نقاط على الحروف

لبنان واللبنانيون ضحية دولة فاقدة للأهلية!

270 قراءة | 12:44

محمد علي جعفر

يعيش لبنان حالة من الضياع يقودها أهل السلطة أقروا بذلك أم لم يُقروا. فالمشكلة لم تعد تتعلق بتفاصيل الخلافات الواضحة حول الموازنة وكيفية حل الأزمة المالية والإقتصادية ومن يجب أن يدفع كلفة الإصلاح فحسب، بل يتضح يوماً بعد يوم أن أهل السلطة في لبنان يعانون من مشكلة الإبتعاد عن مقاربة أزمات الدولة والمواطن ضمن إطار عقلية الدولة ومصلحة الشأن العام. المشهد كما يبدو واضحاً، يُعبِّر عن الترهل الذي يحكم الدولة اللبنانية والخلل الذي يطغى على النظام اللبناني ككل!

خلال الأيام الماضية، أظهر المشهد اللبناني وضوح التناقض بين أركان الدولة من أجهزة وسلطات وتيارات. فعلى سبيل المثال، تصرفت القطاعات بحسب مصالحها وكأن كل قطاع ينتمي لدولة، وبات كلٌ يدعو للحفاظ على مصالحه الخاصة والتي يبدو أنها تتناقض مع مصالح البقية. من جهة أخرى، أظهر سلوك مصرف لبنان وجمعية المصارف قدرتهم على التحكم بعصب الإقتصاد اللبناني وكان سلوكهم أشبه الى الإبتزاز. وحده المواطن  بعيد عن النقاش الدائر وينتظر  نتائج القرارات وتأثيراتها عليه. وهو رغم انتمائه الى مصالح البعض، لا يمكن لومه، حيث أنه لا يستطيع أن يرى إلا لقمة عيشه المُهددة. فموظفوا القطاع العام مثلاً،  يعيشون حالة من الترقب لما ستؤول اليه نقاشات الموازنة.
ولأن المجال لا يتسع لذكر كافة التفاصيل، يمكن القول أن المشهد اللبناني يُظهر وبوضوح هشاشة الدولة والنظام اللبناني. فكما أن اصطفاف الأطراف (التي تنتمي الى القطاع العام) خلف مصالحها، ينبع من شعورها بالتهديد الوجودي لأمانها الإجتماعي والوظيفي،  فهو يدل أيضاً على غياب الإطار الجامع لمصالح الدولة بإختلاف تفاصيلها. الأمر الذي لا يمكن أن تحققه إلا "رؤية كلية شاملة"، إقتصادية المنحى بشكل أساسي، وتحدد مصالح الدولة بكافة أجزائها. يحتاج ذلك لأن يُقرر أهل السلطة السياسية والنقدية، أن يتفقوا على مصلحة الدولة، ليخرجوا بإستراتيجية بحجم الوطن تطرح التحديات والفرص وتُؤسس للنقاش السليم الخاص بمستقبل لبنان والمواطن.

لكن وعلى الرغم من الحاجة لذلك، يَظهر مؤشر خطير يدل على الغياب الكلي لعقل الدولة دون الإلتفات الى ما يعنيه ذلك على لبنان مرحلياً واستراتيجياً، وهو ما يكفي كدليل على فقدان الدولة لأهلية إدارة مصالح الوطن!

أسئلة عديدة تُعبر عن الغموض الطاغي على مستقبل لبنان. هل يُدرك أهل السلطة تأثيرات استخدام السياسة النقدية في بازار التجاذب السياسي على الإقتصاد والوضع المعيشي للمواطن؟ وماذا لو أدت مقامرة البعض الى حدوث انهيار في سعر صرف الليرة؟ وماذا يعني كلام البعض عن أن أهل السياسة النقدية واثقين بقدرتهم على منع الإنهيار؟ أولا يُعتبر ذلك استغلالاً لمصالح الدولة الكلية لغايات جزئية؟ وأين مصلحة التجارة والأسواق والسياحة اللبنانية مما يجري؟

أسئلة كثيرة باتت تُعبر بحد ذاتها عن واقع الصراع الخفي بين أقطاب السلطة. والأكثر غرابة غياب الشفافية في إيضاح السياسات، وترك الجميع رهن لعبة الإعلام التي تهوى السبق الصحفي على حساب الكلام الموثق والمدروس. فأي بلدٍ تُديره هذه السلطة؟ وكيف تقرأ هذه الدولة الشأن العام ومصالح المواطن؟

عادة في هذه الظروف، تقوم الدول بطرح رؤية شاملة، تدرسها في الصالونات المغلقة، وتعلن نتائجها على المواطن بشكل مدروس ومُمنهج. حينها تُصبح كافة الإجراءات تفاصيل، ضمن استراتيجية كلية تذوب فيها المصالح الصُغرى أمام الهدف الإستراتيجي. تُعبر هذه الأستراتيجية عن خارطة طريق معلومة الغايات وتهدف بشكل رئيسي لدعم كافة قطاعات الاقتصاد الوطني. حينها، تلقى الإجراءات التقشفية، على اعتبارها تفاصيل ظرفية، تأييد المواطن لأنها سيحصل على مقابل من تقديمات أخرى. وحينها تجد القطاعات نفسها أمام واقع واحدٍ ومتكامل. وحينها ايضاً يتوافق الجميع على الأهداف، ويُصبحون أكثر استعداداً لتقديم التنازلات. هكذا يرضى الجميع بالعرض الذي تقدمه الدولة الساعية لتأمين معيشة كريمة للمواطن.

في لبنان، يمتلك أهل السلطة موهبة الرؤية الجزئية. وهي الموهبة التي لا تخدم رجالات الدولة، بل تتناقض مع صفاتهم الرئيسية. يغرق القيمون على الشأن العام بتفاصيل ظرفية، ويغرق معهم أهل السياسة. يُقدمون معاً مواد دسمة للإعلام اللبناني الأبعد ما يكون عن مصلحة المواطن والأقرب ما يكون الى مهارات السبق الصحفي على قاعدة نقل ما يجري! كل ذلك يُولِّد واقعاً لبنانياً يغرق فيه المواطن بالتفاصيل. اليوم، بات اللبنانيون جميعاً متخصصون في الإقتصاد والنقد والسياسات المالية!

هنا تظهر المشكلة اللبنانية بإزدواجيتها. القيمون على الشأن العام أغلبهم بعيدون عن أهلية قيادة الشأن العام وتحديد مصلحة الدولة، جاؤوا كنتيجة للظروف اللبنانية مع ما تعنيه الظروف اللبنانية! من جهته يفتقد الواقع اللبناني للمعرفة الخاصة بالدولة وإدارة الشأن العام ومصالح الوطن والمواطن. أما التيارات السياسية فهي بحد ذاتها حالة متناقضة كونها وليدة هذا الواقع!

قد يختلف كثيرون في مقاربة التفاصيل. وهو الأمر الطبيعي. لكن الحكم دائماً هو المعايير التي تُحددها الخطة الإستراتيجية للدولة. في لبنان يغرق الجميع بالتفاصيل، في ظل غياب الرؤية الشاملة، ما يعني فقدان المعايير. بالنتيجة يعيش لبنان دوامة الأزمة. أزمة يُديرها القيميون بعقلية المصالح الخاصة بعيداً عن عقلية الدولة. واللبنانيون هم الضحية. هكذا يكون لبنان واللبنانيون ضحية دولة فاقدة للأهلية!