آراء وتحليلات

قصة أكتوبر/ تشرين الآخر: نزيف مصر

06/10/2022

قصة أكتوبر/ تشرين الآخر: نزيف مصر

أحمد فؤاد

في بعض المقالات، أو كتابة الرأي الخاص بتجربة إنسانية لكاتبها، بشكل عام، تكمن أزمة من نوع خاص جدًا، فإذا الكلمات المسترسلة في غيرها من كتابات، مخنوقة، تكاد تتردى بين العقل والقلم، وتشل تنهدات حارة وزفرات مؤلمة في أحيان أخرى، الذهن بعيدًا عن موضوع المقال، أو تصرفه إلى حيث يجد الكاتب نفسه، في أفضل الأحوال، ومهما صلحت النوايا، تنزلها إلى درك تصفية حساب أو هجوم بلا ذخيرة من وعي، تهذب الكلمات وتشذب ما انفلت منها.

وأستأذن القارئ الكريم، في وقفة بسيطة، تستدعيها الظروف الحرجة الحالية، لرواية واقعة أخرى، واقعة من تاريخ الناس العاديين جدًا، وعيتها طفلًا كحكاية مبكية، واستكملت في سني عمري التالية خطوطها وصنعت عقدها على حياة شخص ما، هو الأقرب لقلبي، ولما تقدمت بي السنون، أدركت أني عشت بالوعي أو من دونه حكاية مصر كلها، مصر التي أجبروها على تجرّع الهزيمة تلو الهزيمة، والخروج من حصار إلى حصار، حتى باتت أمة لا تجد نفسها إلا وهي منكسرة، وفي أفضل الفروض تحاول الهروب للماضي، تعللًا بأشواقه علها تستطيع مواجهة حاضرها، الملغز والساقط، في آن.

فترات تجنيد قياسية كان يخضع لها كل شاب مصري، في أعقاب نكسة 1967، وبداية من التوتر القائم قبل الحرب ذاتها بعدة شهور، فقد توقف تسريح المجندين عقب انتهاء مددهم، وبالتالي فقد كان دخول الجيش يعني وبشكل مباشر، في تلك الأيام البعيدة، توقف العمر والأيام على رمال الصحراء المحرقة، دون أمل سوى العبور والانتصار، وجُند أبي في 1969، وخاض عدة شهور ساخنة على الجبهة، التي حوّلها مجيء أنور السادات للحكم إلى حالة من البرودة الشديدة، بلا أية تغيرات أو آمال في خوض حرب.

بين الساخن والبارد دفنت آمال وتأجلت أحلام، ومع كل تصرف سياسي كان الجندي المصري التواق للقتال والاشتباك مع الصهاينة يفقد ثقته، ثم يفقد أمله، ونزيف الثقة - خصوصًا في حالة بلد مهزوم - لم يكن بالإمكان تعويضه، مهما كان القادم، ومهما بلغ معنى النصر أو مداه.

وانتهت الحرب وفترة التجنيد الطويلة في 1974، نهاية أكثر إلغازًا من رواية "في انتظار غودو" الفلسفية، للعبقري الإيرلندي صمويل بيكيت، فلا أرضنا قد حصلنا عليها نتيجة للقتال، ولا انهيار في صفوف العدو قد شاهده أحد، سوى إعلام السادات وخلفائه، والأهم انتهت الحرب عمليًا والجيش الصهيوني قد استوعب الهجوم المصري في 16 يومًا فقط لا غير، ثم أطلق عملية الغزالة للعبور غرب قناة السويس، وحصار الجيش الثالث الشهير، ولم يمنع سقوط مدينة السويس ورفع العلم الصهيوني عليها سوى المقاومة المدنية التي تولت في ظروف مستحيلة تأكيد معدن هذا الشعب.

وبعد تجربة الحرب المريرة، والانفتاح الذي قام بعدها بقرارات السادات في 1974، بحجة إنهاء سيطرة الشيوعية والاشتراكية على حياة المصريين، فقد بدا مشهد الدولة مهتزًا، ما بين عجز مالي يزيد عامًا بعد الآخر، ويُطلب من هؤلاء الذين دفعوا ضريبة الدم والفداء تحمل الأزمة، وبين طبقة جديدة ظهرت فجأة بفعل الفساد الذي انطلق ماردًا جبارًا، بدعم وحضور المقام الرئاسي السامي، وندمائه وأصدقائه.

ورغم أن انتفاضة 18 و19 يناير 1977، كانت لتعد إحدى أمجد وأشرف صفحات التاريخ المصري، لو أنها فقط عرفت عدوها الحقيقي والأول، واتجهت مباشرة نحو اجتثاثه من الأرض، إلا أنها كانت للأسف أقرب إلى صرخة جياع، لم يعد لديهم ما يخسرونه ولا ما يقدمونه للحكومة العاجزة هي الأخرى، ومرّت الصفحة دون سقوط السادات، لكنها بالتأكيد أبطأت من عملية البيع الشامل لكل ما في مصر من ثروات ومقومات دولة.

ومن سوق الحرب الواسع إلى سوق العمل، حظي والدي بعمل في شركة الدلتا الصناعية "إيديال"، بعد سنوات قليلة من الحرب، وهي واحدة من القلاع الصناعية الكبرى التي أنشأها "عبد الناصر"، بطول الوطن وعرضه، بجانب غيرها من مصانع وشركات، ظلت طوال سنوات تقوم بالمجهود الأكبر في الاقتصاد المصري، وتمنع إسقاطه الكامل في فخ القروض والديون.

وكما في الحرب، خرجت الطبقة الجديدة المفترسة على كل ما يملكه الشعب من ثروات، شركة "إيديال" كانت توفر الاحتياجات المحلية من الأجهزة الكهربائية مثل الثلاجات و"البوتاجازات"، والأثاث المعدني، وغيرها من منتجات منزلية، وتصدّر الفائض إلى دول الشرق الأوسط وإفريقيا، كانت موجودة في كل بيت مصري، وغزارة الإنتاج لم تؤثر في أي وقت على معيار الجودة.
وكان اتجاه الشركات العامة، في الستينيات وما بعدها "لتثبيت الموديل"، وعدم تغييره إلا كل فترة زمنية طويلة، لتقليل النهم الاستهلاكي غير المنطقي عند بعض الطبقات الجديدة التي طفت على سطح المجتمع فجأة، وأصبحت الفاعل الأول والوحيد، تحصل على منتج مصري، بجودة عالية جدًا، وبسعر معقول، وأنت غير مضطر لتغييره كلما ظهر "موديل جديد"، معادلة بسيطة لكن لم يكن يفهمها أصحاب العقول الفقيرة.

قارن بين مصر الستينيات، ومصر بعد الانفتاح، لتعرف أن الجريمة المرتكبة في حق البلد كانت شنيعة، "موديلات" تتغير كل عام، حتى في السلع المعمّرة، بلا أي تغيير حقيقي يطالها، وأسعار مبالغ فيها، وجودة معدومة تمامًا، والأهم، الضغط على سعر صرف الجنيه بصورة مستمرة.
بالمناسبة، العمر الافتراضي للسلع المعمّرة المصرية، من ماركات المصانع الحربية و"إيديال" و"تليمصر"، عشرة أضعاف مثيله المستورد أو المجمع محليًا، وسياسة حماية الأسواق من المستورد ليست رجسًا من عمل الشيطان، بل إن فتح الأسواق بلا ضابط أو رابط هو سياسة حكومات "عميلة" أو الشيطان نفسه.

الشركة العامة الناجحة جدًا بيعت في أوائل التسعينيات، بثمن أقل من أسعار معارضها في وسط البلد، وكانت شركة كاملة، لديها المصانع والورش، بل وحتى أسطول نقل بري ضخم جدًا، بيعت لمنافسها "أوليمبك جروب"، الذي اكتفى صاحبه بتخريب خطوط إنتاجها، بدعوى تقادمها، ثم حوّل المصانع إلى خطوط تجميع لماركة "زانوسي" الإيطالية! والشركة قبل بيعها، تم تخسيرها عمدًا وبفعل فاعل معروف.

ببساطة تحوّلت مصر على أيدي عصابة الانفتاح والخصخصة من منتج إلى مستورد، وبالتالي تدفع بالدولار ما كنتَ تدفعه بالجنيه المصري، وتزيد الهوة سنويًا بين ما تصنعه وما تستهلكه، لتصير الفجوة مزمنة بعد أن تخليت طوعًا عن الماكينات، واستبدلتها بالأجنبي.

هذه كانت مجرد نظرة على تشرين/ أكتوبر الآخر، أكتوبر الذي دفع أثمانه بالدم وصنعه بالعرق والألم كل مواطن عادي، من الأغلبية العادية، التي ترتبط بهذا البلد بشكل غير عادي، لكنها وتحت قيادة النخبة غير العادية، فقد نزفت الخسارة والمرارة طوال الوقت وفي كل مجابهة، وإن كانت الحرب مع العدو الصهيوني واضحة، فإن خدم الصهيوني حولنا في كل مكان، ومستمرون في القبض على مستقبل البلد ومستقبلنا، نحن العاديين جدًا، الذين كتب علينا أن نموت في عمرنا عدة مرات، تحت ظل هذه الطبقة الصهيونية.

مصر

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات