intifada

روسيا vs أميركا

انقلاب في البلقان.. صربيا تطعن موسكو وتنحاز للغرب

05/03/2022

انقلاب في البلقان.. صربيا تطعن موسكو وتنحاز للغرب

د. علي دربج - باحث ومحاضر جامعي

ترددت أصداء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، في جميع أنحاء البلقان، وظهرت الانقسامات الإقليمية وبرز تغير الولاءات والتواطؤ مع القوى الغربية، كما انجلت نقاط الضعف السياسية في هذه المنطقة الحساسة من العالم.

ففي حين أعرب أعضاء حلف شمال الأطلسي "الناتو" كرواتيا والجبل الأسود وألبانيا ومقدونيا الشمالية دعمهم الكامل لأوكرانيا، كان ردّ فعل صربيا في البداية متناقضًا بشكل صارخ مع سياسة الاتحاد الأوروبي، (التي تأمل في الانضمام إليه يومًا ما). لكنها ما لبثت أن انقلبت على موسكو واصطفت مع الغرب، وعمدت الى الطعن بروسيا من خلال إدانتها العملية الحربية الروسية، في تحول نوعي بموقف صربيا، الذي أثار صدمة الكثير من المراقبين الروس وحتى الغربيين، وعدّوه انجازًا كبيرًا في سياسة بلغراد تجاه موسكو.
 
كيف كان موقف بلغراد من العملية العسكرية الروسية بداية؟

تعد روسيا شريكًا استراتيجيًا لصربيا، حيث تعتمد بلغراد بشكل كبير على إمدادات الطاقة الروسية، وعلى دعم موسكو لسياسة بلغراد بشأن كوسوفو. وفي 25  شباط/ فبراير الماضي، صرح الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش علانية أنه رغم احترام صربيا للمعايير القانونية الدولية، إلا أنها ستحمي مصالحها الوطنية الخاصة وتحترم صداقاتها التقليدية.
 
وفي أعقاب اطلاق موسكو عمليتها العسكرية ضد أوكرانيا، لم ترفض بلغراد تبني أي عقوبات ضد روسيا فحسب، بل وقفت الى جانب الكرملين في خطواته العسكرية في أوكرانيا.

وبخلاف معظم الدول الأوروبية التي أغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات الروسية، أبقت صربيا أجواءها مفتوحة. علاوة على ذلك، ضاعفت الخطوط الجوية الصربية المملوكة للدولة رحلاتها من بلغراد إلى موسكو، حيث ارتفعت من رحلة واحدة إلى ثلاث رحلات يوميًا.

وفي الأسابيع التي سبقت بدء العملية العسكرية، تبنت صربيا بشغف جهود موسكو لمنع متطوعي البلقان من الانضمام إلى فرق "المرتزقة الأجانب لمساعدة أوكرانيا" والكلام لمسؤول صربي. ونظرًا لأهمية هذا الأمر بالنسبة للكرملين، كان سكرتير مجلس الأمن الروسي، نيكولاي باتروشيف، يعتزم السفر إلى بلغراد في 28 شباط/ فبراير الفائت لمناقشة التقارير التي تفيد بتجنيد متطوعين من كوسوفو وألبانيا والبوسنة والهرسك للقتال إلى جانب أوكرانيا. لكن زيارته ألغيت في أعقاب عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد المسؤولين الروس.

ما هو موقف صرب البوسنة؟

في تقاطع مع السياسة الصربية تجاه موسكو، كان ميلوراد دوديك، العضو الصربي في الرئاسة الثلاثية للبوسنة والهرسك، قد حذر أيضًا من أن تصريح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف حول مسألة المقاتلين الأجانب يجب أن يؤخذ على محمل الجد.

بعد بدء الحرب، دعا دوديك إلى أن تظل البوسنة والهرسك محايدة بشأن الحرب في أوكرانيا، وهو موقف قريب من موقف صربيا (قبل التحول). ليس هذا فحسب، إذ غادر اجتماع الرئاسة في 2 اذار/ مارس الحالي احتجاجًا على عرض العضوين البوسنيين والكروات البوسنيين، شفيق دافيروفيتش وجيليكو كومشيتش مواقفهما الخاصة من خلال سفيريهما في بروكسل ونيويورك، المواقف التي لم يتم الاتفاق عليها في الرئاسة الثلاثية للكيان البوسني الذي انبثق عن اتفاق دايتون 1995. وأضاف دوديك إن "سفير البوسنة والهرسك لدى الأمم المتحدة ، سفين الكالا، انضم إلى بيان الاتحاد الأوروبي بشأن أوكرانيا نيابة عن البلاد دون تفويض من الرئاسة الثلاثية؛ لذلك، يجب إبطال الموقف البوسني".

ماذا عن الدول الأخرى في البلقان موقفها من موسكو؟
 
عمليًا، فرضت بقية دول غرب البلقان عقوبات على روسيا، وأغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات الروسية، وقدمت مساعدات عسكرية وإنسانية لأوكرانيا. بالإضافة إلى ذلك، أعلن متطوعون من كرواتيا والجبل الأسود أنهم انضموا بالفعل إلى المقاتلين الأوكرانيين لمقاومة ما أسموه " الغزو الروسي".
 
أما، في الجبل الأسود، فتعتبر مسألة انضمام المقاتلين المحليين لمواجهة تقدم الجيش الروسي في أوكرانيا أكثر إثارة للانقسام السياسي. جرّم الجبل الأسود المشاركة في النزاعات الخارجية في اذار/ مارس 2015، عندما انضم بعض المرتزقة الصرب الى جبهة الارهاب العالمية التي قادها تنظيم "داعش" في سوريا والعراق. لذلك عمدت الجبهة الديمقراطية الموالية للصرب الى حث السلطات على وقف تجنيد المقاتلين المتطوعين للقتال الى جانب أوكرانيا.

وفي الوقت نفسه، نظمت المنظمات الموالية للصرب مسيرة مؤيدة لروسيا حملت العلمين الروسي والصربي في مدينة نيكشيتش، دعمًا "لمحاولات روسيا لحماية شعبها في أوكرانيا". ومع ذلك، أعلنت غالبية الأحزاب السياسية في الجبل الأسود دعمها القوي لأوكرانيا وأدانت رسميًا ما أسمته "الهجوم الروسي".

كيف انقلبت بلغراد على موسكو؟
 
قد لا يبدو مستغربًا موقف كل من كرواتيا والبوسنة وحتى بعض الجماعات الموالية لأوروبا في الجبل الاسود، من روسيا ومجاراتهم للغرب، لكن المفاجأة الكبرى، تتمثل بالطعنة التي وجتهها صربيا لموسكو (غطائها الاستراتيجي) لاحقا، وفي لحظة استثنائية حرجة، بالرغم من كل ما قدمته لبلغراد على مدار العقود (من دعم على مختلف الاصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية والاممية). في النهاية واستجابة للغرب، اختارت صربيا الانضمام  ــ الاربعاء الماضي ــ إلى 141 دولة عضو في الأمم المتحدة في إدانة العملية الروسية في أوكرانيا.  

الملفت أن الرئيس الصربي، كان أعلن في السابق أن صربيا ستصوت ضد مثل هذا القرار إذا احتوى على أي عقوبات ضد روسيا. وأوضح الرئيس فوتشيتش أن "النص لا يذكر أي عقوبات، لكن من المهم بالتأكيد بالنسبة لنا إدانة انهيار وحدة أراضي أي دولة عضو في الأمم المتحدة".

تُحدِث العمليات العسكرية الجارية في اوكرانيا على تغييرًا جذريًا في البيئة السياسية في البلقان، وأول ارتداداتها كان إعلان كوسوفو عن رغبتها في أن تصبح عضوًا في "الناتو"، وبدعم من تركيا وحلفاء شمال الأطلسي الآخرين، تلا ذلك الانحياز الصربي الى جانب الغرب، وتنكّر بلغراد لتاريخ موسكو الطويل المساند لها، ورضوخها للإملاءات الغربية، بذريعة أنها التي تلقت اشارات أطلسية تفيد أن الغرب بقيادة الولايات المتحدة - التي تشكل رأس الحربة بتحريض العالم على روسيا - تخطط حاليًا لشلّ حركة موسكو في مجلس الأمن ومحاصرتها (عبر طرد دبلوماسيين روس)، تمهيدًا ربما "لطرد روسيا من الأمم المتحدة" بعد اتهامها بارتكاب جرائم حرب.

تشعر بلغراد اليوم بالقلق الكبير، بشأن ما إذا كانت ستحصل على نفس القدر من الدعم الروسي في مجلس الأمن الدولي كما كانت تتمتع به  بعد انقلابها على شريكها الاستراتيجي في زمن مصيري منقطع النظير، موسكو احوج ما تكون فيه الآن الى الحصول على الدعم من حلفائها.

البوسنة والهرسكالبلقانصربياكرواتيا

إقرأ المزيد في: روسيا vs أميركا