نقاط على الحروف

ماتت "ملكة المتنورين" في بريطانيا.. والحداد في بلاد العرب

12/09/2022

ماتت "ملكة المتنورين" في بريطانيا.. والحداد في بلاد العرب

عبير بسّام

عن عمر ناهز الـ 96 عامًا توفيت ملكة انكلترا، الممثل الأعلى لحركة المتنورين أو الماسونية في العالم. توفيت الملكة التي مثلت بحياتها وموتها ومراسم دفنها وعزائها، كل الالآم والمآسي والتنكيل والسرقة والتجويع لشعوب العالم في أفريقيا ومن الوطن العربي شمالاً وحتى الهند والصين واليابان جنوباً. ماتت الملكة التي شكلت دولتها أكبر امبراطورية استعمارية في العالم ارتكبت المجازر البشعة بحق ما يسمى بالعالم الجديد في الأمريكتين وقارة أوقيانوسيا. ماتت الملكة التي تحكم مخابرات بلادها مخابرات دول شكلت تحالف دول العيون الخمسة و... وحتى الاثنتي عشرة. ماتت الملكة، التي بإصبع مخابرات دولتها وسلطة حليفها الأبدي أمريكا ضد العالم كانت وما تزال تقتل أهل بلادنا.

يمكننا أن نعدد ما تمثله ملكة بريطانيا العظيمة من خراب على العالم "الفقير"، الذي يقع في جنوب بلادها، وهو مصدر ثرواتها المتعاظمة إلى ما لا نهاية. ومنذ تسلمها الحكم في العام 1952، كانت الملكة الراحلة، خير نصير للصهيونية وللكيان "الاسرائيلي" المارق، مع العلم أنها لم تزر يوماً الكيان الصهيوني. ولكن هل يعني ذلك أن ننسى التاريخ الاستعماري الطويل لبريطانيا؟

إن تعامل البعض مع موتها وكأنه فَقد شخص لوالدته، يعد حقاً ضرباً من الجنون. إن أحداً منا لا تعنيه هذه السيدة، إلا بمقدار ما يعنيه موت أرسطو منذ آلالاف السنين، إذا كنا نتحدث عن ألم الموت. ولكن اذا كنا نتحدث عن العلم والمنفعة، فإن هناك شكا كبيرا بأن الشعوب المقهورة لن يكون هذا الخبر بالنسبة لها سوى تذكرة مؤلمة للأزمات التي تعانيها، والتي وصلت إليها بسبب الاستعمار البريطاني لمئات السنين.

الاستعمار هو الذي مكّن بريطانيا، أو بالتحديد الملكية والأرستقراطية والبرجوازية البريطانية، من توسيع رقعة عملها وزيادة أرباحها على حساب الشعوب المستعمَرة. كما قام البريطانيون في بداية القرن بإنشاء الملكيات والإمارات والحكومات التي تتناسب وتحقيق أهداف بريطانيا العظمى ضاربين عرض الحائط بما تريده الشعوب. وقدمت لتلك الحكومات الدعم الكامل لمواجهة شعوبها.

دفعت الشعوب آلاف الضحايا والشهداء خلال فترة احتلال بريطانيا لها على طريق التحرر، وما تزال بعض الدول تدفع الثمن حتى اليوم عبر استغلال الشعوب واستمرار دعم الأنظمة التي أسستها واستمرار فرض أنواع من الخوات تحت تسميات مختلفة مثل حماية الأمن والاستقرار.

الاستعمار هو الذي قسّم الدول وخاصة في منطقتنا العربية إلى مناطق نفوذ تقاسمتها كل من فرنسا وبريطانيا وأضعفت بها قوة الوطن العربي الواحد. وأحياناً قسمتها بريطانيا في منطقة نفوذها الواحد كما فعلت بين فلسطين والأردن وشبه الجزيرة العربية وشبه الجزيرة الهندية، التي قسمتها إلى باكستان والهند وجامو وكشمير وأبقت الصراع محتدماً حتى يومنا هذا.

إنها المملكة، التي عملت منذ نهاية القرن التاسع عشر على تقوية ودعم الصهيونية العالمية لإنشاء الكيان المارق "إسرائيل" وأصدرت وعد بلفور باسم حكومة جلالة الملك. المضحك أنه اليوم إذا ما حاولت تصفح أي محرّك بحث على الانترنت، ووضعت "تصريحات الملكة إليزابيث الثانية حول فلسطين"، أو اخترت كلمة "اسرائيل"، فستحصل على النتيجة ذاتها حول عدم توجه الملكة الراحلة لزيارة الكيان المارق على الرغم من الدعوات التي وجهت لها، وعلى الرغم من أن الملكة قد زارت الأردن ودولًا عدة في المنطقة. لكن ستؤكد جميع الصفحات الزيارة الرسمية لولي العهد ويليام للكيان، وزيارة الملك الحالي تشارلز الثالث، عندما كان ولياً للعهد، خلال فترة حكمها. وما يؤكده البحث منح الملكة لقاتل الأطفال في قانا "شمعون بيريز" لقب "سير" وتكريمه لجهوده من أجل السلام في فلسطين والمنطقة العربية.

ومع ذلك نرى حكام العالم يسارعون من أجل التعبير عن أسفهم لرحيل ملكة دولة مثّلت أبشع استعمار عرفه العالم، وهي التي بالتأكيد لم تقف يوماً لتعبر عن حق الشعب الفلسطيني بالحياة الكريمة، أو حتى بالحياة. لم تعرب يومًا ولو بتصريحات منافقة عن ادانتها لممارسات الكيان المارق في فلسطين ضد الفلسطينيين. لم تعتذر يوماً عما تسببته دولتها من مآسٍ وقتل وتنكيل ومجازر في منطقتنا العربية وفي كل مكان احتلته. لم تخاطب يوماً الشعوب التي مارست ضد أهلها وشعبها الأصليين العنصرية البغيضة، في استراليا وأمريكا وأفريقيا.

وبالتأكيد، لم تعتذر يوماً عن أنظمة التفرقة العنصرية التي أقامتها ودعمتها وأسست لها في الهند وأفريقيا والعالم. ولم تعتذر يوماً عما فعله بحّارتها وتجار العبيد الذين سهلت عملهم بخطف الأفارقة وبيعهم في أسواق النخاسة في أمريكا الشمالية.

اذا أردنا أن نعرف حجم السرقات التي قامت بها المملكة عبر تاريخها الاستعماري، فعلينا أن ننظر إلى مظاهر الحياة الفارهة التي يعيشها هؤلاء في حين أن كل قطعة ألماس كانت ترتديها الملكة كانت مغسولة بالدم الإفريقي، وكل خاتم ذهبي زيّن يدها فقد عمّد بدم سكان أمريكا الأصليين. وإذا ما تحدث التاريخ والحاضر والمستقبل فسيتحدث بالتأكيد عن الجريمة التي ارتكبت مراراً وتكراراً في صمتها عما يحدث في فلسطين.

على وسائل التواصل الاجتماعي سُجّلت تعليقات لافتة ساءها المديح الذي كاله الحكام العرب وخاصة الرئيس الفلسطيني في تعظيم دور الملكة، وإعلان الحكام العرب الحداد لأيام على موتها، مع أن المملكة البريطانية لم تعلن يوماً الحداد ولو لساعات على أي من موتاهم من الملوك والحكام، فكتب أحد المدونين: "المضحك أن حكام العرب يعلنون الحداد، ورئيس السلطة الفلسطينية يعزي بقاتل شعبه وسالب حقه، أي عار سيلاحقكم". وكتب آخر: "بريطانيا العظمى استعمرت ونهبت ثروات العالم منذ 350 عاماً، وقتلت الملايين". ويكمل: "يقولون إن موت الإنسان يكشف بعض الحقائق، والحقيقة المكشوفة، التي أكدها موت الملكة.. هي خيانة بعض الحكام العرب والشخصيات العميلة [والحداد على الملكة]، ما هو إلا إعلان بذلك..".

بريطانياالكيان الصهيوني

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة