نقاط على الحروف

مصر وهاجس الفوضى السوادنية

324 قراءة | 13:17

نضال حمادة
"التاريخ لا يعيد نفسه لكنه يقتفي الأثر" هذا القول التاريخي المأثور المجهول المصدر ينطبق على ما كان يسمى الربيع العربي الذي أنتج مفارقات غريبة إهمها عدم وصول رياحه التغيرية الى ممالك وإمارات الخليج التي تعتبر الأكثر تخلفا والأكثر ديكتاتورية في العالم العربي، في وقت يعود الحراك الى الشارع في بلدين أفريقيين كانا حتى الأمس القريب بمنأى عن الأحداث الدموية التي انتجتها تحركات ما لبثت أن تحولت الى صراعات مسلحة، ما زال شبحها يسيطر على بلدان عديدة مثل ليبيا وسوريا، بينما لم تنهض من المشاكل باقي الدول التي وصلتها رياح التظاهرات والتغييرات في الحكم كما هو الحال في مصر وتونس، وتبقى البحرين المفارقة الكبرى في العالم العربي بسلمية تحركات أبنائها وبكونها الإمارة الخليجية الوحيدة التي تحرك شعبها في وقت تغط فيه باقي شعوب دول الخليج في نوم عميق وعدم قدرة على مجرد التفكير بتحمل المسؤولية.

في البداية لا بد من التذكير إلى ان أنه في عهد عمر حسن البشير قسم السودان، وزاد الفقر، وأصبح مرتزقا لال سعود، وشارك في عدوانهم على اليمن عبر إرسال آلاف المسلحين المرتزقة وغالبيتهم من قبائل "الجانجاويد" لقتال الشعب اليمني في أرضه، وبالتالي كان سقوطه  نتيجة حتمية تأخرت كثيرا لكن طريقة الاسقاط والسيناريو المستمر لتفكيك الجيش السوداني على الطريقة الليبية يعيدنا الى السنوات العجاف من الاحداث العربية.

وكان ملفتا رد الفعل المصري السريع على احداث السودان ومتابعة  الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للحدث السوداني ورحيل عمر البشير من الحكم في الخرطوم، حيث قال الرئيس المصري بشكل صريح "لا يمكن لنا السماح بوجود قيادة في السودان تقبل بوجود إسلاميين ناشطين، نحن نراقب عن قرب  كل انتقال للسلطة في السودان" في إشارة واضحة لجماعة الإخوان المسلمين، وحقيقة ما يخشاه السيسي هو وصول الحال في السودان إلى فوضى مسلحة تكون لها تأثيراتها الكبيرة على الداخل المصري وعلى الإستقرار الأمني الهش في مصر.

والسيسي الذي يعيش هاجس الإخوان المسلمين لم يكن يقصدهم بهذا التصريح، وإن غمز من قناتهم، فالجيش المصري يعيش منذ سنوات هاجس سيناريو ليبيا في السودان وكل خراب وضياع أمني في السودان سوف تكون آثاره كارثية على مصر أمنيا وسياسيا واقتصاديا.

إن أخطر ما يمكن ان يحدث لمصر هو إنفراط عقد الجيش السوداني وتوزع ترسانته من الأسلحة والذخائر بين الفرق والقبائل والجماعات، وكل هذا سوف يكون جسر عبور لضرب الامن القومي المصري، وإلى الان لم تظهر نوايا ومخططات جماعة الإخوان المسلمين في كل هذا التحرك، وهي الجماعة القوية في بلاد السودان ويبدو أن خيار الجماعة قد يكون الفوضى الشاملة في هذا البلد، كما يظهر من طريقة إخراج عملية تنحية البشير الرجل المقرب من جماعة الإخوان الذي عمل منذ البداية على سيناريو الفوضى متراجعا خلف الأضواء تاركا مكانه مجلس ضباط استقال كبيرهم الذي نصب نفسه مكان البشير، ويبدو من السيناريو أن مسلسل الإستقالات سوف يتوالى حتى انفراط سبحة الجيش عبر لعبة  استقالة الصف الأول كليا.

في لعبة صراعات الأنظمة تظهر طريقة العمل القطرية التركية واضحة في أحداث السودان، يكفي متابعة تغطية قناة الجزيرة الملتبس والمتناقض لنلحظ أن  هناك من يعمل على سيناريو التأزيم وعدم الوصول لحلول وعلى عكس احتفالها بأحداث الجزائر، تبدو الجزيرة بأنها تعيد سيناريو تغطيتها لاحداث درعا في الشهر الأول من اندلاعها.

الأيام والأسابيع المقبلة سوف توضح ماهية الأهداف الحالية لجماعة الإخوان المسلمين ومن خلفها تركيا وقطر ومن خلفها امريكا في السودان وكيف يمكن لها ان تستفيد من الحراك وأن تجعله يصب في مصلحتها، كما حدث من قبل في غالبية البلدان العربية التي أصابتها عدوى الفوض والإقتتال.

نشير أخيراً إلى أن سيارات تحمل شعارات شركة "كوكا كولا" توزع المرطبات مجانا على المتظاهرين في الخرطوم في وقت تجوب فيه سيارات توزع الطعام.

ألا يذكر هذا المشهد بمشاهد مماثلة حدثت في بداية احداث ما كان يسمى الربيع العربي؟

التغطية الإخبارية