي وليس في غزّة فقط، وأن باستطاعتها إجبار "اسرائيل" على ابتلاع هذا الرد أيًا كانت آثاره، والهدف النهائي هو الخروج من المأزق الذي وجدت نفسها به. 

أخيرًا؛ لا بد من القول بأن الرضوخ الأميركي هو أمرٌ حتمي، وأن لا بديل لواشنطن عنه، وأن زمن المكابرة والمراوغة قد انتهى، وأن محور المقاومة يدرك جيّدًا أن النتائج التي حققها وخاصة ما يتعلق منها بخرائط النفوذ وقواعد الاشتباك يجب تثبيتها، وأن مكوناته باتت جزءًا من المعادلات الإقليمية والدولية الجديدة ولا يمكن القفز فوقها، وأن تلك النتائج كفيلة بتحقيق النصر النهائي، وهو ما عبر عنه الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله في خطابه بقوله "يجب أن نعمل للخروج من المعركة منتصرين وشامخين، وأن نلحق الهزيمة بالعدو وكلّ  من يقف وراءه. يجب أن نبني على نتائج طوفان الأقصى للوصول إلى الهدف النهائي".

الجمهورية الاسلامية في إيرانجيش العدو الاسرائيلي

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية



 

مقالات مرتبطة