خاص العهد

زيارة الربيعة الى لبنان و"السم في الدسم"

481 قراءة | 13:03

فاطمة سلامة

لا يُمكن لأي مراقب للزيارة التي قام بها المستشار بالديوان الملكي عبد الله بن عبد العزيز الربيعة الى لبنان إلا أن تستوقفه الكثير من المؤشرات سواء من ناحية الشكل أو المضمون. من حيث الشكل، لا تُشبه الزيارة مثيلاتها من الزيارات الخاطفة لبعض الموفدين السعوديين. أما من ناحية المضمون، فلا يُمكن لأي عاقل يمتلك أدنى مستوى من الربط والتحليل أن يُصدّق العناوين "البراقة" التي أرسل خلفها الموفد السعودي. يكفي في هذا الصدد، استحضار حادثة "خطف" رئيس حكومة لبنان سعد الحريري "ليتبيّن الرشد من الغي"، والصدق من الكذب. هذه المملكة لا يهمها حُكماً مصلحة لبنان. وإذا فعلتها ظاهرياً فعلينا أن نُفتّش في ما وراء الظاهر والغايات والأهداف، إذ تبدو مصلحة المملكة ومصلحة لبنان كخطين متوازيين لا يلتقيان، إذا ما صنّفنا المبادئ التي تقوم عليها كل مصلحة. 

ولا يخفى على أحد السعي السعودي المزمن للسيطرة على القرارات اللبنانية، وتطويعها لصالحها. عملت "المملكة" بكل ما أوتيت من قوة لتحقيق هذا الهدف. دفعت في سبيل ذلك الكثير عبر شراء الذمم السياسية والاعلامية. ولا نكشف سراً إذا قلنا إنّ اختطاف الحريري شكّل دعسة ناقصة وناقصة جداً للرياض، لم تعد بموجبها العلاقة مع بيروت كما كانت. وربما لو كانت تعلم الرياض تداعيات الموقف الغبي الذي سجّلته لما أقدمت عليه، ولتركت مجالاً للعبث عبر أدواتها في لبنان. 

إلا أنّ الأزمة التي سُجّلت في حينها لم تُثن السعودية عن البحث عن أي ثغرة تدخل بها الى السياسة اللبنانية، إذ جرّبت الكثير من الأساليب. اليوم تسعى المملكة للعودة الى الساحة اللبنانية من بوابة النازحين السوريين. فجأة، تذكّرت الرياض أنّ في لبنان نازحين عليها مساعدتهم، وإغاثتهم. وبلا مقدّمات، بانت "الخيرات" السعودية على مخيمات النازحين السوريين في لبنان، بدلا من أن تدعمهم للعودة الى ديارهم، إذا كانت فعلاً حريصة على مصلحة لبنان. الأخير يتخبّط مالياً واقتصادياً، وقد ساهم النزوح السوري الى أراضيه في إنهاكه ودفعه نحو المزيد من الأزمات الاقتصادية. طبعاً، لسنا في صدد رمي كرة الأزمة على ظهر "السوريين"، فمن واجب لبنان احتضانهم في ظل الحرب الكونية التي شُنّت على سوريا. أما الآن وبعد أن باتت معظم الأراضي في سوريا آمنة، ما يُحتّم ضرورة عودة هؤلاء النازحين لتخفيف العبء والضغط عن لبنان، والعمل على إعادة إعمار سوريا. لكن ثمّة من يدفع باتجاه تثبيت هؤلاء النازحين في لبنان للعبث بمستقبله ومصيره. 

زيارة الربيعة الذي تنقّل بين المرجعيات الدينية والسياسية في لبنان، ممهّداً لفكرة "المملكة الحمل الوديع الذي يخاف على مصلحة لبنان ويهتم بها، ويعمل على دعم السوريين وإغاثتهم من منطلق إنساني بحت"، هذه الزيارة ليست بريئة حكماً. فما أعلن عنه الزائر السعودي لجهة توقيع اتفاقيات مع لبنان بقيمة 17 مليون دولار، جزء منها لدعم النازحين، وما شهدناه في البقاع من افتتاح مدارس "اليونيسكو" المتوسطة لدعم تعليم النازحين السوريين، لا يخرج عن الهدف السعودي المُضمر بتوطين السوريين في لبنان، والذي أُشبع ترويجاً عبر ربط العودة بالحل السياسي. تماماً كما لا يمكن فصله عن التطورات في إدلب، والحديث عن اقتراب اكتمال مشهد النصر في سوريا. 

بزي.. سياسة سعودية جديدة

المحلل السياسي وسيم بزي يُعلّق في حديث لموقع "العهد" الإخباري على زيارة الربيعة، فيعتبر أنها أسلوب جديد من أساليب السياسة السعودية، و"تنويع" في القوة الناعمة التي تستخدم حيال لبنان. برأيه فإن الزيارة تأتي ضمن المقاربة الجديدة لسياسة "ما بعد الحجز" أي احتجاز الحريري، وبعد إبلاغ الرعايا السعوديين بأن لبنان غير آمن، ووصف عهد الرئيس ميشال عون بالعهد الموالي لحزب الله. كما أنها تأتي في ظل هزيمة الخيارات ذات الطابع الخشن، ما دفع بالسعودية الى تطوير الاسلوب والانتقال من التعامل "الخشن" الى "الناعم" على قاعدة "السم في الدسم".  

 

 

وفي قراءاته للزيارة، يؤكّد بزي أنها حملت الكثير من الأوجه سواء لناحية توقيع الاتفاقيات والبروتوكولات أو القيام بأعمال ذات طابع انساني ظاهرياً. وهنا تكمن الخطورة ـ برأي بزي ـ الذي يُشير الى أنّ قدوم الموفد السعودي باسم مركز الملك سلمان للإغاثة يحمل الكثير من الدلالات. مجرّد ذكر سلمان يعني حكماً رشوة ودولارات وجمعيات وعلاقات من خارج الدولة. والأخطر من ذلك، الدعم الموجّه للنازحين السوريين تحت عناوين انسانية وأخلاقية، ما يُعطي السعودية هامشاً أكبر للعبث في ملف النزوح السوري، ومنه للتسلل الأمني واستقطاب لبنانيين وسوريين للعبة المصالح والمنافع. وللأسف، فإن العناوين الاغاثية باتت إحدى وسائل اختراق السعودية للداخل اللبناني، يختم بزي.