ترجمات

الوجه الاخر لكيسنجر (3): عندما أمر بتفجيرات قتلت 100 الف مدني بكمبوديا
07/10/2023

الوجه الاخر لكيسنجر (3): عندما أمر بتفجيرات قتلت 100 الف مدني بكمبوديا

د. علي دربج باحث وأستاذ جامعي

في كتابه الصادر في العام 2002 تحت عنوان " جولة طباخ"،  صبّ المخرج والمقدم التلفزيوني والطاهي الأمريكي الراحل أنتوني بوردان بعد  زيارته لمنطقة جنوب شرق آسيا، بما في ذلك فيتنام وكمبوديا ولاوس ــــ كانت برامجه سلطت الضوء مرارا وتكرارا على إرث حرب فيتنام على وجه الخصوص ــــ غضبه على وزير الخارجية السابق هنري كيسنجر، بسبب مسؤوليته عن القصف السري على كمبوديا
 
وكتب قائلا  "بمجرد أن تذهب إلى كمبوديا، لن تتوقف أبدا عن الرغبة في ضرب هنري كيسنجر حتى الموت بيديك العاريتين. لن تتمكن أبدا مرة أخرى من فتح صحيفة والقراءة عن ذلك الحثالة الغادر والمراوغ والقاتل الذي يجلس لإجراء محادثة لطيفة مع تشارلي روز (مقدم تلفزيوني شهير) أو حضور بعض علاقات ربطة العنق السوداء لمجلة لامعة جديدة. شاهد ما فعله هنري في كمبوديا ــ ثمار عبقريته في الحنكة السياسية ــ ولن تفهم أبدا لماذا لا يجلس في قفص الاتهام في لاهاي بجوار سلوبودان ميلوشيفيتش ( الرئيس الصربي السابق ومجرم الحرب المشهور المسؤول عن قتل عشرات الاف المدنيين في البوسنة).
 
ما دور كيسنجر في قصف كمبوديا؟ وكيف انتهك القانون الدولي الإنساني وقرارت الامم المتحدة؟
 
في الواقع تشكل كمبوديا الواقع أوضح مثال على جرائم الحرب التي ارتكبها كيسنجر خلال مسيرته ومسؤولياته المتعددة في الادارات الامريكية المتعاقبة. فبحلول أوائل سبعينيات القرن العشرين، بُذلات محاولات لتجنيب المدنيين وتحييدهم خلال، بحيث تم تثبيت ذلك كقاعدة  اساسية من قواعد القانون الدولي العرفي ، استنادا إلى مفاهيم التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية والتناسب، والتي تم تفصيلها في الاتفاقيات الدولية، وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة (مثل القرار 2444 لعام 1969 ، الذي يؤكد من جديد واجب التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية)، والقانون العسكري الأمريكي، والقانون العرفي الإنساني. كما قننّ البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف ـــ دخل حيز النفاذ في عام 1977، ـــ  العديد من هذه المبادئ القانونية الدولية العرفية في شكل معاهدات.

وبالرغم من ذلك، في الحرب التي تعامل معها كيسنجر ونيكسون على أنها "عرض جانبي" لفيتنام ، دمرت الولايات المتحدة حياد كمبوديا وأطاحت بحكومتها في محاولة لحرمان الفيتناميين الشماليين من الملاذات وخطوط الإمداد. ولكن بحلول كانون الاول/ ديسمبر 1970، فشلت حملة قصف مكثفة (تسببت بالفعل في خسائر فادحة في صفوف المدنيين) وغزو بري مشترك بين الولايات المتحدة وفيتنام الجنوبية في استئصال الشيوعيين الفيتناميين، الامر الذي دفع بالرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون الى تصعيد الهجمات الجوية سرا.
 
لذا، اتصل نيكسون بكيسنجر وأخبره حرفيا: "أريد خطة حيث يذهب كل شيء يمكن أن يطير إلى كمبوديا ويضرب كل هدف مفتوح... تخلص منهم بحق الجحيم". وبعد خمس دقائق، هاتَف كيسنجر ألكسندر هيج، مساعده العسكري آنذاك، لنقل الأوامر، مخاطبا اياه بالقول "إنه يريد حملة تفجيرات ضخمة في كمبوديا. لا يريد أن يسمع أي شيء. إنه أمر، يجب القيام به. أي شيء يطير، على أي شيء يتحرك. هل حصلت على ذلك؟ وتبعا لذلك، تظهر سجلات البنتاغون أنه مقارنة بتشرين الثاني/ نوفمبر 1970، فإن عدد الطلعات الجوية التي قامت بها الطائرات الحربية والقاذفات الأمريكية في كمبوديا تضاعف ثلاث مرات بحلول نهاية كانون الأول/ ديسمبر.
 
ومع  أن كيسنجر كمستشار للأمن القومي ووزير الخارجية آنذاك لم يكن في سلسلة القيادة الدفاعية ، إلا أن هناك أدلة جوهرية من مذكرات  المدراء (بما في ذلك مذكرات كيسنجر: التي قال فيها "لقد وضعنا المبادئ التوجيهية لقصف ملاذات العدو") ، أن الأخير كان متورطا في اختيار الاهداف، و يقرأ المعلومات الاستخباراتية الخام.

الأكثر أهمية، ان راي سيتون العقيد الذي خدم في هيئة الأركان المشتركة في ذلك الوقت، كان يجلب قائمة بالأهداف إلى كيسنجر للموافقة عليها، ويأمره بالتنفيذ قائلا: "اضرب هنا في هذه المنطقة". بدوره يقوم سيتون بنقل الإحداثيات إلى الميدان.

اما النتيجة المدمية، فكانت قتل ما لا يقل عن 100 ألف مدني كمبودي في التفجيرات.

ما تجدر معرفته هنا، صحيح، لم تكن  كل هذه الضحايا تحت مراقبة كيسنجر ، ولكن التحقيق الأخير في لصحيفة Intercept - بما في ذلك المقابلات على الأرض مع الناجين والوثائق العسكرية الأمريكية السرية سابقا من فرقة عمل البنتاغون السرية التي حققت في جرائم الحرب خلال سبعينيات القرن العشرين - يقدم أدلة غير منشورة سابقا على مقتل مدنيين، ويظهر كيف يتحمل كيسنجر المسؤولية عن أعمال قتل أكثر مما تم الإبلاغ عنه سابقا.

والأسوأ أن السجلات الرسمية، تظهر أن القوات الأمريكية المتورطة في قتل المدنيين لم تتلق أي عقوبات ذات مغزى. من هنا، فإن أمر كيسنجر بضرب "أي شيء يتحرك" يرقى الى مستوى ارتكاب جرائم حرب من خلال تجاهل التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية.
 
ما الأهداف التي اراد كيسنجر تحقيقها من خلال قصف كمبوديا؟ وكيف ساهم في اطالة حرب فيتنام؟

في الحقيقة، كان كيسنجر يعتقد أن  قصف كمبوديا، سيجبر الفيتناميين الشماليين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. غير انه اخطأ. لذلك، فإن العدالة تقتضي منا  القول: إن كيسنجر إما هو الذي بدأ، أو على الأقل دعم كل واحدة من التكتيكات الفظيعة التي استخدمها الجيش الأمريكي في حربه الخاسرة في فيتنام في نهاية المطاف، من القصف الشامل لفيتنام الشمالية، وصولا إلى الاستخدام الواسع النطاق لقنابل النابالم (الحارقة والمحرمة) والقذائف الهاونية، بما في ذلك مبيد الأعشاب المسرطن Agent Orange   لبرنامج "فينيكس" التابع لوكالة المخابرات المركزية (يزيل اوراق الاشجار ويدمر الاعشاب) الذي نجم عنه تعذيب أو قتل أكثر من 20 ألف شخص.
 
الطامة الكبرى، انه كان من الممكن أن تنتهي حرب فيتنام في عام 1968، بدلاً من أن تستمر حتى عام 1975، لولا هنري كيسنجر الذي عُرف حينها بأنه بمثابة قناة إلى فيتنام الشمالية لإدارة الرئيس ليندون جونسون، حيث عمل على اتفاق سلام كان يأمل في الإعلان عنه قبل الانتخابات الرئاسية عام 1968، معتقدًا أن المرشح الجمهوري ريتشارد نيكسون سيكون أكثر احتمالًا في تبني نسخته من المصالح الاستراتيجية الأمريكية في فيتنام، من المرشح الديمقراطي ونائب الرئيس هيوبرت همفري.

في النهاية، مرر كيسنجر معلومات حول تلك المفاوضات مع الفيتناميين الشماليين إلى حملة نيكسون، الذي لم يكن له أي نفوذ في هانوي، إلا أنه كان لديه قناة للتواصل مع حليف الولايات المتحدة ورئيس فيتنام الجنوبية نجوين فان ثيو، حيث أقنعه كيسنجر بالانسحاب من محادثات السلام قبل وقت قصير من الانتخابات. وبفضل كيسنجر، اكملت الحرب مسارها القاسي لمدة سبع سنوات أخرى من الموت والدمار وخلفت وراءها مئات الالاف من المدنيين الذين ذهبوا ضحية تخطيط كيسنجر.
 
الحلقة الاولى: الوجه الآخر لكيسنجر (1)

الوجه الاخر لكيسنجر(2): دوره في القضاء على استقلال تيمور الشرقية

الحلقة الربعة: كيف دعم كيسنجر مجازر الجيش الباكستاني؟

اميركا

إقرأ المزيد في: ترجمات