weeklymajles

عين على العدو

قرار الانسحاب الاميركي من سوريا: فشل إسرائيلي.. وتراجع في النفوذ

20/12/2018

قرار الانسحاب الاميركي من سوريا: فشل إسرائيلي.. وتراجع في النفوذ

جهاد حيدر
أقل ما يمكن أن يوصف به قرار ادارة ترامب بانسحاب القوات الأميركية من سوريا، أنه حدث دراماتيكي جدا بالنسبة للكيان الإسرائيلي، ويجسد خيبة أمل قاسية جدا بالنسبة لمؤسسة القرار السياسي والامني في تل ابيب، وهو تعبير عن تحولات استراتيجية دولية وإقليمية، سيكون لها مفاعيلها المباشرة على المكانة الاستراتيجية لـ"إسرائيل".
 
فورا ومن دون فاصل زمني، بدأت تداعيات القرار الأميركي في الساحة الداخلية الإسرائيلية تتوالى على ألسنة كبار المسؤولين الإسرائيليين وفي وسائل الاعلام والرأي العام.

وتحولت قنوات التلفزة والعديد من وسائل الاعلام إلى منصات لتحليل مفاعيل وتداعيات القرار الأميركي على المستويات الاستراتيجية والسياسية فيما يتعلق بـ"إسرائيل" والمنطقة. ولوحظ أنه لم يكن هناك مجال للمكابرة والانكار، وخاصة أن الحديث يدور عن حدث مفصلي يتصل مباشرة بالأمن القومي الإسرائيلي. وفي ذلك، يمكن تسجيل العديد من الملاحظات والتقديرات:

النظرة العامة الإسرائيلية لهذا القرار، أن مصدر القرار واشنطن، ولكن تداعياته ستكون في تل ابيب وفي كل ما يتصل بمعادلات الصراع مع "إسرائيل" والمنطقة. وبالتالي هو قرار أميركي المنطلق والتنفيذ، لكنه قرار إسرائيلي لجهة النتائج والتداعيات.
أياً كانت المبررات التي سيطرحها ترامب والعناوين التي سيضع في اطارها قرار الانسحاب، فهو يُعبر عن فشل إسرائيلي صارخ وتراجع أميركي اضافي على حد سواء. البعد الإسرائيلي تمثل بفشل مساعي نتنياهو الحثيثة في اقناع ترامب لتأجيل قرار الانسحاب وربطه بالوجود الايراني، وسبق أن عبر عن ذلك في شهر تموز/ يوليو الماضي، كما نقلت قناة "كان" في التلفزيون الإسرائيلي، بالقول "حسبما أفهم الموقف الأميركي، وقيل بصورة علنية، فإنها (الولايات المتحدة) لن تنسحب من سوريا قبل انسحاب إيران" من سوريا. 

في البعد الأميركي، لا يُغيِّر كون قرار الانسحاب تعهد به الرئيس الاميركي دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية، من حقيقة كونه ترجمة لخيار تبلور لدى الادارة الأميركية، أو على الاقل لدى قسم منها وتحديدا لدى ترامب، في ضوء فشل الخيارات والرهانات البديلة التي كان يفترض أن تحقق الولايات المتحدة أهدافها وطموحاتها من خلالها، وخاصة أن الولايات المتحدة وجدت نفسها في أعقاب ذلك، أمام خيارات وسيناريوهات محدودة، وعليها أن تختار بينها، مع علم مؤسساتها الامنية والسياسية بالسلبيات والمخاطر التي تنطوي عليها.

تأسيساً على ما تقدم، من الواضح أن "إسرائيل" خسرت أهم ورقة كانت تراهن عليها من أجل الضغط باتجاه المساومة على الوجود الايراني. وذلك بعدما فشلت الرهانات على دفع الجانب الروسي لتبني خيار الضغط على ايران من أجل سحب قواتها وحلفائها من سوريا. وكانت تل ابيب ترى أن البديل عن اقناع الروسي يكمن في محاولة مساومته على خروج الولايات المتحدة، الذي يشكل مطلباً أساسياً له في الساحة السورية، لاعتبارات متعددة، عبر معادلة بأن يكون الانسحاب الأميركي في مقابل الانسحاب الايراني. وتراهن تل ابيب بأن موسكو ستجد نفسها ملزمة باقناع و/ أو الضغط على الجمهورية الاسلامية من أجل الموافقة على انسحابها، مع حلفائها،على أمل أن يسمح ذلك بتهيئة الارضية في الدفع نحو انسحاب القوات الأميركية، وهو ما تطمح اليه موسكو، لأكثر من اعتبار استراتيجي وسياسي، يتجاوز في ابعاده ونتائجها الساحة السورية ايضا.

مع ذلك، تبقى خسارة "إسرائيل" للرهان على الولايات المتحدة كقوة يمكن أن تشكل حاجزاً مادياً وعسكرياً، يحول دون التواصل الجغرافي بين أطراف محور المقاومة، من طهران حتى الضاحية الجنوبية في بيروت مرورا بالعراق وسوريا، هي الخسارة الأهم. وترى تل ابيب أن هذه القضية تشكل أهم مصدر تهديد مستقبلي لما قد يترتب على هذا التواصل من تداعيات على الامن القومي الإسرائيلي. ويشكل هذا العنوان (التواصل الجغرافي) الذي تحوَّل إلى مفردة أساسية في الخطاب السياسي والامني الإسرائيلي، إطاراً عاماً تندرج تحته العديد من التفاصيل المتصلة بالتهديدات الحاضرة على طاولة أجهزة التقدير الاستخباري في تل ابيب، إن لجهة نقل الاسلحة النوعية بعيداً عن الاعين الأميركية والإسرائيلية، وبدون قيود جدية تهدف إلى الحد من هذا المسار، أو لما قد يترتب على ذلك من خطوط امداد مفتوحة بين اطراف المحور، وأيضا لجهة ما يساهم ذلك في تعزيز التداخل السياسي والاقتصادي والامني...
 
في كل الأحوال، ما زلنا في بداية الحدث ويتوقع أن تتوإلى تداعياته السياسية والأمنية، في الظهور تباعاً على الساحتين السورية والاقليمية. ومن الان يمكن التقدير أن هذا الحدث تحوَّل إلى محطة أساسية في وعي القادة والنخب الإسرائيلية التي ستحفر عميقاً لجهة ما تنطوي عليه من رسائل وأبعاد، وتؤكد مرة أخرى للجميع حقيقة أنه لا يوجد أوضاع سياسية خالدة.
  

إقرأ المزيد في: عين على العدو