طوفان الأقصى

آراء وتحليلات

الصين تنافس امريكا فضائيًّا
03/09/2022

الصين تنافس امريكا فضائيًّا

د. علي دربج باحث ومحاضر جامعي

يبدو أن المواجهة الصينية ــ الأمريكية المستعرة حاليا حول عدد من الملفات والقضايا الاقتصادية والتجارية والسيادية (كتايوان مثلا)، ستشهد مستقبلا، فصلا جديدا غير مألوف ستكون له آثار وتداعيات كبيرة وخطرة على واشنطن، مع بروز عدد من المؤشرات والمعطيات عن نشوء ساحة صراع جديدة بين البلدين، لكن مركزها هذه المرة ليس الارض، بل الفضاء الخارجي، نتيجة للخطوات الكبيرة والقفزات النوعية المتقدمة جدا التي حققتها بكين، في برنامجها الفضائي.

جاء قرار "وكالة الفضاء" ناسا، خلال الأيام القليلة الماضية، بتأجيل اطلاق المسبار القمري "أرتميس" (لأسباب تقنية كما جاء في بيان الوكالة) والذي كان مخططا له نهار الاثنين في 29 اب/ أغسطس الماضي، ليزيد من سوداوية المشهد لدى الامريكيين، ويفاقم مخاوفهم من أن يصبحوا خلف الصين (فضائيا)، التي باتت أكثر تصميما وعزما على التفوق على أمريكا في الفضاء أيضا.

بعد الخيبة التي مُني بها الامريكيون (قيادة وشعبا بسبب هذا التأجيل) ارتفعت الاصوات وتعالت الدعوات في الداخل الامريكي، من قبل القيادات والسياسيين والمشرعين في واشنطن، الذين طالبوا بضرورة بذل اقصى الجهود، والتغلب على جميع الاعطال، لعودة اطلاق "أرتميس"  إلى المسار الصحيح في أقرب وقت ممكن، كون هذا الأمر يصب  في صالح الأمن القومي الأمريكي اولا واخيرا، خصوصا وأن الصاروخ الذي يحمل المسبار، يعد أقوى صاروخ صنعته ناسا على الإطلاق حتى الآن.

ما الرابط بين الامن القومي الامريكي ونجاح إطلاق "أرتميس"؟

يرى المسؤولون الأمريكيون أن هبوط شخص ما على سطح القمر لأول مرة منذ 50 عاما، سيكون علامة ملموسة ورسالة للكثيرين على استمرار التفوق الامريكي، وأن روح أمريكا القادرة على فعل شيء، ما زالت حية وبصحة جيدة.

علاوة على ذلك، فإن هذا الإطلاق الذي طال انتظاره (ومن المرجح ان يتم اليوم السبت)، سيدشن برنامج "أرتميس" لرحلات من القمر إلى المريخ، والذي يخلف مشروع "أبولو" في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. فالرحلة المأهولة المخطط لها إلى المريخ، والتي يعتزم "أرتميس" المساعدة في التحضير لها، ستكون أكثر أهمية، وستساهم في تكريس الزعامة الامريكية في الفضاء كما يأمل صناع القرار في واشنطن.
 
لكن مهلا، فإن هذه الفوائد والآمال التي تعلقها القيادات الامريكية على "أرتميس"، (حتى في حال نجاح الاطلاق) ستتلاشى  وتنقلب الى حالة قلق وجزع، نظرا للتحديات العسكرية التي يمكن أن تواجهها الولايات المتحدة من الصين التي أعلنت عن برنامج طموح للقمر يتضمن نظامًا لكشف الكويكبات وإبعادها عن الارتطام بالأرض - وهو سلاح من المحتمل أن يكون له تأثير وأهمية كبيران على الارض، حيث ستتمتع بكين عندها بإمكانية ضرب أهداف أرضية (ضد أعدائها) من الفضاء.

علاوة على ذلك، هناك هاجس اخر، يقض مضاجع واشنطن، الا وهو التعاون الفضائي بين بكين وموسكو اللتين اعلنتا عن خطط لإنشاء قاعدة قمرية دائمة مشتركة بحلول عام 2027. وفي حال نجحت هاتان الدولتان في مسعاهما، فهذا يعني ان الدّ خصوم أمريكا (والكلام هنا يعود للمحللين الامريكيين) بات بامكانهم الإضرار بمصالح الولايات المتحدة في الفضاء، في وقت أقرب بكثير مما يعتقد المسؤولون الامريكيون انفسهم.
 
ما هي أسباب الخوف الأمريكي من الخطط الصينية الفضائية؟
 
لا يتطلب الأمر عالما في مجال الصواريخ لمعرفة سبب تهديد التقدم الصيني الفضائي للأمن القومي الأمريكي. قديما كانت السيطرة على الأراضي والقمم المرتفعة  أمرا ضروريا للتحكم بسير الحروب وربحها. من هنا فإن التكتيكات التي كانت متبعة في تلك العصور مثل الاحتفاظ بجبل أو القتال من خلف جدار قلعة، قد تغيرت وتوسعت مع تطور التكنولوجيا، لتتخطى حدود الجو، وتصل الى الفضاء.
 
أصبحت قيادة الجو ـ فضائية الآن ضرورية لأي جيش حديث. على سبيل المثال، تعتمد الذخائر الدقيقة الفتاكة للجيش الأمريكي على اتصالات الأقمار الصناعية الفورية لضرب أهدافها، وبالتالي أي شيء يهدد قدرات الولايات المتحدة الجوية أو المدار حول الأرض، أصبح يشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي مباشرة.

وانطلاقا من هذه النقطة، فالخشية والخوف الأمريكي من الصين، نابعان من خطط بكين القمرية. المفارقة، انه بالرغم من تأكيد الصين  على الطبيعة السلمية والعلمية الكاملة لبرامجها الفضائية، لكن ثمة قناعة لدى واشنطن (التي تجاهر بانها لا ولن تضع ثقتها في الوعود الصينية) انه يمكن عسكرة الوجود القمري الصيني أو الصيني ــ الروسي الدائم، ربما دون أن يتم اكتشافه بسهولة ما لم تمتلك الولايات المتحدة قدرة فضائية مماثلة. ولهذا السبب، تعول امريكا وتسخر كل قدراتها وامكانتها التكنولوجية لانجاح برنامج "أرتميس" لمواجهة الصين وحتى روسيا فضائيا.

من جهة ثانية، ومع ان أمريكا تدعي ان "أرتميس" ليس عسكريًا بطبيعته، لكن التقنيات التي تم تطويرها للبرنامج تتيح لها استخدامها عسكريًا. اكثر من ذلك، تستطيع ناسا أيضا مشاركة المعلومات التي تحصل عليها مركباتها، مع قوة الفضاء الأمريكية، والتي يمكنها بعد ذلك العمل بمفردها لتطوير التطبيقات العسكرية.
 
ما مدى خطورة البرامج الفضائية الصينية المستقبلية على الامن القومي الامريكي؟

حاليا، ووفقا للخبراء الامريكين، فإن التحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة من الصين، لا يقل خطورة على الأقل عن التحدي الذي شكله السوفييت قبل حوالي 60 عامًا، لا سيما وان اقتصاد بكين أكبر بعدة مرات مما كان عليه اقتصاد الاتحاد السوفيتي ، وقد طورت تكنولوجيا أكثر تطوراً من الاتحاد السوفيتي على الإطلاق.

في المحصلة، ثمة خطر داهم مقبل على امريكا، كون الصين تسدّ وبشكل متسارع جدا، الفجوات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية بينها وبين الولايات المتحدة وهذا ينطبق على الفضاء ايضا، وبالتالي سيخولها في العقود وربما السنوات القليلة المقبلة، من أن تصبح سيدة الفضاء الاولى من دون منازع.

الفضاءالصواريخ

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية
مقالات مرتبطة