آراء وتحليلات

إيران في مواجهة "الدفرسوار": الملايين تحسم في الشارع

26/09/2022

إيران في مواجهة "الدفرسوار": الملايين تحسم في الشارع

علي عبادي

 

فتحت الأحداث التي شهدتها العديد من المدن الإيرانية في الأيام الماضية بابًا لإطلاق تساؤلات مختلفة:

 

- هل تهدد هذه الأحداث نظام الجمهورية الإسلامية أو تؤشر الى تراجع الاستقرار في ايران؟
- هل يرتبط ما جرى فعلًا بوفاة الفتاة مهسا أميني في قاعة الانتظار في مركز للشرطة في طهران، أم أن هناك تحضيرات مسبقة تنتظر أي تطور لإثارة الاعتراض في الشارع؟
- لماذا تحولت حادثة ما الى موجة يتساوق فيها بعض الجهات الداخلية مع حكومات الغرب لإهانة رموز الإسلام (الحجاب، نظام الجمهورية الإسلامية، القائد، الشهداء، ...)؟
- ما علاقة هذه الأحداث بسير المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني؟

 

 

من المفيد النظر الى ما جرى في سياقين:

الأول داخلي، ويتصل بمجمل التطورات التي شهدتها إيران على مدى الأعوام الماضية من عمر الثورة. والثاني خارجي، يتعلق بالمرحلة الحساسة الحالية من عمر المواجهة الاميركية - الايرانية بعد توقف محادثات فيينا النووية.

* السياق الداخلي

يمكن الإشارة إلى بعض العناصر في هذا المجال:

1- من الواضح أن ايران تعيش أوضاعًا اقتصادية صعبة ناتجة عن الحصار الأميركي الذي طال كل النواحي تقريبًا بهدف زعزعة نظام الجمهورية الإسلامية والضغط لإحداث تحول داخلي يقرّب ايران من الغرب أو على الأقل يُبعدها مرحليًا عن خط المواجهة قبالة المشروع الأميركي الذي شهد هزائم عدة في العراق وأفغانستان ولبنان، بينما لم تتمكن واشنطن مع حلفائها من تطويع سوريا واليمن والمقاومة الفلسطينية في غزة، في ما تعتبره واشنطن ناشئًا عن "نفوذ إيران المزعزع للاستقرار" في المنطقة، وهو التعبير المستخدَم للإشارة الى دعم ايران لقوى المقاومة.

وقد ولّدت الصعوبات الاقتصادية نوعًا من الامتعاض في الأوساط الشعبية الايرانية، على ضوء تراجع سعر العملة المحلية وارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية. لكن الروح الإسلامية والوطنية ساهمت في توفير تماسك اجتماعي ساعد على تخطي الضغوط القصوى لإدارة الرئيس الأميركي السابق ترامب. كما أن الحكومة الايرانية تمكنت من اتخاذ إجراءات هامة للتغلب على آثار الحصار، ومن بينها توسيع نطاق العلاقات الاقتصادية مع دول الجوار والقوى المستقلة عن الهيمنة الأميركية، وتُرجم ذلك بارتفاع مستوى الصادرات الإيرانية ومعاودة إنتاج النفط بوتيرة تقترب مما كان عليه الحال قبل الحظر الذي فرضته إدارة ترامب. كما ان الرئيس الايراني الحالي السيد ابراهيم رئيسي باشر منذ تسلمه الحكم تواصلًا مباشرًا مع الجمهور الإيراني المتنوع من خلال زيارات أسبوعية الى المحافظات للوقوف على المشاكل وإطلاع الناس على توجهات حكومته.

برغم ذلك، يرى العديد من الايرانيين أن ثمة حاجة إلى اتخاذ مزيد من الإجراءات لتحرير الإدارة والاقتصاد من بعض العقبات البيروقراطية وإشراك القطاع الخاص، مما سيكون له أثر مختلف على الأداء الاقتصادي بشكل عام وانعكاسه على حياة المواطنين.

2- هناك جدل مستمر في إيران حول بعض السياسات الثقافية والاجتماعية، ومنها بعض الحريات المتعلقة بالنساء. وسُمح أخيرًا للنساء بحضور مباريات كرة القدم الرجالية، وهو تطور كانت تقف دونه اعتراضات عُرفية وشرعية. لكن في المقابل، أعيد التذكير بقواعد اللباس المحتشم وغطاء الرأس من منطلق تطبيق القواعد العامة للشريعة الإسلامية في المجتمع. وغالبًا، تساهلت قوى إنفاذ القانون مع بعض مظاهر التفلت من التقيد بهذه القاعدة، إلى حد أن بعضهنّ كنّ يُرخين المنديل الى مستوى أسفل الرأس مما يُعد تراجعًا غير مقبول، علمًا أن "الحجاب المقبول" هو ذلك الذي يغطي القسم الاكبر من شعر الرأس، مع ملاحظة تفاوت في التطبيق بين الأفراد. ويُسجل هنا أن تباين الحكومات المتعاقبة في التعامل مع موضوع الحجاب بين تشديد على الالتزام والتساهل به أدى الى ارتباك مجتمعي وإرسال رسالة خاطئة الى العديد من النساء اللاتي بدأن يتفلتن من الحجاب في الشارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. وجاءت قضية الفتاة مهسا أميني في هذه الأجواء.

ويستدعي ذلك إرساء سياسة واضحة في هذا الشأن بعيدًا عن الحسابات الانتخابية، بهدف تحقيق أكبر انسجام ممكن بين السياسات الحكومية وتطلعات القواعد الشعبية. كل ذلك لا يلغي حقيقة أن للمرأة حضورًا قويًا في مختلف المجالات في إيران، وهي تشارك في نشاطات علمية وفنية وبطولات رياضية دولية، من دون أن يكون الحجاب عائقًا أمام تحقيق نتائج مثيرة للإعجاب.

يدفع ذلك الى التطرق إلى مغزى جعل الحجاب هدفًا من الأهداف الأساسية للاحتجاجات الأخيرة، وتجسدت في جرأة المطالبة بخلع هذا الرمز الإسلامي. لكن ينبغي الانتباه الى أن المطالبين بهذا الأمر يمثلون في الأساس شريحة من المجتمع ترفض الإسلام والثورة كليًا، بدليل رفع شعارات معادية لنظام الجمهورية الاسلامية وتمزيق القرآن الكريم وحرق صور الشهداء ورايات حسينية في تحركات الشارع الأخيرة.

وقد يقول قائل إن هذه الفئة تصدّرت التغطية الإعلامية لأهداف دعائية لا تخفى، وأن الحراك في الشارع لا يقتصر على هؤلاء. وهذا أمر يحتاج الى تدقيق. ولا يمكن بأي حال القبول بالتعدي على أملاك عامة ودهس رجال الشرطة وإحراق بعضهم وهم أحياء، فضلًا عن إهانة رموز الإسلام والثورة، على الأقل من وجهة نظر ملايين المواطنين الذين خرجوا يومي الجمعة والأحد للتعبير عن دعمهم للنظام الإسلامي ورفض التخريب.

3- هناك قوى داخلية من بقايا النظام السابق وجماعة مسعود رجوي والحركات الانفصالية المسلحة تتربّص بأي اختلال أو حادثة وتستغل مشاعر الاعتراض من أجل إشعال الموقف كلما سنحت فرصة. وهذا ما ظهر في الحوادث الاخيرة، من خلال رصد تحرك مجموعات انفصالية عبر الحدود العراقية وإدخالها أسلحة وصواعق كهربائية تم ضبط كميات منها، وأيضًا من خلال استخدام مسدسات من قبل بعض المشاركين في أحداث الشغب وتنفيذ هجمات مباشرة على قوى الأمن وإحراق سيارات الإسعاف والإطفاء.

4- ربما تستفيد المجموعات التخريبية من تراجع "التيار الإصلاحي" لتملأ الفراغ النسبي الذي يتركه في قيادة الشارع المؤيد له وتشيع أجواء تشاؤم وإحباط، على ضوء الصعوبات التي تواجهها البلاد. وأدت الاستقطابات الحزبية في الماضي الى أضرار سمّمت الجو العام في البلاد، وهو أمر حذر منه آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي، مُميّزًا بين الحق في الانتقاد وإشاعة اليأس.
 
* السياق الخارجي

في هذا المجال، نلاحظ الآتي:

- تؤشر مبادرة الإدارة الأميركية الى الدخول على خط الأحداث الداخلية في ايران إلى مساع أميركية لم تتوقف يومًا من أجل زعزعة استقرار النظام الإسلامي في هذا البلد. ولا يفوّت الأميركيون فرصة لإعلان "وقوفهم الى جانب الشعب الايراني" ضد حكومته، على رغم ان واشنطن تفاوض هذه الحكومة وتسلك كل الطرق للقاء مسؤوليها في فيينا أو نيويورك أو بغداد، وسط امتناع إيراني مشهود.

ويمكن إدراج إمداد "المحتجين" الايرانيين بالإنترنت الفضائي عبر تمويل حكومي أميركي لمجموعة أقمار الملياردير إيلون ماسك في سياق ضغوط متنوعة على إيران، من بينها الحظر الاقتصادي ودعم مجموعات تخريبية في الداخل. وسبق أن استغلت إدارة باراك أوباما أحداث ما بعد الانتخابات الرئاسية في إيران عام 2009 لكي تعقد اتفاقًا مع إدارة منصة تويتر الأكثر استخداما في إيران وقتها من أجل تحريض الشعب الإيراني على حكومته وتوسيع الشُقّة بين الجانبين باسم الدفاع عن "حرية التعبير".

ومؤخرًا، عاودت إدارة الرئيس الاميركي بايدن فرض مجموعة جديدة من إجراءات الحصار، بالتزامن مع محادثات فيينا، وسط مؤشرات الى ارتفاع مستوى الضغط الاميركي والاوروبي على إيران وتأجيل البتّ بالاتفاق النووي الى ما بعد الانتخابات النصفية للكونغرس الاميركي، بسبب خضوع بايدن لضغوط اللوبي الصهيوني ومخاوفه من تأثر حظوظ حزبه في الانتخابات أمام اليمين الأميركي.

- هناك مسعى دائم لدى واشنطن لضرب النموذج الإسلامي الاستقلالي أينما كان ومساندة النموذج التابع لها. وفي حالة إيران، تعتبر واشنطن أن الجمهورية الاسلامية عقبة أمام نجاح السياسة الاميركية في المنطقة وخطر جوهري على "اسرائيل"، ومشروع مستقل يمسّ بالهيمنة الأميركية على المنطقة، لا سيما في الوقت الذي تتحضر الادارة الاميركية لتخفيف حضورها العسكري المباشر في الإقليم وتعويد حلفائها على الاعتماد على أنفسهم بالتكافل والتضامن في ما بينهم. وجاء تطبيع حكومات عربية مع العدو في هذا السياق على أمل تشكيل جبهة في مواجهة تأثير إيران على مجرى الأحداث الاقليمية. ولا ريب أن إعادة التصويب على الداخل الايراني، بالاستفادة من توظيف آثار الحصار الاقتصادي، تهدف الى إرباك الجمهورية الاسلامية وتثبيطها عن دعم حلفائها في مواجهة المشروع الصهيوني والاتفاقيات الأخيرة. وأخطر ما تلجأ اليه واشنطن هو "القوة الناعمة" من خلال الإمكانيات التي تسخّرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي توظفها لخدمة سياساتها، بعدما يئست من جدوى استخدام القوة الصلبة العسكرية، وإلى حد ما الاقتصادية. ويمكن القول إن أحد الأهداف الأساسية للحصار الاقتصادي هو تثوير الشعب ضد النظام تمهيدًا لتسليم البلد الى نخبة ترعاها واشنطن، ويعبّر مسؤولون أميركيون عن هذه الحقيقة بين وقت وآخر.  

- من الملاحظ أن الاحتجاجات في ايران تزامنت مع انتهاء ذكرى اربعين الإمام الحسين عليه السلام والتي شكلت ملحمة شعبية إيرانية - عراقية قلّ نظيرها، وهي فعالية تساعد على التقريب بين البلدين والشعبين، الأمر الذي يسوء القوى الاستخبارية.

في المحصلة، يمكن القول إن إيران، في ظل مواقفها المبدئية ووقوعها في مرمى الاستهداف الأميركي المباشر، تتعرض بين وقت وآخر لخضّة داخلية. صحيح أن هناك اعتراضات على طريقة إدارة بعض الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، لكن الصحيح أيضًا أن بعض القوى المعترضة تأخذ "روحًا" من التشجيع الأميركي المباشر وغير المباشر من أجل رفع سقف شعاراتها والمضي في المواجهة على نحو دموي بدلًا من سلوك سبيل المطالبة السلمية.

في المقابل، فإن المسيرات الجماهيرية الداعمة للنظام والرافضة للتخريب في طهران والمدن الإيرانية الأخرى تضع، كما في كل تجربة ماضية، حدًّا فاصلًا بين آمال تغيير أو ضعضعة النظام الإسلامي وتحقّقها فعليًا. وهذا يؤشر الى أن النظام يستند إلى قاعدة صلبة متماسكة تتماهى مع أهدافه وتتحمل الصعاب من أجل الأهداف الاسلامية والوطنية العليا. وبالتالي، فإن الأحداث الأخيرة، وإن تركت ندوبًا على الوجه، هي أصغر وأقل من أن تشكل تهديدًا فعليًا للنظام الجمهوري الإسلامي.
وبالمقارنة، فإن أحداث عام 2009 كانت أخطر في اتساعها وموقعية القائمين عليها وتم احتواؤها. وربما يبتهج الأعداء بالأحداث الجديدة، لكنهم سيكتشفون بعد حين أن القيادة الإيرانية متمرسة في فنون اجتذاب "الدفرسوارات" الداخلية الى ساحة الأضواء ومن ثم محاصرتها أمنيًا وشعبيًا، بينما ستنكفئ واشنطن بانتظار جولة أخرى.

الجمهورية الاسلامية في إيران

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات