آراء وتحليلات

وقفة مع بداية السنة التاسعة للحرب العالمية على سوريا

922 قراءة | 11:38

سركيس أبوزيد

في منتصف شهر آذار/ مارس الحالي دخلت "الحرب  العالمية على سوريا" السنة التاسعة في ظل عناوين كثيرة وغموض كثيف يلف مصير المناطق المتبقية في الشمال والشرق خارج سيطرة الحكومة المركزية، ومصير العملية السياسية التي يتجاذبھا مسارا جنيف وأستانة، ومصير الوجود الأميركي العسكري أو ما تبقى منه، ومصير الأكراد الواقعين عند نقطة التقاطع الأميركي ـ الروسي.

على الأرض، تتجه الأنظار الى منطقتين باقيتين خارج سيطرة الدولة: إدلب التي تريد دمشق استعادتھا بالقوة أو بالسياسة ردا على المماطلة التركية بتنفيذ "اتفاق سوتشي"، وشرق الفرات التي تسعى أنقرة الى دخولھا عسكريا.

على مقلب آخر، يُفتح ملف  المنطقة الأمنية التي تسعى تركيا الى فرض سيطرة كاملة عليھا، وفي  تقديرھا أن روسيا لا تعارض ھذا الطرح عبر اتفاق بين دمشق وأنقرة مثل "اتفاق أضنة".

صحيفة "وول ستريت جورنال" أفادت مؤخراً بأن المحادثات مع تركيا والقوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة والحلفاء الأوروبيين فشلت في التوصل إلى اتفاق بشأن المنطقة الأمنية في شمال شرقي سوريا، وأن واشنطن قررت المضي في مواصلة العمل مع المقاتلين الأكراد في البلاد.
 
في الواقع، تبدو السياسة الأميركية في سوريا في حالة من الفوضى. في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب أنھا ستسحب جنودھا من شرق سوريا في غضون أربعين يوما. بعد ذلك، تحوّلت الأيام الأربعون إلى أربعة أشھر. ومؤخراً، بدلت إدارة ترامب قرارھا وأعلنت أنھا ستترك في شرق سوريا 200 جندي، وبعد يومين، ارتفع العدد إلى 400 جندي.

من جهة اخرى تعلن إدارة ترامب أن فرنسا وبريطانيا ستنشران ألف جندي لمعاونة الأميركيين، لكن حتى الآن لم تعلن أي من لندن أو باريس موافقتھا على الطلب الأميركي.
ففي السياسة ومع وجود المصالح والخطط، يحصل تقاطع مصالح بين الروس والأميركيين، والنقطة الأولى في ھذا التقاطع  تتعلق بحفظ مصالح "إسرائيل" الأمنية في سوريا والمنطقة الآمنة. وأكثر ما يفرضه التقاطع في المصالح بين روسيا والولايات المتحدة، ھو حتمية التعاون في الميدان السوري من أجل تجنب اندلاع صدام عسكري واسع، يؤدي إلى تورط موسكو وواشنطن فيه. ولكن الأزمة الحقيقية العالقة لا تزال في طروحات روسية مفاجئة تتحدث عن التوازنات في السلطة ما بعد الحرب، حيث اقترح الروس إعادة صياغة توزيع مراكز القوى على نحو محدد بنصوص دستورية تتجاوز المواطنية السائدة في الدولة السورية راھنا، وھو أمر لا تزال الدولة السورية -مدعومة من إيران- ترفضه.

وازاء تعثر الحل السياسي  يستبعد الافراج عن مبادرات لإعادة النازحين السوريين، لانها تعتبر ورقة تفاوضية مھمة في ھذه المرحلة الحساسة التي تضغط فيھا تركيا والسعودية ومعھا دول الخليج لتحقيق حل سياسي يناسبھا، واضعة شرط تمويل إعادة ھؤلاء، وعملية إعادة الإعمار، بندا أساسيا على الطاولة.

في هذه الاجواء حصلت زيارة الرئيس السوري بشار الأسد الى طھران، وھي  الأولى له منذ بداية الحرب بعدما كانت وجھته فقط الى روسيا. وقد  أكد  كل من المرشد السيد علي خامنئي والرئيس حسن روحاني تأييدھما المطلق لوجھة نظر الرئيس بشار الأسد الذي لا يرغب بأي شكل من الأشكال في إعادة استيلاد التجربة اللبنانية الطائفية والتي لم تؤسس لدولة حتى الآن.

وبينما تتأرجح العلاقة الإيرانية ـ الروسية بين التحالف والتنافس، لا توفّر الولايات المتحدة وحلفاؤھا أي وقت أو جھد للضغط على الحكومة السورية، سياسيا واقتصاديا، بما يشمل ملفات "اللجنة الدستورية" والسيادة على الجزء المحتل من الجولان، كما مصير إدلب وشرق الفرات.

فقد خرج مؤتمر "دعم مستقبل سوريا والمنطقة"، الذي عُقد في بروكسل مؤخراً، بـ"تعھدات" وصلت إلى 7 مليارات دولار أميركي من الدول المانحة، وسط تحشيد سياسي غربي واسع ضد دمشق، ووعيد بمنع استفادة الحكومة السورية من أي جزء من تلك المساعدات.

ورغم الضغوط على دمشق، فإن الأخيرة لا تبدي أي استعداد لتقديم تنازلات في المسار السياسي، حتى أنھا أوصلت رسالة واضحة إلى المبعوث الأممي الجديد غير بيدرسن، تفيد بأنھا "غير مستعدة لنقاش أي قضايا سيادية"، ولن تقبل بدور أممي يتجاوز تيسير المحادثات، ولا سيما في ملف "اللجنة الدستورية".

دمشق التي ترفض التنازل السياسي، تتحرك على خط التنسيق السوري العراقي الإيراني الذي حقق في الفترة الأخيرة نقلة نوعية في العلاقات والاتفاقيات الاقتصادية والمالية والمصرفية، مما يؤسس لتوازن استراتيجي جديد لا تستطيع روسيا ان تكون بعيدة عنه.