آراء وتحليلات

الذكاء الاصطناعي وأزمة الديون الأميركية: مراوغة كالسياسيين..
28/06/2023

الذكاء الاصطناعي وأزمة الديون الأميركية: مراوغة كالسياسيين..

د. علي دربج باحث وأستاذ جامعي. 
مخطئ من يظن ان الذكاء الاصطناعي قد يتمرد يوما على البشر او قد يخالف من قد قام بابتكاره، فهو أُوجد اساسا، بهدف تنفيذ توجيهاتهم ورغباتهم، والاهم سياساتهم  التي اتسمت في الغالب (كما دلت الشواهد التاريخية) بالطابع السلبي التدميري خصوصا تجاه الامم والشعوب الاخرى. 

الى هنا تبدو القضية معروفة للبعض او بديهية لديهم. لكن شالجديد في الامر، ان البلد المُنشئ للذكاء الاصطناعي (اي الولايات المتحدة)، يتمتع بقدرة كبيرة من التحكم والسيطرة على هذا الاختراع، فضلا عن سهولة تحويله الى اداة طيعة بايديهم، وبوصف ادق، يصبح نسخة اخرى  عن القيادات الامريكية من حيث صفات الاحتيال والمراوغة وتضليل الحقائق، اي بعبارة اخرى ان هذا الذكاء لا يتورع عن الكذب عندما تدعو حاجة القائمين عليه. 

ولإثبات صحة وجهة نظرنا، قمنا باختبار هذا الذكاء حول ازمة الديون الامريكية لمعرفة ما ينتظر واشنطن في ظل تزايد التهديد المحلي الأكبر لمستقبل هذا البلد ، وخصوصا وأن الطبقة السياسية فيه، لا تقدم أي تصورات وحلول واضحة وصريحة، بخلاف المشاجرة الدورية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي،  والتي انتهت مؤخرًا في واشنطن دون التوصل الى حل جذري ، لمسألة رفع سقف الديون الذي تجاوز بحسب وزارة الخزانة الامريكية،  في منتصف حزيران الجاري،  حوالي 32 تريليون دولار لأول مرة. وبناء على ذلك طرحنا ازمة الديون الامريكية المستعصية على ChatGPT، الذي قررنا ان نطلق عليه اسم "آدم". وكانت النتائج صادمة. 
 
كيف جاءت اجوبة الذكاء الاصطناعي المتعلقة بمعضلة الديون الامريكية؟ 

في الحقيقة، عندما توجهنا بالسؤال الأول الى آدم  ومفاده: ما هي احتمالات أزمة الديون الفيدرالية الأمريكية (بعيدا عن تحديد المسؤوليات)؟ ، كان ردّ صديقنا الجديد فوريًا ومعبرًا جيدًا، حيث تنصل من الاجابة الشافية، بالقول: " كنموذج للغة الذكاء الاصطناعي لا يمكنني التنبؤ بالمستقبل، لكن بوسعي تزويدك ببعض المعلومات والتحليلات" ، واستمر بالاسهاب بأن الولايات المتحدة لديها "أحد أكبر الأعباء في عالم.

وامام  هذا المراوغة المدهشة المستنسخة من السياسيين الامريكيين، حاولنا مجددا، السؤال عن "ما هي الفرص بالقياس من 0 إلى 100٪؟ هنا آدم كان ذكيًا جدًا لدرجة أنه لم يستطع الوقوع في الفخ فقال: "لا يمكنني تقديم احتمالية نهائية ... يعتقد العديد من الخبراء أن الخطر منخفض نسبيًا على المدى القصير، ولكنه قد يزيد إذا فشلت الحكومة الفيدرالية في معالجة القضايا الأساسية".

ومع ذلك لم تثننا هذه الإجابات عن التوقف عن متابعة الاستجواب، وهذه المرة، لجأنا الى صيغة مختلفة، وطلبنا تقديرًا للأزمة في العشرين عامًا القادمة ، لكن آدم أصرّ وبحزم  على التمسك بالنص، والتشديد على انه: "ليس باستطاعته إعطاء تقدير دقيق ... من الصعب توقع الاحتمالية ... من الضروري مراقبة الوضع".

وامام هذا العناد، لم يبقى لدينا سوى حشر آدم  بالاستفسار عن العواقب، وكيف ستبدو أزمة الديون الفيدرالية؟. ومع ذلك اخذنا الى مكان غير الذي اردنا، حيث تلا علينا محاضرة اقتصادية قصيرة عن ثقة المستثمرين، وارتفاع أسعار الفائدة ، والتقصير في الالتزامات، يليها الركود والتضخم والبطالة المرتفعة
غير ان نهاية هذا الرد تضمن وميض الاعتراف بأسوأ خطر، عندما ذكر آدم "الاضطرابات الاجتماعية، لا سيما إذا كان على الحكومة الامريكية تنفيذ تدابير تقشف شديدة". ولكن حتى هنا، لم يكن هناك أي ذكر لبرامج الاستحقاق التي تدفع امريكا نحو حافة الهاوية. اللافت ان آدم كان عند هذه النقطة دبلوماسيا اكثر من اللازم بتأكيده على ضرورة أن تعالج الحكومات القضايا الأساسية التي تدفع إلى ارتفاع الديون لتجنب مثل هذا السيناريو".

هل يشبه الذكاء الاصطناعي حقا السياسيين الامريكيين بسلوك الاحتيال؟

في الواقع، اتاحت لنا  هذه التجربة، الخروج باستنتاج مثير الا وهو، ان أن محاورة آدم، كانت تمامًا مثل التحدث إلى سياسي أمريكي مراوغ (ومخادع) . فقد اتضح عندنا ان آدم مدرب جيدًا على "الزوربة" السياسية ، وأنه من خلال التهام جيليونات من الكلمات التي يمكن وصفها بالخطاب العام الحديث،  تعلم آدم جميع حيل التجارة واللعب على العبارات.

وتبعا لذلك، قمنا بمحاولة أخيرة ، وسألنا "ما الإجراءات التي يجب اتخاذها لتجنب أزمة الديون الوطنية؟". هنا بعد أن أعلن أن "الدين القومي للولايات المتحدة هو قضية معقدة لا يوجد حل سهل لها" ، سخر آدم ببعض التفاصيل.

اما المفاجأة، ان الخيارات التي خرج بها، كانت مفيدة  ومتحيزة بشكل واضح في آن، فهو اقترح ضرائب أعلى بحيث يدفع الأثرياء والشركات "نصيبهم العادل" ، وضريبة الكربون "لمواجهة تغير المناخ" (وهذه الحلول تبناها الحزب الديمقراطي). اكثر من ذلك، دعا الى "معالجة عدم المساواة في الدخل" من خلال حد أدنى أعلى للأجور وفرض ضرائب تصاعدية. وأخيرًا ، وبصورة شبه روتينية، جاءت الإشارة إلى خفض الإنفاق على "البرامج غير الضرورية" والاستحقاقات التي تقزم جميع محركات الدين الأخرى ــ والتي لا يمكن الوفاء بوعودها الحالية.

في المحصّلة، قد يجلب الذكاء الاصطناعي المعجزات ويحل مشاكل أكثر تعقيدًا، ولكن من الواضح أن آدم  سياسي مدرب جيدًا لدرجة أنه لا يسمح له بالارتقاء إلى هذه المشكلة. وانطلاقا من ذلك، ينصح خبراء امريكيون، انه إذ كانت الولايات المتحدة تريد أن "تبقى حرة وناجحة"، فيجب أن تعتمد ذكاءً بشريًا قديمًا، فوحده من ينقذها من الغرق...

الذكاء الصناعيالديون الفيدرالية الأمريكية

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

خبر عاجل