آراء وتحليلات

روسيا محط أنظار العالم: أكبر حشد عسكري منذ الحرب الباردة

18/02/2022

روسيا محط أنظار العالم: أكبر حشد عسكري منذ الحرب الباردة

د. علي دربج - باحث ومحاضر جامعي

منذ بدء الأزمة الأوكرانية والتحشيد العسكري الروسي البري والجوي والبحري سواء على حدود كييف أو في البحار والمحيطات القريبة أو البعيدة عنها، هو الشغل الشاغل للدول والأجهزة الاستخباراتية ووسائل الإعلام العالمية، والخبراء والمحللين العسكريين، حيث تختلف التقديرات والأرقام الدقيقة لعديد القوات ونوعيتها وقدراتها، فضلًا عن حجم الأساطيل الجوية والبحرية المتأهبة، بانتظار اشارة إما الهجوم أو الانسحاب من قبل الكرملين.
 
ما هو الحجم الفعلي للحشود الروسية؟

من المعلوم أن موسكو لم تفصح رسميًا عن أعداد قواتها على الحدود، ومع ذلك تشير تقديرات غالبية الخبراء، إلى أنها نشرت بين 100 و130 ألف جندي متمركزين حول أوكرانيا، وبذلك يكون بوتين قد حشد بالفعل نحو 70 بالمائة من القوات المطلوبة، في حال عزم على القيام بتدخل عسكري شامل في كييف.

وفقًا للمحللين الروس، فإن معظم التعزيزات العسكرية حتى الآن تضمنت قوات ومعدات (من الدبابات والمدفعية إلى الذخيرة والقوة الجوية) استغرقت وقتًا طويلًا لنشرها، خصوصًا الدبابات والدروع الثقيلة، والتي تم استقدام بعضها بالقطار من قواعد بعيدة مثل سيبيريا.

ومع ذلك، ولمعرفة حجم هذا التراكم، نحتاج أولًا إلى فهم خصائص الجيش الروسي. عمليًا، تجمّعت حوالي 100 كتيبة تكتيكية روسية - تشكيلات قتالية قوامها 1000 جندي أو نحو ذلك مجهزة بالمدفعية والدبابات والدفاع الجوي واللوجستيات الخاصة بهم - على حدود أوكرانيا مع روسيا وبيلاروسيا، وفقًا لـ مركز Rochan Consulting (متخصص بتحليل النزاعات العسكرية)، الذي يتابع التحركات العسكرية الروسية. وعلى سبيل القياس، خلال الحرب الروسية - الأوكرانية عام 2015، لم ترسل الإدارة الروسية أكثر من اثنتي عشرة كتيبة تكتيكية.

وعليه، فإن هذه الأرقام، تقض مضاجع الغرب وأوكرانيا عند مقارنتها مع واقعة ارسال الاتحاد السوفياتي في عام 1968 حوالي ربع مليون جندي لغزو تشيكوسلوفاكيا، بمشاركة الدول الأعضاء (مجتمعة في حلف وارسو).

ماذا عن الأساطيل البحرية؟

اضافة إلى فرق المشاة هذه، زجت موسكو بأساطيلها البحرية الأربعة: البلطيق والبحر الأسود، والشمال والمحيط الهادئ، حيث كانت وزارة الدفاع الروسية أعلنت أنها ستجري تدريبات في كانون الثاني/ ديسمبر وشباط / فبراير 2022، بمشاركة أكثر من 140 سفينة حربية ودعم، و10 آلاف جندي، على أن تتضمن إطلاق صواريخ قبالة الساحل الغربي لإيرلندا.

وبالفعل أبحرت ست سفن هجومية برمائية كبيرة محملة بالكامل (ثلاث من أسطول البلطيق وثلاث من الأسطول الشمالي) عبر مضيق البوسفور التركي، إلى البحر الأسود،  ووصلت إلى "سيفاستوبول" وهي قاعدة بحرية في شبه جزيرة القرم لإجراء تدريبات بحرية. اضافة الى أسطول البحر الأسود، ركزت موسكو ما يصل إلى 14 سفينة إنزال في حوض هذا البحر.

كما اتجهت السفن الرئيسية من أسطول المحيط الهادئ، أيضًا إلى البحر الأبيض المتوسط. يمكن لمثل هذه المجموعة الكبيرة أن تحمل مجتمعة بين 4500 - 5000 من مشاة البحرية المزودين بأسلحة ومعدات لعملية هجومية برمائية محتملة. أيضًا نقلت روسيا على عجل قطعًا هجومية سريعة جاهزة للقتال من فئة "رابتور" إلى منطقة البحر الأسود.

روسيا محط أنظار العالم: أكبر حشد عسكري منذ الحرب الباردة

ليس هذا فحسب، من المتوقع وصول غواصتين صاروخيتين محسنتين من طراز  "كليو" و فرقاطتين صاروخيتين إلى البحر الأسود قريبًا. كلا المنصتين البحريتين تحملان صواريخ كاليبر طويلة المدى.  زد على ذلك، إن أحدث فرقاطة روسية، الأدميرال كاساتونوف، من الأسطول الشمالي  -مجهزة بأحدث صواريخ "تسيركون" الفائقة السرعة- انضمت الى الحشود البحرية خلال اليومين الماضيين.

أكثر من ذلك، جرى نشر طرادات صواريخ روسية من طراز سلافا - فارياج (أسطول المحيط الهادئ) ومارشال أوستينوف (الأسطول الشمالي) في البحر الأبيض المتوسط. أما اللافت وسط كل هذا الصخب، فهو وجود طراد الصواريخ Moskva (من أسطول البحر الأسود)، الى جانب هذه المجموعات البحرية الروسية. الجدير بالذكر أن هذا النوع من الطرادات يطلق عليه اسم "قاتل حاملة الطائرات" من هنا فإن الكرملين وعبر تحريكه هذه الطرادات يهدف الى ايصال اشارات تحذيرية الى واشنطن.

 من جهة ثانية، تم رصد عوامل التمكين الهندسية واللوجستية والطبية. إذ شوهدت (دائما استنادا لمصادر عسكرية روسية) "قوات خطوط الأنابيب" الروسية، التي تزود القوات الآلية بالوقود بسرعة، ويمكنها مد ما يصل إلى 80 كيلومترًا من خطوط الأنابيب يوميًا، في كراسنودار، بالقرب من شبه جزيرة القرم.
 
كيف تنظر واشنطن والناتو الى هذه الحشود الروسية؟

 تعد أوكرانيا حاليًا مطوقة بشكل أساسي من ثلاث جهات، بسبب المناورة العسكرية الروسية الكبيرة المشتركة مع بيلاروسيا والتي بدأت في 10 شباط/ فبراير الحالي تحت عنوان "عزم الحلفاء"، ومن المقرر أن  تختم في 20 الجاري.

أثارت هذه المناورة قلق كل من واشنطن وحلف "الناتو" الذي اعتبر أمينه العام "ينس ستولتنبرغ"، أن انتشار موسكو في بيلاروسيا هو الأكبر منذ الحرب الباردة، خصوصًا مع "مشاركة 30 ألف جندي قتالي، وقوات العمليات الخاصة "سبيتس ناز"، والطائرات المقاتلة بما في ذلك سو -35، وصواريخ إسكندر ذات القدرة المزدوجة وأنظمة الدفاع الجوي إس -400.

ويرى هؤلاء، أن هذا التعزيز الروسي الحالي ليس بعيدًا عن أكبر تدريب سوفياتي على الإطلاق تم اجراؤه خلال الحرب الباردة، وهو مناورة "زاباد" العسكرية عام 1981، والتي اعتبرت أضخم وأعظم مناورة قام بها الاتحاد السوفياتي، حيث حشدت حينها ما يصل إلى 150.000 جندي من جميع أنحاء الاتحاد السوفياتي ودول حلف وارسو السابق.

وقياسًا مع الوضع الحالي، نجد أن القوات الروسية (باختلاف أرقامها) قد تجاوزت بالفعل أكبر تمرين لـ"الناتو" والذي عرف باسم "ريفورجر" في عام 1988، وجمع  آنذاك حوالي 125000 جندي. كما أن حشد القوات الروسية اليوم، تجاوز الحشود الأمريكية في أوروبا قبل حرب الخليج الأولى في عام 1991، أو الحملة الجوية للناتو ضد صربيا في عام 1999.

وقد يكون من المفيد التذكير، بأن آخر تعبئة بهذا الحجم، كانت "عملية العاصفة"، وهي هجوم كرواتي ضد صربيا نفذ في عام 1995، أثناء حروب البلقان، حيث تم دفع ما يصل إلى 130 ألف جندي كرواتي إلى القيام بهذا الهجوم.   

ما هو تأثير الانتشار العسكري الروسي على اوكرانيا؟

عند النظر في خارطة الانتشار الروسي، نستنتج أن روسيا أنشأت نقاط ضغط على ثلاث جهات من أوكرانيا - في شبه جزيرة القرم في الجنوب، وعلى الجانب الروسي من حدود البلدين، وفي بيلاروسيا في الشمال.

بالمقابل، تم تصنيف دونيتسك ولوهانسك في شرق أوكرانيا من قبل جنرالات روس متقاعدين، على أنهما المناطق الأكثر احتمالية "للغزو" حيث توجد قاعدة كبيرة في يلنيا وهي تضم دبابات روسية ومدفعية ومدرعات.

 وعليه، سيكون شبه جزيرة القرم، أرضًا مثالية لأي عمل عسكري، كونها تضم انتشارًا كبيرًا للقوات والمعدات الروسية، وبالتوازي مع ذلك، وفي حال حصول حرب، سيتم دعم التحركات في منطقة جنوب أوكرانيا من قبل القوات الموجودة في ترانسنيستريا، المنطقة التي تتواجد فيها الجماعات الموالية لروسيا في مولدوفا. ولا ننسى أن بيلاروسيا، أيضًا، تصنف كأهم نقطة انطلاق عند حصول هجوم على كييف.
في الختام، التاريخ حافل بالشواهد على حشود عسكرية لدول، ضد أخرى. غير أن ذلك لا يعني أن الحرب واقعة حتمًا، فقد تكون مقدمة للتهدئة وفتح باب الدبلوماسية مجددًا، تداركًا للخطر القادم، هو ما نراه يظهر في الأيام الأخيرة من خلال إعلان "الناتو" جهوزيته للحوار.

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات