40spring

آراء وتحليلات

صندوق التعديلات الأميركي

18/04/2019

صندوق التعديلات الأميركي

أحمد فؤاد

أجرى مجلس النواب المصري، في جلسة عامة الأسبوع الحالي، التصويت النهائي على تعديلات الدستور. ومرت التعديلات ـ كما هو متوقع ومرسوم ـ بنفس الصياغة التي وافقت عليها لجنة الشؤون التشريعية والدستورية، ويُنتظر أن يعلن موعد الاستفتاء قبل شهر رمضان المقبل، أي خلال أيام، لتدخل حيز التنفيذ فور اكتمال الشكل الديمقراطي.
التعديلات لا تحمل أي جديد، أو مطلوب بشكل أدق، سوى المادة 140، التي تمد فترة الرئاسة إلى 6 سنوات كاملة بدلًا من 4، وتضيف لها التعديلات مادة انتقالية تفصيلية للرئيس الحالي، تسمح له بالحصول على 8 سنوات جديدة، لتنتهي مدته الرئاسية الحالية في 2024 مع إمكانية ترشحه لفترة ثالثة تنتهي في 2030.

ورسخت التعديلات سيطرة الرئيس، أو الممثل الأول للسلطة التنفيذية، على القضاة والقضاء، في المادتين 185 و189، والقضاء مرفق حيوي ويحظى بالاحترام والتقدير في مصر كلها، إذ تتيح التعديلات للرئيس قيادة مجلس القضاء الأعلى، وتخوله تعيين رؤساء الهيئات القضائية كافة، وتطيح بدور قضاة "مجلس الدولة"، الذي أصدر الحكم التاريخي بمصرية جزيرتي تيران وصنافير، ونزع ورقة التوت عن النظام المصري، ودمغه أمام مواطنيه بالتفريط في الأرض لصالح السعوديين.

التعديلات طالت أيضًا المرأة والأقباط ووضع الجيش المصري في الدستور، لكن كلها مجرد نصوص لا تقر جديدًا، إذ إن الدستور في مصر يخرج ويفسر حسب هوى الحاكم، والتجارب عديدة، ومريرة أيضًا، للحاضر المصري مع حكام حاولوا التلاعب بالدستور فأطاح بهم سوء عملهم، بدون توقع أو إنذار، كما أن الجيش متداخل بحكم نشاطه الاقتصادي في جميع المدن والمحافظات، وكذلك المشاريع، من مصانع الأسمنت وحتى المزارع السمكية، وتوزيع الأغذية وغيرها.

الاستفتاء ـ كما كل استحقاق انتخابي في عهد السيسي ـ سيخرج بنتيجة كاسحة، يفضلها الرجل دومًا تفوق 98%، والصناديق جاهزة، وأجهزة الأمن والاستخبارات حوّلت الشوارع إلى لوحة تأييد ضخمة، ملونة لكن بائسة، منحت الفرصة للمصورين الهواة لالتقاط صور الفقر حيًا، يسير على قدمين، بجانب لوحات إعلانية مكلفة تحمل شعارات بناء البلد والتنمية، في مفارقة اشتهرت بها مصر منذ القدم، وأعطانا الشاعر المتنبي صورتها قبل قرون طويلة تحت حكم كافور ـ العبد ـ إذ قال: "وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا".
التعديلات الدستورية، التي تخالف أساسًا الدستور المصري، وتطيح بالبقية الباقية من مكتسبات ثورة يناير، لا تعد لقطة غريبة على مسيرة النظام المصري، بل تعبر عن أزمة هذا النظام، وهي أزمة تشمل كل الأنظمة التابعة للولايات المتحدة، بعد فورات الربيع العربي، إذ إن هذه الأنظمة عاجزة عن القيادة بالأسلوب القديم –عصا الأمن- وحده، ولا توفر لها خياراتها تحقيق تنمية تقنع شعوبها أنها تعمل لصالحهم فعلًا.

الولايات المتحدة مأزومة بالفعل، تخوض صراعًا في عالم يتغير، وهي لا تريد التغيير، ولا تستطيع دفع ضريبة الاستمرار وحدها على القمة، وهي بالتالي تنقل الضغوط للمناطق الأضعف أو القابلة للتشكيل النهائي من وجهة نظرها، لتتفرغ لمنافسيها في مناطق أخرى، وفي المنطقة العربية ترغب في حل نهائي، يجعل من الكيان الصهيوني شرطي المنطقة وقاضيها وجلادها، وفاتورة الحساب ستخصم من أرصدة الأنظمة التابعة، في مصر والسعودية والإمارات.

هذا الحل الأميركي، والمعروف إعلاميًا بصفقة القرن، يترك الحلفاء في وجه مدفع الغضب الشعبي، والشعوب من جهتها تعارض وبدأ صوتها يعلو ضد مسوخ على كراسي السلطة، عمالتهم واضحة جلية، وآمالهم وشرعيتهم بيد البيت الأبيض فقط، والعالم الجديد المتشكل سمح للشعوب بأن تترك بصمتها على الأحداث، وأن تجرب التحرك والانتفاضات، وما فشلت فيه أمس، قد ينجح غدًا أو بعد غد.

وفي هذا الإطار كان مفهومًا توجه الرئيس المصري إلى البيت الأبيض، قبل أن يعطي الضوء الأخضر لنواب برلمانه بالمضي قدمًا في إمرار تعديلات مشوهة، فالثمن قد دفع لـ "ترمب"، وهو حصة مصر في صفقة القرن، المهددة في كل صورها المسربة للسيادة المصرية والكرامة الوطنية، المهم أنه حان الحصول على مكافأة الخدمة.

الصراع العالمي عند القمة، والفوران الهائل في القاعدة الواسعة، تركا الأنظمة العربية التابعة عارية، بلا فرص للاستمرار وبغير ضامن للبقاء، والشعوب الحية ترى في المستقبل فرصًا وجب اقتناصها، وتحديات لم يعد من الممكن تجاهلها، تحديات للحياة اليومية الطبيعة ذاتها، وهي في هذا ستخرج أو خرجت فعلًا، لكن الرهان على صمتها خاسر حتمًا.

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات