نقاط على الحروف

سقوط "الوجوه القديمة"!!

468 قراءة | 12:12

وائل كركي
من نافل القول ان الثورة الرقمية اطاحت بحراس البوابة التقليديين وبات فزع اصحاب المؤسسات الاعلامية في لبنان مرضيا، بل بات "وسواسا قهريا" اكثر منه واقعا يجب التعامل معه لمجاراته، والتعامل معه بتماهٍ ومهنية مرنة لا تكفر بكل شيء قديم كرمى لبريق الجديد الثوري الرقمي.

لا يمكن ان نتغافل عن أهمية هذا الطارىء الذي فرض نفسه بقوة، ولكن يجب على اهل الاعلام في لبنان الثبات والانطلاق الى تغيير النمط والاسلوب لا تغيير "القمية" والـ"ثقل الثقافي" الذي لطالما تغنينا به في وسائل الاعلام اللبنانية.

ابرز تجليات هذه الريبة سقوط كل "الوجوه القديمة"، جلها، كي لا نقع في فخ الشمولية العمياء، لن نرجع في الزمن الى الوراء الى "الزمن الجميل" زمن تلفزيون لبنان، ونتحدث هنا عن الشاشات اللبنانية تحديدا، ولنقف عند فترة التسعينيات ومطلع الالفية الحادية والعشرين، اين معظم الوجوه التي كانت تحتل شاشتنا، والتي كانت تحمل الكثير من خصال الجيل القديم الذهبي، اين تلك الهامات التي كانت تفرض حضورها بثقافتها التي كانت تبهر المشاهد ـ فالمشاهد ليس غبيا ـ لا بالـ(fashion) ولا بتصنع التلعثم بالنطق باللغة العربية وانقاذ جملهم بكلمة فرنسية او انجليزية، ولا بـ"جمال" مصطنع زائف لا يمكن يوما ان يغطي سطحية باتت حقيقة يعرفها كل متابع وكل من يتحكم اليوم بعالمه الخاص (الشاشة الصغيرة) بجهاز التحكم عن بعد.

نعم، ظهور وسطاء وفاعلين جدد في مجال النشر والتوزيع مثل مجمِّعي الأخبار الإلكترونية (Online News Aggregators)، وناشري الأخبار الإلكترونية والوسطاء المختصين في الأخبار عبر الموبايل (Mobile News) ومنتجي صفحات مواقع التواصل الاجتماعي باتوا امرا واقعا، وباتوا يشكلون منافسا قويا للشاشة اللبنانية والشاشة العالمية، ولكن هل الحل بإقفال المؤسسات الاعلامية او بتبديل الطاقم القديم بطاقم جديد يتماشى مع الحداثة ومع الميزانية الجديدة هو الحل الوحيد الناجح والمجدي؟ بالطبع لا، الواقع الجديد وضع تلك المؤسسات في موقف محرج بالطبع فمن الناحية التجارية كونها مؤسسة تجارية اقتصادية تبغي الربح كي تستطيع الاستمرار يجب عليها ان تستمر ويجب عليها ان تفتش عن بدائل مالية لتبقى مستمرة.

ليس من الضروري ان "تقتلع" كل قديم وتبدأ مع هواة لا يميزهم سوى شكلهم و"خصائص العصرنة" لكي تستمر شاشاتنا اللبنانية، وطبعا التجديد مطلوب وايجاد وجوه شابة شيء مطلوب وصحي وهذا ليس مورد حديثنا، الذي نتحدث عنه هنا والاشكالية كيف يمكن ان نطوع ما نملك ليصبح منسجما مع واقع "السوشيال ميديا"، فلنطلع قليلا على خط انتاج يفرض نفسه بقوة وذي خصائص ثنائية بين الشاشة الصغيرة التي تحتل بيوتنا وبين شاشات هواتفنا التي تغل ايدينا، هو انتاج المؤساسات الاعلامية للشاشة، ولمواقع التواصل ان تأخذ بعين الاعتبار كيفية انتاج المادة لكي تناسب كل الشاشات لنبتدع اسما علميا جديدا ( responsive production) انتاج يلائم كل انواع الشاشات المتوافرة لدينا.

العبرة هنا ان نبقي تلك الوجوه على قيد الحياة وما تمثل هذه الوجوه من قيم اجتماعية وثقافية ولكن بقالب عصري، ان نوجد قالبا اعلاميا مقبولا لكبار السن من اعلاميينا المخضرمين. ان لا نغيبهم بشكل كلي. ان نفتش عن قوالب تناسبهم وتناسب كل المشاهدين بمختلف توجهاتهم وانواعهم، ان نستفيد مما يكتنزونه من علم ومعرفة لنقلها للاجيال الصاعدة، فلنكفر بقاعدة جديدة لا اصل لها "الجمهور عاوز كده"، لا الجمهور يستأنس بكل شيء مفيد بقالب مشوق وممتع، بمادة معرفية ثقافية تشكل ذخرا للمجتمع ـ الدور الاساس لوسائل الاعلام ـ.

ولتعويض المال الذي تخسره المؤسسات من تسرب جمهورها عبر نسبة المشاهدة انشاء منصاتها الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي وعرض انتاجها وستدر لها الكثير من المال هي ايضا، شرط ان تبقي الوجوه القديمة وتعيد من غاب قسريا بسبب ريبة القيمين على هذه المؤسسات ولتفتح لهم المجال بالعودة بقالب حديث وبعمق ثقافي بتنا نفتقده.
 
"الوان الشاشات" اليوم والامتاع البصري لا يشكل عاملا للتفوق فحسب، هو مطلوب بالتأكيد ولكن ليس على حساب المستوى والمحتوى  الجيد، فتنميط الاعلامي وتشكيل الصورة الذهنية وتشكيل سيميائية المشهد وتأطيرها "بالجمال والشبوبية والجاذبية" هو ضرب من الاجرام بحق شاشتنا.. فلتسقط كل اعتباراتكم وأعيدوا للشاشة اللبنانية رونقها وجاذبيتها المعهودة.

 

التغطية الإخبارية