خاص العهد

هل تنجو حقوق العمال من شر "الموازنة"؟

02/05/2019

هل تنجو حقوق العمال من شر "الموازنة"؟

فاطمة سلامة

مذ بدأت الاجتماعات بين القوى السياسية لمناقشة الموازنة وتسرّبت أجواء اللقاءات، والحديث لا يزال قائماً حول "تدفيع" العمال فاتورة الحل. قيل الكثير عن ظلم سيلحق بالقطاع العام إذا ما بقيت الموازنة على ما هي عليه. وقيل أيضاً عن تنصل المصارف وفي "ظهرها" قوى سياسية من المساهمة في الحل. سُجّل العديد من الملاحظات على هامش مشروع الموازنة الذي اعتبره البعض "أفضل الممكن". ولعلّ الملاحظة الأكثر تكراراً على لسان المراقبين تمثّلت في عدم تضمين الموازنة أي رؤية اقتصادية تُسهم في رفع الايرادات وتخفيض العجز كما ينبغي. كلام كثير قيل ويُقال في هذا الصدد. كلام لو طُبّق حقاً لسار لبنان في ركب الاصلاح الحقيقي ولتحوّل الى "جنّة"، كما يقولون. 

وعلى وقع النقاشات الجارية لإقرار الموازنة، لم يجد العمال سوى الاعتصام ملاذاً للتعبير عن رفضهم لما يمس بحقوقهم. يشعر هؤلاء بغبن ومظلومية غير مبرّرة مطلقاً، وهو الأمر الذي لا يبدو متطابقاً مع ما يصدر عن أهل السياسة في لبنان. الاستماع الى تصريحاتهم وإطلالاتهم الاعلامية تبدو خارج السرب. لا توحي مطلقاً بأنّ ثمّة ما يقتص من حقوق العمال ومكتسباتهم. وفي هذا السياق، يُشدّد رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر على أنّ بعض الهواجس في محلها الصحيح، خصوصاً أنّ هناك اقتراحات لم تتضمنها الموازنة لكن قوى سياسية تدفع الى السير بها ومنها زيادة الضريبة على البنزين والمس بالتقديمات التي تعطى للعمال.  

يُشدد الأسمر على أنّ الإضراب الذي ينفّذه الاتحاد العمالي العام جاء في الدرجة الأولى سعياً وراء الحوار مع السلطة السياسية من أجل إنجاز موازنة إصلاحية على قدر "الخراب" الاقتصادي. بداية الحوار انطلقت ـ وفق الأسمر ـ باللقاء الذي عقد اليوم في وزارة المالية بين الاتحاد العمالي ووزير المال علي حسن خليل. يشير الأسمر الى أنّ أجواء اللقاء كانت جيدة، حيث برزت إيجابية في بعض الأمور كمسألة الضمان، فيما لا تزال بعض القضايا عالقة في مكانها ولا تقدم بشأنها. الاتحاد العمالي العام طرح وجهة نظره للحل، والوزير خليل أبدى في المقابل وجهة نظره، على أن تستكمل اللقاءات بشكل موسّع أكثر. 

يطرح الأسمر رؤيته للحل. من وجهة نظره، لا بد من مناقشة الموازنة عبر اختصاصيين وأهل خبرة في المجال الاقتصادي، بحيث تنتدب القوى السياسية على طاولة الحكومة ممثلا لها من الاقتصاديين يقارب الأزمة من وجهة نظر علمية. يُشدّد الأسمر على ضرورة تظهير هذه الصورة تمهيداً لإجراء دراسة "معمّقة" تحاكي الوضع المأزوم الذي نعانيه، لا أن تكون دراسة كيفما كان. برأيه، أيضاً لا بد من أن تحاكي هذه الموازنة تطلعات العمال وتقف عند أحوالهم، ولا بد من إرسال "نسخة" من مشروع الموازنة الى الاتحاد العمالي لدرس البنود التي تلامس الشعب وإبداء الملاحظات بشأنها، خصوصاً أنّ هذه الموازنة هي أول موازنة "إصلاحية".

يأخذ الأسمر على هذه  الموازنة ما تضمنته في البند 43 لجهة الغاء الفوائد على الديون المستحقة للضمان الاجتماعي، ما يعني مساً واضحاً بجوهر هذه المؤسسة. كما يأخذ عليها عدم تضمنها سلة متكاملة للإصلاح ورؤية اقتصادية حقيقية تؤمّن الايرادات من المكان المناسب لا من حقوق الموظفين المكان الأسهل. 

يُشدّد الأسمر على أنّنا لا نعترض من أجل الاعتراض، بل نحمل هموم الشارع وهواجسه بناء على رؤية واضحة. يؤكّد أنّنا لسنا هواة إضراب بل نسعى بكل ما أوتينا من قوة لعدم تحميل القطاع العام وزر الانهيار الاقتصادي. هناك مواد في الموزانة تُحمّل القطاع العام مسؤولية الانهيار الاقتصادي، وهذا ما لا يمكن السكوت عليه. ويُشدّد رئيس الاتحاد العمالي العام على أننا ذاهبون نحو الاضراب المفتوح في حال لم يتم إنصاف العمال عبر التراجع عما يسلب حقوقهم. 

غريب: لاقتصاد منتج ومقاوم

رئيس الحزب الشيوعي حنا غريب يُشدّد على أنّ الحزب يقف الى جانب العمال، واعتصامه أمس يصب في هذا السياق رفضاً لأي ظلم قد يلحق بهم. يأسف غريب للنهج المتحكّم بالمسار الاقتصادي والاجتماعي منذ عقود والذي أوصل البلد الى ما هو عليه من انهيار. لا يبدو متفائلاً، فهذه الحكومة برأيه لن تعالج الأزمة المالية المتجذّرة في الاقتصاد اللبناني. 

يعرب غريب عن دعمه لتحرك النقابات والعمال من أجل حقوقهم، ويؤكّد أن التحركات التي نخوضها ذات بعد وطني بالدرجة الأولى، إذ نسعى لتغيير هذا المسار والسياسات الاقتصادية والاجتماعية "العوجاء"، الأمر الذي لن يتحقق إذا لم نستبدل النمط الريعي "الفاشل" باقتصاد منتج ومقاوم. وفق قناعات غريب لا بد من أن تشكّل الموازنة محطة لتغيير الواقع وتخفيض العجز من خلال المصارف المكان الصحيح لهذا الأمر. 

يعرض المتحدّث ثلاثة خيارات لا بد من العمل عليها لتخفيض العجز وتحسين الايرادات:
ـ الريوع المصرفية والعقارية من خلال تعديل النظام الضريبي
ـ مكافحة الهدر والفساد والسرقة
ـ معالجة الأزمات البيئية لما لها من انعكاسات على صحة اللبناني 


هذه العناوين الثلاثة برأي غريب تُشكّل بداية الاصلاح لضرب الاقتصاد الريعي وخلق اقتصاد منتج ينقذ البلد مما هو عليه. الكرة اليوم في ملعب الطبقة السياسية، فإما أن تسهم في وضع برنامج انقاذ وطني وتحارب الفساد، ونحافظ على كل الانتصارات التي حققها الوطن من تحرير وغيره، وهذا أمر أكثر من ضرورة، وإما نذهب الى "الخراب" أكثر. 
 
يشوعي: مشروع الموازنة "هش" 

وعلى هامش الموازنة، يُسجّل الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي ملاحظاته فيصف مشروع الموازنة بـ"الهش". وفق حساباته،  فإنّ الاجراءات التي تضمنتها الموازنة لا تدر المليارات المنشودة. وعليه لا بد من العمل على ثلاثة قرارات أساسية للانتقال الى موازنة منطقية: 

ـ أن تنص الموازنة على إنجاز اللامركزية الادارية والمالية
ـ نقل كل الخدمات العامة من العام الى الخاص بكل شفافية ومركزية مع مراعاة القوانين السارية المفعول
ـ خفض الفوائد على الدين العام 

يختم يشوعي حديثه بالتشديد على ضرورة التخلص من النمط الريعي الذي "يخنق" الاقتصاد اللبناني والانتقال الى اقتصاد منتج وفعال.

إقرأ المزيد في: خاص العهد