طوفان الأقصى

مقالات مختارة

ما بعد القلق: في ذكرى استشهاد عماد مغنية
07/03/2023

ما بعد القلق: في ذكرى استشهاد عماد مغنية

ثابت مرداوي - صحيفة "الأخبار"

مرّت علينا قبل أيام الذكرى الخامسة عشرة لاستشهاد المجاهد الكبير القائد عماد مغنية، الذي - نظراً إلى أنه أمضى حياته في مقاومة الأعداء - كان قد خصّنا بمساحات من القلق عليه، سيّجناها بأسوار من الصبّار والأدعية، واقتربنا فيها منّا أكثر. وفيها أحصينا حبات قمحنا حبّة حبّة. وقبضنا على شظايا الأمل، علّ ندى آخر الليل يسقي الزرع، ويبلّل رذاذه تشققات جلدنا. وأطلنا فيها الوقوف ورجوناه أن يطول أكثر، فعسانا أن ننهض معه، أو حتى لا نقلق علينا بعده.

نظرنا إليه من بُعدنا، كمشهد مأخوذ من نص كتاب مقدس، عزفته تسابيح الجنوب، لحناً لنشيد الملائكة في مطلق الخير، فأمطر كلمات من نور ورصاص ولون النار، تعجب الثوار لتغيظ بهم الغزاة وكل المدججين بعطايا الغزاة، ولتصيب بوجع وعياً أعيته ضبابية المعنى في قواميس اللغة، ومعاجم فقهٍ فاتها أنّ الأصل في الأشياء فلسطين.

كنّا هنا، يحاصرنا جفاف اللغة وانتفاخ الأنا وأقدار الجغرافيا، نطيل التأمّل في حصارنا، نناشد التاريخ والأساطير. سطراً له معنى: رصاصة. اختبأت تحت كلمة سرّ: فتوىً تمرّدت، ضلّت الطريق فاهتدت؛ موقفاً لا يملأه العدم، فنرتطم بمدىً فسيحٍ، ممتد ما بين اللا-عون والتآمر.

وحين كان البعض منّا يغتال براعم وعينا، ويخفي تجاعيد خريفه بصور الشهداء، توطئة في هروبه على حطام إطاراتها نحو الهزيمة، ومقدماً تاريخنا قرباناً على عتبة أوهام الزمن الإسرائيلي، وقبل أن يقرض النسيان ذاكرتنا، وتشتبه علينا ذاتنا، وتسكننا فِتنة الأزرق، اهتزت قلوبنا لرجع صدى. أرهفنا السمع، صوت خارج سياقاتنا، صوت سهم، لا هو متعجّل ولا متمهّل. كأنه إيقاع القدر، يخترق الحصار والأزمنة.

أخبرتنا غيمة خفيفة السواد أن يداً نبوية شريفة قذفته في كربلاء، قد ادخرته يد القدر، ليحطّ في زماننا، على موعدٍ يكون عماداً، عربياً تشرّب دين أجداده، لا يخطئ الاتجاهات تحت وطأة الليل، يحمل أولى رسائل الربيع: «فلسطين منا آل البيت» «وإن شرفها يأبى»... مراوغات المواقف وأعذار الإمكانيات وألاعيب المجاز. متلهّفاً، راح يضبط مواعيده مع «أمّ الحكايات»، التي عرفته من لون رائحته واطمئنان نفسه وجرح قلبه، فخبّأت له أجمل مواعيدها، تمسح بعشقها المحتشم جرحه، وبرائحتها تملأ قلبه، ولتمتلئ هي اطمئناناً به، وتبلّل جفاف سنيها بدمع حزنه المتوارث. ومنذ أن عرفته أحسّت بنبض زيتونها، قبل أن يبرهن عليها انعدام المسافة بين الفكرة والتجسيد، وبين التنظير والمعنى، وبين القول والجهوزية، وقبل أن تراه منتصباً مستوياً على سوقه، وقبل أن يعيد تعريف الردع، وقبل أن يثبت أن كيّ الوعي متعذّر على من لا يريد، وقبل أن يصهر جذر الحديد، والأذهان، وقبل أن يبدّد أوهام المستحيل - الممتنع على نماذج اللهو - بالممكن في نموذجه.

في ذكرى عماد، يهتز باطن الأرض، ويجري بعض الترتيبات التكتونية، وكأنه يتهيّأ استعداداً لوطأة تحركات ظهرها السياسية والجوسياسية المقبلة، والتي ستكون - دونما حاجة إلى التأكيد - ارتداداً لهزّة استشهاد عماد. نعم، لقد كان استشهاد عماد هزةً وحركةً تكتونية أصابت بنية المقاومة وطبقاتها، ولكنها، وعلى عكس ما أُريد لها، أدّت إلى ازدياد بنية المقاومة صلابةً وقوة، وطبقاتها تراصّاً وامتداداً، حتى استوى مشروعها مشروعه، وأصبح انتصاره محسوماً.

نراه اليوم يقترب أكثر، فنتذكّر عماداً، ونتيقّن من انتصار استشهاده، وندرك الآن، لماذا لم نقلق علينا بعده...

* أسير لدى سجون الاحتلال الإسرائيلي

إقرأ المزيد في: مقالات مختارة