خاص العهد

عن "هندسات" سلامة "المالية" والاستقرار النقدي

356 قراءة | 14:02

فاطمة سلامة

يُبرّر البعض الراتب "الخيالي" الذي يتقاضاه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة على قاعدة المسؤولية الكبرى والدور الواسع المنوط بحاكم المصرف القيام به، وعلى قاعدة الأمانة التي يحملها والتي تضع مصير الاقتصاد اللبناني في قبضته تبعاً للسياسات التي ينتهجها. لكنّ خبراء اقتصاديين يسألون: هل أدى سلامة مهامه المطلوبة منه طيلة تواجده على رأس البنك المركزي منذ أكثر من عقدين؟. 

على هذا التساؤل يُجيب الخبير الاقتصادي د. ايلي يشوعي، فيُشير الى أنّ المصرف المركزي ومنذ جرت ادارته من قبل سلامة لم يقم بمهمته الأساسية كما يجب. بل أكثر من ذلك، لم يُطبقها من الأساس. ما هي مهمته الأساسية؟ على الحاكم وضع السياسة النقدية وتطبيقها، إلا أنّ ما يقوم به سلامة لا علاقة له بنظام اقتصادي حر كما ينص الدستور. ما هي السياسة النقدية؟ وفق يشوعي، تقوم السياسة النقدية على توفير السيولة والرساميل الكافية للاقتصاد بكامله بطريقة تسهم في نموه بشكل دائم ومستمر فيتم جذب الاستثمارات وتحسين الاستهلاك، وزيادة النمو بطريقة تتم فيها السيطرة على التضخم، وتأمين الاستقرار في سعر صرف العملة المحلية. 

ما سبق ذكره، يُشكّل قاعدة ذهبية تسير عليها كافة البنوك المركزية في العالم الحر، إلا في لبنان، برأي المتحدّث. وفق قناعاته، يقف سلامة على النقيض تماماً من هذه القاعدة وعلى مسافة 180 درجة من هذه المهمات. يُذكّر يشوعي بالوعود التي أطلقها سلامة مطلع تسلمه سدة الحاكمية عندما عبّر عن مساعيه لخلق استقرار نقدي في هذا البلد بعدما دفع اللبنانيون أثماناً باهظة جراء تراجع سعر صرف الليرة في الثمانينات. حسب الخبير الاقتصادي لم يف سلامة بوعوده مطلقاً، ولم نشهد استقراراً نقدياً كما وعد. جل ما فعله أنّه توجّه نحو تثبيت النقد، مرتكباً جريمة بالمعنى الاقتصادي. فاستقرار النقد يفترض وجود سوق قطع وعرض وطلب. سلامة سلك درب الفوائد العالية كوسيلة لتثبيت النقد بعد تذرعه بوجود درجات مخاطرة عالية في البلد، لاغياً سوق القطع، وسامحاً لنفسه بتحديد الفوائد بطريقة مركزية والقيام بهندسات مالية "مجنونة" على حد تعبير يشوعي.

يوضح المتحدّث أنّ سلامة وضع كل الاقتصاد اللبناني في سبيل المعزوفة "الشهيرة" تثبيت الليرة، وهو بذلك وضع الاقتصاد في خدمة الليرة، بدلاً من أن يفعل العكس. في مطلع التسعينات وتبعاً لأوامر سلامة اقترضت الدولة بكثافة وبفوائد عالية، ما شكّل تلقائياً عقاباً للقطاع العام أحدث عجزاً في الموازنة وخدمة دين كبيرة أدت فيما بعد الى تراكم المديونية. القطاع الخاص -وفق يشوعي- لم يسلم من عقاب  الحاكم الذي عطّل المبادرات الفردية التي يكفلها الدستور، فقاعدة الاستثمار بفوائد عالية أدّت الى "تهريب" المستثمرين، وأدخلتنا في سياسة "الريع" التي أدّت الى غنى فاحش وفقر مدقع. بمعنى أنّ الجميع تضرّر، القطاع الخاص والدولة كمستثمر أكبر، وبطبيعة الحال المواطنون. يأخذ الخبير الاقتصادي على الحاكم تمييزه غير المبرر في التعاطي مع القطاع الخاص الذي بدا حياله أكثر من صارم وقاس ومتطلب، والمصارف التي أعطاها الكثير ولم يأخذ منها أي ضمانة. 

لا يتفهّم يشوعي مقاربة سلامة للمسائل المالية والتي أدت الى عملة قوية واقتصاد منهار. يبدو متشائماً جداً، فبرأيه أنّ الاقتصاد اللبناني على حافة الانهيار، ونحن "نعد" أسابيع وأشهراً على أبعد تقدير. يعرب عن عدم اطمئنانه للوضع الذي بات في الدرك الأسفل. يُحمّل المسؤولية كاملة للنظام المصرفي وعلى رأسه سلامة المموّل الرئيسي للدولة اللبنانية. بالنسبة اليه، فإنّ أموال اللبنانيين في خطر، إذ إن مديونية الدولة التي تخطت عتبة الثمانين مليار هي قروض من أموال الشعب. 

يختم يشوعي حديثه بالإشارة الى أنّ صلاحيات مصرف لبنان واضحة في قانون "النقد والتسليف" ومهماته معروفة، إلا أنّ حاكم مصرف لبنان تمادى في الهندسات المالية على "ذوقه" ولم يحاسبه أحد لأنه كان يلبي طلبات ورغبات الطبقة السياسية ويمدها بالمال، ما أوصلنا الى ما نحن عليه اليوم والذي سيدفع نتيجته الشعب اللبناني.

بالأرقام

يتقاضى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة 40 مليون ليرة لبنانية شهرياً. يسري عليه ما يسري على موظفي المصارف، لجهة تقاضيه 16 شهراً في السنة، أي 640 مليون ليرة سنوياً. يبلغ راتب الحاكم أكثر بثلاث مرات راتب رئيس الجمهورية، أعلى سلطة في البلاد. يبلغ الحد الأدنى للأجور في لبنان 675 ألف ليرة. وفي عملية حسابية بسيطة، يتبيّن لنا أنّ سلامة يتقاضى شهرياً ستين ضعفاً مما يتقاضاه موظف عادي. "شهرية" الحاكم يضاف اليها بعض الملايين لقاء خدمات يُقدّمها. فعلى سبيل المثال، كل يوم سفر لسلامة يُكبّد مالية الدولة ثلاثة ملايين لجيبه، وهكذا دواليك.