آراء وتحليلات

قراءة في كتاب "التنويع الاقتصادي في نيجيريا: سياسة بناء اقتصاد ما بعد النفط"

20/09/2022

قراءة في كتاب "التنويع الاقتصادي في نيجيريا: سياسة بناء اقتصاد ما بعد النفط"

عبير بسّام

 

تركّز العين الأميركية والبريطانية تحديدًا اليوم على أفريقيا بشكل أكبر من أي يوم مضى. وقد نشرت مقالات عدة حول تراجع الدور البريطاني في تقديم ما يسمى الدعم للمنظمات الدولية العاملة مع فقراء القارة السوداء الغنية. بدأ ذلك تحديداً بعد انتشار وباء كورونا مما أدى إلى انكشاف مدى ضعف السياسات الاقتصادية في اتساع مساحة الفقراء في البلاد الغنية بثرواتها الباطنية.

 وأعلنت القوّة المستعمرة الأولى في أفريقيا "بريطانيا" أنها ستتبع سياسة تنموية في البلاد تعتمد على تمكين المرأة والطبقات الفقيرة، ودعم الأعمال الصغيرة. فهل تتجه افريقيا اليوم نحو ذلك؟ وماذا عن نيجيريا البلد الذي يعتمد في سياساته الاقتصادية على عوائد النفط وباقي الثروات الطبيعية التي يزخر بها؟ هل سيتبع سياسات تنموية أخرى تنهض بالبلاد؟ هذا ما سنحاول أن نكتشفه في الكتاب.

لا يتحدث الكتاب عن دور الاستعمار البريطاني تحديداً، ولكنه يأخذ حيزاً هاماً فيه. يتحدث عن أسباب تراجع الدخل وانتشار الفقر في نيجيريا تحديداً، وعن مفهوم النهوض بالاقتصاد المنقوص، خاصة وأن قادة نيجيريا هم من مخلفات الاستعمار، سواء جاؤوا بالطرق الديمقراطية أم الديكتاتورية. كما أن تأثير العوامل الثقافية والاجتماعية في نيجيريا ما يزال تلعب دوراً كبيراً في تحديد السياسة وانتخاب السياسيين أو تعيينهم وتعيين القائمين على قرارات مشاريع التنمية في البلد.
 
نشر الكتاب لأول مرة في بريطانيا عام 2022، وقام بطباعته ونشره بلومبري وهو من تاليف الدكتورة زينب عثمان، من نيجيريا. الكتاب في الأساس هو عبارة عن رسالة لنيل الدكتوراة من جامعة اكسفورد.

د. زينب عثمان هي مديرة برنامج إفريقيا في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي في واشنطن العاصمة، وتشمل مجالات خبرتها المؤسسات والسياسة الاقتصادية وسياسة الطاقة والاقتصادات الناشئة في إفريقيا. قبل انضمامها إلى كارنيجي، ابتدأت عثمان العمل مع البنك الدولي كجزء من برنامج المحترفين الشباب المرموق، ومن ثم كمتخصصة في القطاع العام، وبالذات ضمن برنامج الاستدامة الاجتماعية وإصلاح السياسات وإدارة الموارد الطبيعية والتقنيات التخريبية في البنك الدولي في دول عدة في أفريقيا وآسيا وأوروبا. كما عملت في مكتب مستشار الأمن القومي في نيجيريا. إن مجالات العمل التي خاضتها وتخوضها المؤلفة يمكن الاستدلال منها على الخلفية الثقافية والسياسية للمؤلفة وعلى مدى اطلاعها الرسمي على قضايا نيجيريا السياسية والاقتصادية في العمق، مما سيساعدنا على فهم خلفية الكتاب بشكل أفضل.

يتألف الكتاب من ثمانية فصول إضافة إلى الخاتمة:

- الفصل الأول: تحديات تحقيق التنويع الاقتصادي
- الفصل الثاني: التنويع الاقتصادي: المفهوم والتطبيق والعلاقات بين الدولة والسوق
- الفصل الثالث: تفريغ السياسة: السلطة والجهات الفاعلة والمؤسسات
- الفصل الرابع: التحول إلى أكبر منتج للنفط في إفريقيا
- الفصل الخامس: التحول إلى أكبر اقتصاد في إفريقيا
- الفصل السادس: خيارات السياسية الناجحة والفاشلة في التحول إلى أكبر اقتصاد أفريقي
- الفصل السابع: لاغوس: الأسس السياسية لتنويع راس المال الاقتصادي في نيجيريا
- الفصل الثامن: كانو: الأسس السياسية الفاشلة في تحول نيجيريا نحو الصناعات الزراعية

مع أن الكاتبة تحاول التحدث بحياد عن تأثير الاستعمار البريطاني على بناء الاقتصاد الحقيقي في أفريقيا ونيجيريا تحديداً، إلا أنه لا يمكننا إلا أن نشعر بالمأساة التي خلقتها الخطط البريطانية، وهي من أسست ليكون اقتصاد نيجيريا ومن حولها اقتصاداً ريعياً يعتمد على الثروات الباطنية من نفط وغاز ومعادن ثمينة، بدلاً من التوجه نحو الزراعة والصناعة، والتصنيع الغذائي، لتغدو البلاد معتمدة بشكل أساسي على الاستيراد في تأمين حاجاتها الغذائية.

كانت غرب إفريقيا المنتج الرئيسي لزيت النخيل في العالم. وفي سبعينيات القرن التاسع عشر، أخذ المسؤولون الاستعماريون البريطانيون بذور المحصول من النخيل من شرق نيجيريا إلى مستعمراتهم الأخرى في جنوب شرق آسيا لزراعتها وتلبية الطلب المتزايد من الثورة الصناعية في إنجلترا. بحلول عام 1966، تجاوزت إندونيسيا وماليزيا نيجيريا لتصبحا أكبر منتجي زيت النخيل في العالم. واليوم، أصبحت ماليزيا أكبر مصدر في العالم للمنتج، ولديها ثلاث من أكبر خمس شركات لزيت النخيل في العالم. وإضافة إلى زراعة النخيل على نطاق واسع، فإن هناك أكثر من 300000 مزارع من أصحاب المراكز التجارية. تعتبر صناعة زيت النخيل رابع أكبر مساهم في الاقتصاد الماليزي، وتوظف أكثر من 600000 شخص، من ذوي المهارات العالية والمهارات المنخفضة. ماليزيا لا تصدر زيت النخيل فقط، بل طورت سلسلة قيمة من بواقي المنتجات عبر الاستثمار في البحث والتطوير، ففتحت قطاعات جديدة تتعلق بتكرير مخلفات إنتاج الزيوت، بما في ذلك الوقود الحيوي.

العكس تماماً، حصل في نيجيريا، اذ باتت البلاد في المرتبة الثالثة في إنتاج زيت النخيل. وليس بإمكانها أن تصنع ما يكفي الاستهلاك المحلي سوى بنسبة 80%. وعلى المستوى العالمي فإنه لا يوجد في نيجيريا حتى اليوم أي مصانع لها علاقة بانتاج النخيل عالمياً، وأكثر من ذلك فإن الاستيراد وتهريب زيت النخيل إلى نيجيريا ينافس الإنتاج المحلي بسبب غلاء تكلفة انتاجه محلياً. ويشبه مصير صناعة انتاج الكاكاو والقطن في مصيره صناعة النخيل، وباتت البلد كما حال باقي دول افريقيا تفتقر لهذه الصناعات الغذائية الهامة. وهذا التراجع في الإنتاج من النخيل وبالتالي الزيت، والكاكاو والقطن وبالتالي في الصناعات النسيجية، تسبب في تحييد نيجيريا وأفريقيا عن دور لهما لتصبحا مساهماً حقيقياً في الاقتصاد العالمي. وباتت دول شرق آسيا مثل أندونيسيا وماليزيا، والتي كان حاصل الدخل الفردي فيها في العام 1960 يساوي حاصل الدخل الفردي للمزارع الإفريقي، قوى فاعلة في الاقتصاد العالمي ورفعت من مستوى دخل المزارعين والمواطنين فيها بشكل ملفت.

يسعى الكتاب للتعريف بالتحديات الرئيسية، التي تواجهها التنمية الاقتصادية في نيجيريا، اذا اخذنا بعين الاعتبار أن أحد التحديات هو التنويع في الاقتصاد، والذي تحد من مصادره بشكل أساسي البيئة السياسية المتقلبة في البلاد. ولذا يركز الكتاب على التحديات التي تواجه الزراعة والتمويل، في ظل اقتصاد يتسم بالركود والتدهور. ومنذ حصول نيجيريا على الاستقلال في العام 1960، كان أداؤها الاقتصادي، وخاصة في القرن الحادي والعشرين، غير متسق خلال مرور الوقت في القطاعات المختلفة، بمعنى ان هناك فجوة كبيرة بين الفقراء والأغنياء. ومنذ العام 2000 شهدت قطاعات البنوك والتمويل ظهور أباطرة مثل أنتوني إلوميلو، والذي يمتد نفوذ مؤسساته المالية ليصل إلى نيويورك. كما اتسعت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وصناعات الترفيه مثل أفلام نوليوود، "Nollywood"، المحلية في نيجيريا وصناعة موسيقى أفوربيت، "Afrobeats". ومع ذلك، فإن مجالات أخرى - مثل الزراعة التي يسعى صناع السياسة مثل السناتور عليميخينا إلى حمايتها من المنافسة العالمية والتصنيع وصناعة النفط - شهدت نموًا بطيئاً، بل لنقل انحداراً.

لذلك فمن الضروري أن يكون لدى القارئ فهم لماهية التحديات التي تطال الاقتصاد النيجيري، والفرص التي يمكن تسخيرها من أجل تحسين الأداء. هذا الكتاب يعرّف بالتحدي الرئيسي للتنمية الاقتصادية لنيجيريا باعتباره أحد تحديات تنويع اقتصادها، كما يوضح كيف تم تشكيل هذا التحدي من خلال البيئة السياسية المتقلبة في البلاد. وما يزيد الطين بلة، أن نيجيريا، والتي لا تعزلها الكاتبة بوضعها الاقتصادي والاجتماعي عن باقي أفريقيا، تشهد ازياداً كبيراً في عدد السكان. وتقول الكاتبة إن نيجيريا ليست قطر، التي تنتج كميات هائلة من الغاز والنفط ولكن عدد سكانها محدود، ولذلك لا تستطيع أن تعتمد نيجيريا على النفط تحديداً في التنمية البشرية. كما أن نيجيريا لا تنتهج سياسة يمكنها أن تساهم بحفظ مخزون من ثرواتها الباطنية للأجيال القادمة، مما يجعل مستقبل البلاد في غياب أنواع اخرى من الخطوات التنموية الاقتصادية ذا مصير مجهول.

هذا تعريف مبدئي حول ما جاء في الكتاب الذي يفسر التحديات التي تواجهها نيجيريا حتى في مجال الموسيقى والأفلام. ولكن كما أوضحت الكاتبة مراراً وتكراراً أن أنواع الصناعات التي عددت فيما سبق، لا تعد اساساً في رفع المستوى الاقتصادي في نيجيريا، وخاصة على مستوى دخل الفرد، الذي بقي متراجعاً بصورة لا تتناسب مع دولة تعد التاسعة عالمياً في إنتاج النفط، إذ إن أهم ما تفتقر إليه نيجيريا هو الشركات المملوكة من أصحاب أموال نيجيريين مهتمين بتغيير الواقع الاقتصادي في البلاد، بينما من يدير الشركات في نيجيريا هم أفراد من لبنان وسوريا وأوروبا و"اسرائيل" وأميركا، والذين همهم الأول هو تحقيق الأرباح على المستوى الشخصي. وبالتالي فإننا نعود هنا إلى الشخصانية والمحسوبية عند رجال الأعمال والسياسة على حد سواء في تعيين الموظفين من عمال وخبراء ومعظم الأوقات من خارج البلاد.

إذًا، تحتل نيجيريا المرتبة التاسعة عالمياً في تصدير الغاز. ولذا تتحدث الكاتبة عن لعنة البترول التي تلاحق الدول المصدرة للنفط والغاز، هذه اللعنة التي جعلت نيجيريا تهمل أهم مصادرها الاقتصادية في العالم وتعتمد على البترول في موازنة ميزانها التجاري. وتشرح الكاتبة تعبيرًا هامًا يتعلق بتحديات في مجال الاقتصاد الكلي ويعرف باسم "المرض الهولندي"، وهو تعبير صاغه الاقتصاديون في العام 1977 في هولندا بعد استخراج الهيدروكربونات في بحر الشمال. منذ ذلك الحين، درس الاقتصاديون الأضرار التي تتسبب بها الأخبار الجيدة حول اكتشاف احتياطات نفطية كبيرة، باقتصاد الدولة الأوسع حين يبدأ بتدفق كبير من النقد الأجنبي لاستغلال مورد جديد. بينما في الوقت نفسه يهمل البلد المجالات الاقتصادية الأخرى مثل الزراعة والصناعة من أجل تطوير الموارد المحلية.

وهذا المرض هو ما أصاب نيجيريا بالتحديد!

بريطانيانيجيريا

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة