خاص العهد

 "الضمان" بين شطب البنود و"شطبه"

03/05/2019

 "الضمان" بين شطب البنود و"شطبه"

فاطمة سلامة

عندما نتحدّث عن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فإننا حُكماً نتحدّث عن الملاذ الذي يلجأ اليه مئات الالاف من اللبنانيين لتأمين الرعاية الصحية والاجتماعية. هؤلاء لا "يتخيّلون" أنفسهم يوماً واحداً خارج "خيمة" هذا الصندوق في لبنان الذي ترتفع فيه تكاليف الطبابة والاستشفاء والأدوية.  كثيراً ما نسمع من حولنا كلاماً من عائلات تحمد الله على نعمة "الضمان". وفق قناعاتها، لولا هذه المؤسسة لكانت حالتها بالويل.  يكفيها ما يكفيها من هموم معيشية واقتصادية. إلا أنّ المفارقة تكمن في أنّ "الضمان الاجتماعي" الذي يبدو أكثر من حق للمواطن على الدولة، والذي يتربع على قمّة هرم التقديمات في الكثير من البلدان، تبدو "ديمومته" في لبنان بخطر. نظرة سريعة الى مشروع قانون الموازنة للعام 2019 تكشف اللثام عن مجموعة بنود ستُصيب جوهر عمل الضمان لو قدّر لها "المرور". 

هذه البنود شكّلت الأساس في التحركات التي خاضها الاتحاد العمالي العام. بالنسبة لرئيسه بشارة الأسمر، ما أدرج في الموازنة لناحية الضمان خطير جداً، وعلى الدولة استدراك الموقف بشطبه، خصوصاً لجهة المادة 43 التي تعفي الدولة من سداد الفوائد على ديونها العائدة للصندوق والتي التزمت بتقسيطها، وهو الأمر الذي يُشدّد وزير المال علي حسن خليل على أنّه غير صحيح. وفي حديثه لـ"موقع العهد الإخباري" يوضح خليل أنّ المطروح في الموازنة لن يثني الدولة عن سداد الفوائد المتوجبة عليها للضمان، هذا الأمر غير قابل للنقاش، والمادة 43 "شكلية" لا تُقدّم ولا تؤخّر. برأيه، فإنّ البعض يقارب بنود الموازنة من خلفيات سياسية. 

 

 

ما يقوله خليل، يقرأه الأسمر على أنّه ثمرة للتحركات التي خاضها الاتحاد العمالي، والتي تُوّجت أمس باللقاء الذي عُقد في وزارة المال والذي كان ايجابياً لجهة قول خليل إن لا شيء "منزَلٌ" في الموازنة. وفي هذا الصدد، تكشف المعلومات أنّ اقتراحاً خطياً سيعده وزير العمل كميل أبو سليمان بالتوافق مع مدير عام الضمان الاجتماعي محمد كركي يتمحور حول تقسيط الدولة للمستحقات عبر آليات جديدة قد تكون بواسطة سندات الخزينة. وهو الأمر الذي يتمنى كركي أن يُحل انطلاقاً من ضرورة المحافظة على ديمومة الضمان، متمنياً  في حديث لموقعنا أن لا تكون هذه المواد بداية لسحب يد الدولة تدريجياً من الرعاية الصحية والاجتماعية. 

 

 

يوجز كركي "المشاكل" التي يعانيها الضمان مع الدولة، والتي تزداد تفاقماً مع البنود المدرجة في مشروع الموازنة، ما يُثير برأيه الكثير من علامات الاستفهام. ولعل المادة 43 المتعلّقة بالفوائد المستحقة على الدولة والتي التزمت بتقسيطها بقوانين صدرت عن المجلس النيابي، هذه المادة تكاد تكون الأخطر. للصندوق في ذمة الدولة مئات المليارات المتراكمة منذ عام 2006 ولغاية عام 2017. بتاريخ 31/12/2017 أوقفت الدولة "التقسيط"، وفي الخمس سنوات الأخيرة لم تُسدّد الدولة من المستحقات المتوجبة عليها سوى 70 مليار ليرة، بينما المفترض أن تدفع 1500 مليار ليرة، بناء على قاعدة مساهمة الدولة بنسبة 25 بالمئة من اجمالي التقديمات التي يدفعها الضمان. 

وعليه، يوضح كركي أنّ على الدولة أكثر من 450 مليار ليرة يتوجّب دفعها كمساهمات استناداً الى معطيات العام 2018. هذا المبلغ يُقسّم على النحو التالي:

ـ 225 مليار ليرة مساهمة الدولة في فرع المرض والأمومة
ـ 54 مليار ليرة مساهمة الدولة في اشتراكات السائقين العموميين
ـ 2.6 مليار ليرة مساهمة الدولة في اشتراكات المخاتير 
ـ 1 بالمئة مساهمة الدولة في الضمان الصحي للمتقاعدين والذي بلغت قيمته عامي 2017 و2018 (109 مليارات ليرة).
ـ 20 مليار ليرة تغطية عجز الضمان الاختياري
ـ 3.8 مليار ليرة مبالغ سنوية لتعويض نهاية الخدمة 
ـ 52 مليار ليرة بدل اشتراكات عن أجراء الدولة 

هذه المستحقات المتوجبة على الدولة ـ وفق كركي ـ بدلاً من أن تسعى الى دفعها وتسديدها، فاجأتنا الأخيرة بالمواد المدرجة في مشروع الموازنة، وبالميزانية التي لحظتها لصندوق الضمان والبالغة 292 مليار ليرة أي أقل بكثير مما طالبنا به. وفوق كل ذلك، تتهرّب الدولة من  تسديد الـ109 مليارات بدل مساهمتها في الضمان الصحي للمتقاعدين. لقد اضطررنا الى الاستدانة من فرع نهاية الخدمة لتمويل الضمان الصحي والتعويضات العائلية، يقول كركي، الذي يلفت الى أنّ هذا الأمر كبّد الصندوق فوائد أكثر من مئة مليار سنوياً. 

 

 

انسحاب الدولة من مشروع الضمان الصحي للمتقاعدين ـ وفق كركي ـ يُشكّل ضربة "قاصمة" للاستقرار الاجتماعي في لبنان، ما يوجد خللاً كبيراً في التوازن المالي ويُهدّد استمرارية الضمان لأكثر من 8000 شخص، ويُتوقّع أن يرتفع العدد الى 70 ألف شخص يُشكّلون بالإضافة الى عائلاتهم حوالى 150 ألف شخص. 

ويتناول كركي المادة 40 التي تُعطي حوافز لاستخدام أجراء لبنانيين تتحمّل الدولة كلفة اشتراكاتهم في الضمان، فيؤكّد أنّ هذا الإجراء جيد لناحية تحفيز المؤسسات لاستخدام أجراء جدد ما يحفّز الاقتصاد، لكن تطبيقه صعب وايجابيته مقرونة بدفع الدولة هذه الاشتراكات، وفي هذا الصدد لدينا مخاوف خصوصاً أنّ التجربة مع الدولة خلال السنوات الماضية لم تكن مشجّعة. 

وفي الختام، وفيما يُعرب كركي عن تفاؤله إزاء التطمينات التي وردت والايجابية التي برزت، لا يتخيّل لبنان يوماً واحداً بلا ضمان. وبناء عليه، يطالب بحذف البنود الستة وكل ما يسيء الى الضمان من مشروع الموازنة، ويُشدد على ضرورة رصد الاعتمادات اللازمة والمتوجبة على الدولة حفاظاً على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

إقرأ المزيد في: خاص العهد