25may3

آراء وتحليلات

الأزمة من القاهرة إلى بيروت.. إعادة إنتاج الفوضى

26/01/2022

الأزمة من القاهرة إلى بيروت.. إعادة إنتاج الفوضى

أحمد فؤاد

تمر الأمة العربية اليوم بأزمة مستحكمة، بدولها الغنية بمواردها، والأخرى الواقعة بين مطرقة الفقر وسندان العجز. ومع ما يمر به العالم من تداعيات اقتصادية كارثية لأزمة تفشي جائحة كورونا، فإن الأوضاع تضغط بشدة للتنبيه والتحذير قبل أن تتراكم الخسارة الجديدة فوق الخسائر القديمة، ويحين وقت الإفلاس الكامل في مواجهة الأزمات، إفلاس القدرة على الفعل والتغيير من جانب الحكومات، ثم إفلاس أخطر يهدد إرادة الشعوب، ويبدد رغبتها بقدر ما يهدد مستقبلها.

ولعل أخطر ما يواجه دولة ما في خضم واقع صعب، هو الهروب إلى الأمام، باللجوء إلى أقرب حل متاح ومعروض، إذ تتخلى الدولة طوعًا عن آخر قطرات الوقود الذي تملكه رهانًا على الطريق السهل، أو الذي يبدو لحكومتها سهلًا وممكنًا، وبدلًا من وضع تقدير يبحث عن الحقائق المحددة والإجابة التقريرية عن واقع الحال، يصبح الخطاب الموجه للشعوب مجرد حديث مطلق وعمومي، والكلمات إنشائية جوفاء من كل معنى أو حل.

والحقيقة الوحيدة في الفضاء العربي هي أن الجميع يمر بأزمة اقتصاد خانقة، يزيدها التدخل الحكومي اشتعالًا، وتنعكس نيرانها على الطبقات الأفقر، وتلفحهم بموجات حارقة من التضخم، ومن وراء الستار تبرز طبقة جديدة نجحت في استغلال الحاجة الشديدة للناس في مراكمة ومضاعفة الأرباح، ونجحت في التجارة بالأزمة الهائلة، ثم هي ككل الطبقات التي يرتبط وجودها وولاؤها بالخارج حوّلت ما تستطيع إلى بنوك الغرب، فتركت الشعوب وقد بددت مواردها ونهبت ثرواتها، ثم هي لا تجد للمستقبل مرشدًا ولا للحاضر قائدًا.

خلال الأسبوع الحالي، الأخير من شهر كانون الثاني/ يناير، تتجمع نذر العواصف فوق سماء القاهرة وبيروت، بعضها مخاطر متوقعة تهدد الكيان الوطني، لكن أغلبها مصائب واقعة. عقب سنوات طوال من السير في طريق "التنمية" كما تصفه وترضى عنه دول الغرب، تُركت العاصمتان في مواجهة مجهول مرعب، إما إعلان الفشل وبالتالي الانكشاف تمامًا، كما هو مرغوب بشدة في حالة لبنان، أو نزع لورقة توت أخيرة تداري سوأة النظام المصري الحاكم وخياراته وحساباته وخزانته التي جفت تمامًا.

وقبل أيام قليلة، كشفت مؤسسات التصنيف الدولية عن ارتفاع تكلفة مخاطر التأمين على سداد الديون المصرية إلى نسبة 19%، الأعلى في العالم، بما تعنيه من الحد من قدرة النظام على الاستدانة من أسواق العالم، أو رفع تكلفة الفوائد إلى مستويات قياسية جديدة، إذ ليس من المرجح أن يتوقف النظام عن الاقتراض أصلًا. ثم جاءت الطامة الكبرى بإعلان المراكز المالية للبنوك المصرية، والتي كشفت ارتفاع صافي الالتزامات المالية بالعملة الأجنبية إلى 7.1 مليار دولار (سالب 7.1)، في ظل الإنفاق المسيطر على الحكومة المصرية، والموجه كله لمشروعات لم تثبت لها جدوى طوال السنوات السابقة.

عقب صعود الرئيس المصري الحالي إلى سدة الحكم، في 2014، قرر أن الوقت قد حان لإجراء إصلاح اقتصادي جديد، تمامًا مثلما فعل السادات ومبارك في سنوات حكمهما الأولى، ومن البوابة ذاتها، صندوق النقد الدولي، وباللغة التي يحب الغرب سماعها، الاعتماد على القطاع الخاص، تدشين مشروعات البنية التحتية من طرق وسكك حديدية، وترك السوق تحت رحمة طبقة المضاربين المرتبطين بالغرب، ثم اللجوء إلى الاقتراض كحل لمواجهة عجز الموازنة، وأخيرًا المزيد من انكفاء الدولة وتراجعها.

ولتوضيح مآل الإصلاح الاقتصادي المصري، المتفرد في سياساته ونتائجه، فإن كل الأرقام الحكومية كارثية، ومهما بلغ الجهد فليس هناك أي رقم إيجابي -حقيقي- يمكننا من ابتلاع الضغوط الهائلة التي فرضت على الطبقتين المتوسطة والفقيرة من جراء القرارات الغبية التي تتخذها الحكومة بليل كالح، فإذا هي تسوّد عيشة الناس بقية وجه الأيام، وتجعل من الاستمرار في الحياة ذاتها تحديًا هائلًا ومريرًا.

وفي كل حديث للرئيس المصري خلال السنوات الماضية، كانت كلمة الدعم هي الحجة التي يعلق عليها العجز المزمن في الموازنة، وبالتالي تحجيم قدرة الحكومة على تخصيص المزيد من الموارد لدعم الطبقات الفقيرة، في ظل اكتساح التعويم لقدراتهم الشرائية وتراجع الدخول الحقيقية، وهو حديث يكشف زيفه تخصيص الموازنة الحالية لعام 2021/2022، لمبلغ 87 مليار جنيه لدعم الخبز والسلع التموينية، فيما بلغت مخصصات فوائد وأقساط القروض مبلغ 1.17285 تريليون جنيه.

في العام الذي تولي فيه الرئيس الحالي الحكم، 2014، كانت الديون الخارجية لمصر 46 مليار دولار، ارتفعت لتصل إلى 137.9 مليار دولار، وكذلك انطلقت الديون الداخلية -وهي العنصر الأقل خطورة- من  1816 لتصل إلى 4742 مليار جنيه بنفس المدة، وهي أموال جرى إهدارها دون دراسات، والأهم: دون أي تغيير في الهيكل الاقتصادي المصري، الذي لا يزال يعتمد على الريع، من دخل السياحة وتحويلات العاملين بالخارج وقناة السويس كمصادر وحيدة للعملة الصعبة.

وبالنسبة للديون الخارجية بالذات، وهي أداة التدخل الأجنبي الأولى، وتمثل جرحًا غائرًا وعميقًا في الضمير الوطني المصري، بعد أن تسببت سابقًا في الاحتلال الإنجليزي 1882، فإن ما جرى استدانته، ويقدر بنحو 90 مليار دولار على الأقل، لم يوجه إلى أي مشروع قادر على التصدير أو توليد عملة أجنبية، وبالتالي فإن البلد دخل في حال من الاستنزاف لم تعرف له مثيلًا، إذ المطلوب سداد الفوائد والأقساط الهائلة على مبالغ لم يجر فعلًا الاستفادة منها بأي شكل.

بيروت هي الأخرى على موعد مضروب مع صندوق النقد الدولي، لمجابهة أزمة اقتصادية خانقة، وجدت في خبراء الصندوق الحل الوحيد لمواجهتها، وفقًا للحكومة الحالية، وأيضًا لبعض الأصوات التي ترى في التدخل الغربي حلًا للأزمة التي صنعها التدخل الغربي نفسه، عن طريق الحصار وغيره من سياسات حرب استنزاف تجرى على لبنان وفيه.

وواقع الحال، سواء في لبنان أو مصر، يقول إن المال الأجنبي يصنع الأزمة، ويلقي إلى الحكومات التابعة بحبل الحل الزائف، فإذا انقضت المسيرة، ووصلت إلى نهاية الطريق فلا تعثر عليه حيث تصورته، ولا تجد له أي أثر، ويؤكد أن الدول العربية التي تغازلها أوهام التنمية بالشكل والطريقة الغربية، وتغذي البنوك ومؤسسات السيطرة المالية العالمية الأماني الكاذبة بتقارير خداعة، ثم تلجأ في ليل حالك إلى القروض كحل لمواجهة مشكلاتها، وتفيق على أسوأ واقع ممكن، وسياط الفوائد المرعبة تبتلع الاستقلال الوطني وتستنزف الكرامة والدم.

مصر

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات